اليقظة في الحقل الأزرق
الفصل الأول: اليقظة في الحقل الأزرق الذي ليس أزرقاً
كان الحقل يمتد إلى حيث يتوقف البصر عن كونه بصراً. العشب كان بلون لا يوجد في قواميس الألوان—شيء بين الزرقة والنسيان. كايل افتح عينيه وهو مستلقٍ على ظهره، السماء فوقه ليست سماءً بل سقفاً من زجاج معتم تتخلله عروق ذهبية تنبض كشرايين.
لم يتساءل كيف وصل إلى هنا. السؤال الأول الذي خطر له كان: "من أين أعرف أن هذه عيناي التي أفتحها؟"
جلس. الأرض تحته ناعمة جداً لدرجة أنها بدت وكأنها تتجنب إيذائه. حاول أن يتذكر. لا شيء. لا طفولة، لا اسم، لا وجه أم. فقط شعور عميق بأنه نسي شيئاً كان على وشك تذكره.
ثم رأى الورقة. كانت بيضاء ببياض يؤلم العينين، ملقاة على العشب غير الأزرق كما لو انتظرته دائماً. مد يده—هل هي يده؟—وأمسك بها. الحروف كانت سوداء لكنها تتحرك تحت أصابعه كحشرات صغيرة:
"مرحباً بك كايل كوستراف في عالم الجنون. نتمنى لك حياة طيبة. أو لنقل: جنوناً سعيداً. ملاحظة: أنت مت في العالم الآخر. لذا انس العود."
قرأ الجملة ثلاث مرات. اسمه كان كايل كوستراف. هذه المعلومة الأولى. المعلومة الثانية: كان في مكان اسمه عالم الجنون. الثالثة: كان ميتاً في مكان آخر. الرابعة: عليه أن ينسى العودة.
لم يشعر بصدمة. لم يشعر بخوف. شعر فقط بفضول عميق، كمن يقرأ قصة عن شخص آخر. وقف. ملابسه كانت بسيطة: بنطلون رمادي، قميص أبيض، لا جيوب. بحث عن جيوب. لا شيء. أين يضع الورقة؟ قرر أن يمسكها بيده.
بدأ يمشي. لا اتجاه. لا هدف. فقط المشي كتجريب لفكرة الحركة. مع كل خطوة، لاحظ أن لون العشب يتغير قليلاً—يصبح أكثر زرقة أو أكثر شحوبة حسب اتجاه خطواته.
صوت: "المشي اختراع جيد للهروب من السؤال: لماذا تقف؟"
كايل توقف. الرجل كان جالساً على كرسي من هواء متصلّب. كان يرتدي بدلة سوداء مثقوبة بآلاف الثقوب الدقيقة، ومن كل ثقب يخرج خيط ضوء رفيع.
الرجل: "أنا نيون. أو هذا ما ستدعيني به عندما تقرر أن تحتاج إلى اسم لي."
كايل: "أين أنا؟"
نيون: "في سؤال لم تكتمل صياغته بعد."
كايل نظر إلى الورقة في يده ثم إلى نيون: "هذه تقول إنني ميت."
نيون: "الموت افتراض مريح. كأن تقول: النهاية هناك، إذن هناك راحة في المنتصف."
كايل: "أنا لا أفهم."
نيون: "الفهم قفص جميل. أنت حر لأنه لا يوجد ما تفهمه بعد."
ظهرت فجأة على وجه نيون ابتسامة كانت تحمل الكثير من الحزن والإعجاب معاً: "ستلتقي بالكثيرين. كل سيقول لك إن الآخرين خطرون. أنا سأبدأ: احذر من الذي سيأتي الليلة ويهمس بأن الضياع راحة. هو لا يريد راحتك، بل خوفك."
قبل أن يسأل كايل ماذا يعني، انسحب الكرسي الهوائي إلى داخل الأرض، ونيون معه، كأنهما كانا رسماً على الرمال فجاءت ريحة محته.
بقي كايل واقفاً. الورقة في يده بدأت تتلاشى. الحروف تتحول إلى رماد يذروه الهواء الخفيف. عندما اختفت تماماً، شعر لأول مرة بشيء يشبه الخوف. ليس خوفاً من شيء محدد، بل خوفاً من فكرة أنه قد يخاف لاحقاً.
قرر أن يستمر في المشي. الشمس—إن كانت شمساً—لم تكن تدور حول الأرض بل كانت تظهر فجأة في أماكن مختلفة من السماء الزجاجية. كان الوقت يتصرف كسائل كثيف: أحياناً يمر ببطء يخنق، وأحياناً يقفز دقائق كاملة.
مشى حتى أصبحت ساقاه تؤلمانها. لم يجد نهاية للحقل. فقط لون العشب أصبح الآن أرجوانياً فاتحاً. كان يتساءل إن كان سيموت جوعاً أو عطشاً، عندما رأى النهر.
كان النهر يسير بشكل عمودي. الماء يتدفق من الأسفل إلى الأعلى، محلقاً في الهواء قبل أن ينهار على نفسه ويعود للأسفل. بالقرب منه، جلس رجل يبدو أنه يبكي، لكن عندما اقترب كايل، أدرك أن الرجل يضحك بدموع.
الرجل (من دون أن ينظر): "أتعرف لماذا البكاء والضحك نفس الدموع؟ لأن المشاعر أغبية. تظن أنها فريدة."
كايل: "من أنت؟"
الرجل: "ميرابيل. أو هكذا ستدعوني عندما تمل من المنطق."
ميرابيل التفت. عيناه كانتا بلونين مختلفين: واحدة خضراء كالعشب الأول، الأخرى حمراء كتحذير. "نيون سبقني؟ قال لك أن الجنون مرض؟"
كايل: "قال أحذر من الذي يأتي الليلة."
ميرابيل ضحك—دموع حقيقية هذه المرة: "الليلة! وكأن الزمن هنا يتبع قواعد! أنا آتي عندما تشعر أنك تفقد عقلك. وهذا يحدث الآن، أليس كذلك؟"
كان محقاً. كايل شعر بأن الأفكار تتحرك في رأسه ككرات في آلة بينبول.
كايل: "ما الذي يحدث هنا؟"
ميرابيل: "تجربة. أنت تجرب كونك كايل. وكون كايل يجرب كونه هنا. والكل يراقب."
وقف ميرابيل ومشى باتجاه النهر العمودي. وضع يده في الماء المتدفق للأعلى، فبدأ الماء بالتدفق للأسود. "كل شيء قابل للتغيير. حتى قوانين الفيزياء تخجل هنا."
ثم نظر إلى كايل بنظرة جادة فجأة: "سيأتيك آخرون. واحد سيقول لك أن تنسى. النسيان سم قاتل بطيء. وآخر سيهمس لك بأنك لا تستحق المعرفة. لا تصدقهم. الجنون الوحيد المقبول هو جنون المعرفة."
قفز ميرابيل في النهر—لكنه لم يسقط. بقي معلقاً في الهواء، يضحك، ثم انسحب مع التيار إلى الأعلى حتى اختفى.
كايل بقي وحيداً مرة أخرى. الشمس قفزت فجأة إلى الغرب—إن كان هناك غرب—والضوء أخذ في الخفوت. الليل كان قادماً. أو ما يشبه الليل.
جلس على حافة النهر الذي عاد لتدفقه الطبيعي—أو الطبيعي لهذا العالم. فكر في كلمة "عالم الجنون". فكر في "مت في العالم الآخر". فكر في "انس العود".
سؤال واحد برز فوق كل الأسئلة: "ماذا لو لم أكن أريد أن أنسى؟"
وفجأة، كما لو أن السؤال نفسه كان مفتاحاً، بدأ العشب حوله يذبل. الأرجواني تحول إلى رمادي. الهواء أصبح بارداً. وظهرت في الأفق نار صغيرة.
شخصية تجلس عند النار. ظهرها له. شعر كايل أنه يعرفها من قبل. مشى باتجاهها. خطواته كانت ثقيلة فجأة.
عندما وصل، التفتت الشخصية. كانت امرأة—أو بدت كذلك. وجهها كان عادياً لدرجة أنه لم يبق في ذاكرته بمجرد أن أدارت رأسها.
المرأة: "الجلسة عند النار أدفأ من الجري خلف أسئلة بلا إجابات."
صوتها كان كالحليب الدافئ: مريح، مغذي، خطير.
كايل: "من أنتِ؟"
المرأة: "سايْنت. وهذا كل ما تحتاج معرفته عني."
لم تقدم يداً. لم تبتسم. فقط أشارت إلى المكان بجانبها على الأرض.
كايل جلس. النار لم تكن حارة لكنها كانت مريحة للنظر إليها.
سايْنت: "التقيتَ باثنين. قالا لك الكثير. هل شعرت بأنك فهمت أكثر؟"
سألت دون أن تنظر إليه.
كايل: "لا. لكن..."
سايْنت: "لكن شعرت بأن هناك شيئاً تفعله؟ بحثاً؟ استكشافاً؟ هذا الشعور يخدعك. الجلوس هنا، والنظر إلى النار، ونسيان أن هناك شيئاً تبحث عنه... هذا هو السلام الحقيقي."
كايل شعر بأن كلماتها تنساب إلى عقله وتغسل كل الأسئلة. لوهلة، فكر: "ربما هذا ما أريده."
لكن شيئاً في صميمه تمرد. الفضول. نفس الفضول الذي جعله يفتح عينيه في البداية.
كايل: "أشعر أنني نسيت شيئاً مهماً."
سايْنت: "كلنا ننسى. الذاكرة سجن. أنت حر الآن."
مدت يدها. كانت دافئة، ناعمة، آمنة. "تعال. سننسى معاً أن هناك شيئاً لننساه."
كايل نظر إلى يدها. ثم إلى النار. ثم إلى الظلام الذي يحيط بهم. في المسافة، سمع ضحكة خافتة—ضحكة ميرابيل؟ أو ربما همسة نيون؟
سحب يده.
كايل: "لا. أعتقد أنني سأبقى أتذكر أنني نسيت."
لحظة صمت. النار خفت قليلاً. وجه سايْنت لم يتغير لكن جوها العام أصبح باردة درجة.
سايْنت: "كما تريد. لكن اعلم: الأسئلة جرح مفتوح. والنزيف مستمر حتى تختار الضمادة."
قامت. مشيت في الظلام وابتلعت نفسها فيه.
كايل بقي وحيداً عند النار التي تخبو. الليل الآن كامل. النجوم في السماء الزجاجية لم تكن نقاط ضوء بل علامات استفهام مضيئة.
أخرج من جيبه—الذي لم يكن له جيوب—الورقة. لكنها لم تكن الورقة الأصلية. كانت ورقة جديدة، وكلمات جديدة:
"الفصل الأول: اليقظة. الاختبار الأول: الفضول. النتيجة: نجحت. الآن الجدية تبدأ."
تحت هذه الكلمات، كلمة واحدة مكتوبة بخط يدوي مختلف، كأنها أضيفت للتو:
"احذر من نفسك."
كايل رفع رأسه نحو النجوم-علامات الاستفهام. ابتسم للمرة الأولى منذ أن فتح عينيه.
"إذا كان هذا جنوناً،" قال لنفسه، "فلنجعل منه جنوناً يستحق التذكر."
وفي الظلام، من مكان ما، سمع صوتاً يهمس—صوت ليس نيون ولا ميرابيل ولا سايْنت. صوت رابع:
"أخيراً... بدأنا."
والفصل الأول أغلق عينيه لينام، أو لينتظر ما سيأتي في الفصل الثاني.