اللقاء الذي لم يكن يجب أن يحدث
لم أكن أؤمن بالصدف، لكنني في تلك الليلة بدأت أكرهها.
كان المطر ينهمر بعناد، كأنه يصرّ على غسل المدينة من أسرارها القديمة. دخلتُ المقهى متأخرة، معطفـي يقطر ماءً، وقلبي مثقل بأكثر من مجرد تعب يوم طويل. لم أرفع رأسي فورًا، كنت أبحث فقط عن طاولة بعيدة… آمنة.
ثم سمعته.
ذلك الصوت.
هادئ، عميق، ومزعج على نحو غريب.
رفعتُ عيني، فتجمد الزمن.
هو.
عدوي.
جلس قبالتي دون أن يقصد، أو لعل القدر كان أكثر خبثًا مما تخيلت. نظراته اصطدمت بنظراتي، وفي لحظة واحدة عادت كل الحكايات التي سمعتها عنه، كل التحذيرات، كل الكراهية الموروثة التي لم أشارك في صناعتها لكنني حُمّلت وزرها.
كان اسمه يُذكر في بيتنا كما تُذكر اللعنة.
وكان اسمي في بيته… لا يختلف كثيرًا.
لم يقل شيئًا، وأنا أيضًا.
لكن الصمت بيننا كان صاخبًا.
ملامحه لم تكن كما رسمتها القصص: لا قسوة ظاهرة، لا شر واضح. فقط عينان تحملان تعبًا يشبه تعبي، وكأننا نلتقي في منتصف حرب لم نخترها.
حاولتُ تجاهله، لكن شيئًا ما في داخلي رفض.
رفض أن يراه عدوًا فقط.
ورفض — وهذا الأخطر — أن ينكر الرجفة الخفيفة التي مرّت في صدري.
نهضتُ سريعًا، دفعتُ ثمن قهوتي دون أن أتذوقها، وقبل أن أبتعد سمعتُه يقول بصوت خافت:
«يبدو أن الماضي لا يملّ من مطاردتنا.»
توقفتُ.
لم ألتفت.
لكن قلبي فعل.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن هذا اللقاء…
لم يكن بداية كراهية جديدة،
بل بداية حرب داخلية لن أخرج منها سالمة.
وكان عليّ أن أختار:
إما أن أكرهه كما يُفترض بي…
أو أن أواجه الحقيقة التي بدأت تنمو في صمت:
أن عدوي، قد يكون أخطر حب عرفته يومًا.