عزلاء أمام سطوة ماله - الفصل 15 - بقلم مريم غريب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عزلاء أمام سطوة ماله
المؤلف / الكاتب: مريم غريب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 15

الفصل 15

15 ) _ الرهان ! _ في الثانية بعد الظهر .. يستيقظ "فادي" علي مهل و يقوم من سريره بتكاسل منافي لطبيعته كان غير عابئا بعامل الوقت أيضا .. فاليوم هو عطلة ما بين الإمتحانات و قد أعطي لنفسه فترة راحة مفتوحة طيلة النهار لكي يعوض مخزون نشاطه المستهلك علي مدي الثلاثة أيام الفائتة بعد تأدية روتينه الصباحي .. قام بتحضير وجبة فطور خفيفة تناولها و هو يحتسي فنجانا القهوة ، ثم ذهب بعدها ليدرس قليلا داخل الشرفة الظليلة المعبقة برائحة الزهور التي قامت "سمر" بزراعتها بنفسها .. -سمر ! .. تمتم "فادي" لنفسه حين جاء علي ذكر أخته يعرف أنه بالغ في ردة فعله تجاهها البارحة ، و أفرط في إلقاء اللوم عليها ، فأولا و أخيرا هي ليست مذنبة و لم تفعل شيئا خاطئا .. كانت ضعيفة و بمفردها و أرادت أن تنقذ "ملك" .. بالتأكيد أن التفكير لم يتسني لها وقتئذ ، بالتأكيد أنها لم تنظر للوضع من منظور الناس و الجيران من حولهم أو بالأحري من منظور إبن الجزار تحديدا .. الخوف سد حواسها و ما إستطاعت التمييز ، نعم هو كذلك "سمر" فتاة جيدة بشهادة الجميع .. "سمر" كريمة الأخلاق و مثالا يحتذي به في الآدب و حسن السلوك بعمرها لم تفعل الخطأ و لن تفعله هو واثق من ذلك ثقة عمياء مجردة .. أخته جيدة رغم أنف الجميع و من الآن فصاعدا لن يعير إهتمامه لأحاديث الناس ، و سوف يصم آذانه عن إدعاءاتهم الباطلة التي ما هي إلا حيلة تستهدف تشويه سمعتهم و تخريب علاقته الطيبة بشقيقته .. يكفي أنه يعرفها و يثق بها ، لن يهمه شئ أخر بعد الآن تنهد "فادي" براحة و هو يعتزم مراضاة "سمر" حالما تصل ، نعم .. يجب أن يعتذر منها و ينهي هذا الخلاف السخيف .. و لكنه ما لبث أن سمع أصوات هرج و مرج منبعثة من أسفل الشرفة ، ليقفز من مكانه حين ميـّـزت آذنه إسم شقيقته يُردد وسط كل هذه الجلبة .. -إيه ده مش دي البت سمر ؟! -أيوه هي ياختي. -خير يا رب . يا تري فيها إيه ؟؟؟! -العلم عند الله ! -بالراحة يا خميس . خد بالك يابني . علي مهلك .. هو إيه إللي حصل بالظبط ؟! -ماعرفش و الله ياعم صابر . أنا كنت قاعد جوا المحل فجأة شفتها بتقع من طولها و هي في أخر الشارع ! جحظت عيناه برعب عندما شاهد أخته هامدة تماما كالجثة و محمولة علي ذراعي "خميس" بينما يتجه هو بها إلي داخل المنزل و خلفه جماعة من الجيران .. في غضون لمحه كان "فادي" أمام باب الشقة هبط الدرج كالمجنون حتي قابلهم عند طابق السيدة "زينب" .. غمغم بغضب و هو يتناول "سمر" من بين ذراعي "خميس" ليطمئنه الأخير بلطف : -ماتخافش يا أستاذ فادي . سليمة إن شاء الله . أنا بعت للصيدلي يجي يشوف الأنسة سمر و زمانه علي وصول. فادي و قد أحمـّر وجهه من الإنفعال : -خلاص ياجماعة متشكرين كتر خيركوا لحد هنا . يلا بقي كل واحد يشوف حاله و أنا هعرف أخد بالي من أختي لوحدي. ثم تركهم وصعد بأخته ، لتتجاهل السيدة "زينب" كلمته و تصعد خلفه لتتطمئن علي "سمر" بنفسها .. بينما رحل الباقون بناءً علي رغبة "فادي" و من بينهم "خميس" الذي إبتسم بحبور شديد و هو يشعر بأن ما حدث للتو قد أحرز نقطة في صالحه و حاليا لا يفكر سوي في كيف سيستغل الوضع برمته ؟؟؟ ••••••••••••••••� �••••••••••••••••� ��•••••••••••••••• •••••••• في قصر آل "بحيري" .. تحديدا في الطابق الثاني حيث توجد الغرف يخرج "رفعت البحيري" من غرفته و هو يكمل إرتداء سترته و يتحدث في الهاتف بنفس الوقت .. رفعت بعصبية مفرطة : -يعني إيه معاند و مش عايز يبتدي العلاج ؟ الكلام ده أنا ماعرفوش . لأ مابقولش حضرتك تكتفه و تعالجه غصب عنه .. طب إديهولي يا دكتور لو سمحت ! و هنا إنفتحت أبواب الغرف كلها و خرج باقي أفراد العائلة بثياب النوم و قد إجتذبهم صوت "رفعت" المجلجل .. -في إيه رفعت ؟ .. قالها "يحيى البحيري" بتساؤل و هو يتقدم صوب أخيه بتباطؤ بينما أهمله "رفعت" ليصيح بإبنه في نفس اللحظة : -إنت يا متخلف . عامل مشاكل ليه ؟ .. يعني إيه مش عايز تتعالج ؟ إنت إتجننت .. يعني إيه إنت حر ؟ .. أقسم بالله يا صالح لو ما إتعدلت لهعرف شغلي معاك . تخرج ؟ طب إبقي وريني كده هتخرج إزاي . وديني لأربيك من أول و جديد ! و أغلق الخط بوجهه و هو يسب كل شئ بغضب شديد ، ليعاود "يحيى" سؤاله مجددا و قد صار علي مقربة منه : -في إيه يا رفعت ؟ إيه إللي حصل ماله صالح ؟! رفعت بعصبية : -البيه قال مش عايز يتعالج . محدش في المستشفي عارف يلمسه و الدكتور بيقولي أنا خليت مسؤوليتي ! في هذه اللحظة برز صوت بكاء "صفية" التي لم تحتمل سماع المزيد ، فهربت إلي غرفتها مسرعة .. بينما زم "يحيى" شفتاه بأسف ، ثم قال : -طيب هتعمل معاه إيه ؟ لازم نعقله بسرعة الولد ده مش هينفع كده ! رفعت بضيق : -أنا رايحله دلوقتي و هشوف هعمل إيه معاه. -خدني معاك يا بابي .. قالتها "هالة" بتلهف و هي تركض نحو والدها ، ليرد "رفعت" بقسوة : -أنا مش فاضي أجر و أسحب ورايا . خليكي هنا لحد ما أشوفلي صرفة معاه ! أنهي عبارته بصرامة لا تقبل الجدل ، ثم رحل ليلتفت "يحيى" إلي "هالة" التي راحت تبكي في صمت .. ضمها إلي صدره و هو يمسح علي شعرها بحنان قائلا : -بس يا حبيبتي . إهدي . ماتقلقيش أخوكي هيبقي كويس إن شاء الله . هو بس حالته النفسية مش مظبوطة و مش فاهم وضعه أوي .. ثم تنهد تنهيدة طويلة ، و أردف : -بصي إحنا هننزل نفطر دلوقتي و بعدين هاخدك و نروح علي المستشفي سوا . ماشي ؟ أومأت "هالة" و رأسها لا يزال علي صدره ، بينما إبتسم "يحيى" و هو يربت علي كتفها ثم يقبل شعرها بعاطفة أبوية .. و من علي بعد كانت أعين "فريال" تراقب هذا المنظر المبهج بسعادة لتلتقي عيناها فجأة بعيني زوجها الذي أخذ يرمقها بنظرات ولهة لا تنتهي أبدا و لا يقل منها الشغف مهما نهل و شبع من حبها ... ••••••••••••••••� �••••••••••••••••� ��•••••••••••••••• ••••••••• في منزل "سمر" .. كانت راقدة بإستسلام في فراشها عندما فتحت عيناها بتثاقل و هي تتمتم أشياءً غير مفهومة ، ليسرع "فادي" إليها و هو يقول بلهفة : -سمر ! سلامتك يا حبيبتي . ألف سلامة عليكي . ماتخافيش إنتي كويسة مافكيش حاجة. سمر بنبرة خاملة متداخلة الأحرف : -فـ فـ ـا دي ! .. إ إ يـ ـه إ للـ ـي حـ حصـ ـل ؟! -ماحصلش حاجة يا حبيبتي . ضغطك وطي شوية و أغم عليكي . بس دكتور حسين الصيدلي جه شافك و قال إنك كويسة أوي لكن ناقصة غذا .. ثم أردف بنبرة معذبة : -أنا السبب . أنا السبب في كل حاجة بتحصلنا . و لو ماكنتش ضايقتك إمبارح بكلامي ماكنش جرالك كده .. أنا آسف يا سمر . حقك عليا. سمر و هي تهز رأسها للجانبين : -إنت مالكش ذنب يا فادي . إنت ماعملتش حاجة يا حبيبي ماتتآسفش .. و حتي لو عملت إيه . أنا مسمحاك. فادي بإبتسامة حزينة : -أنا بحبك يا سمر . إنتي أختي و أنا بحبك و بخاف عليكي . ماقصدش أزعلك و الله. سمر بإبتسامة مماثلة : -و أنا كمان بحبك و بخاف عليك يا حبيبي . و بحب ملك و بخاف عليها بردو و مستعدة أرمي نفسي في النار عشانكوا إنتوا الإتنين. -ماتقوليش كده .. إحنا هنبقي كويسين و قريب أوي مش هنحتاج لحد . مش ده كلامك و لا إيه ؟ سمر بمرارة : -أيوه .. إن شاء الله ! لاحظ "فادي" تقلص قسمات وجهها ، فتساءل بقلق : -مالك يا سمر ؟ إنتي كويسة ؟! كانت ذاكرتها قد إستعادت أحداث صباح اليوم ، و رغم الآلم الجسيم الذي شعرت به في هذه اللحظة ، إبتسمت و هي تجيبه : -أنا كويسة يا حبيبي . إطمن . حاسة بشوية دوخة بس ! -و لا يهمك ياستي . ماما زينب كانت هنا من شوية و أصرت تنزل تعملك غدا بنفسها . شوية كده و هتطلع تآكلك بإيديها كمان. سمر بضيق : -طب ليه يا فادي ؟ ليه تتعبها ؟ كنت خد فلوس من شنطتي و أنزل إنت هات أكل . ليه تخليها تعمل كده ؟! -و الله فكرت في كده و إتحايلت عليها كمان بس هي إللي أصرت . ماعرفتش أقنعها و الله صدقيني ! تنهدت "سمر" بسأم ، ثم قالت : -خلاص .. إللي حصل حصل . و كتر خيرها بردو .. بس ماقولتليش أنا وصلت لهنا إزاي ؟! فادي بغضب دفين : -خميس هو إللي جابك . شافك و إنتي بتقعي من طولك في أخر الشارع فجري و عليكي و جابك علي هنا. لم تعلق "سمر" بعد هذا و آثرت الصمت حتي لا يزداد غضب أخيها ليسألها "فادي" بإهتمام : -صحيح إنتي إيه إللي رجعك بدري إنهاردة ؟؟! سمر و هي تجيب بشئ من الإرتباك : -و لا حاجة . أنا بس حسيت إني تعبت فجأة و مابقتش مش مركزة في الشغل . فإستأذنت و رجعت بدري ! أومأ "فادي" بتفهم ، ثم قال ملقيا اللوم علي نفسه ثانيةً : -هرجع و أقول أنا السبب بردو . يعني لو كان أغم عليكي في مكان تاني كان إيه إللي ممكن يحصلك ؟! -خلاص بقي يا فادي .. بطل تعاتب نفسك . و صدقني أنا بقيت كويسة دلوقتي. و أمسكت بيده و هي تضغط بقوة لتبرهن له كلامها .. إبتسم "فادي" و هو يقول بلطف : -طيب . بما إنك فوقتي و بقيتي كويسة ، أنزل أنا بقي أجبلك شوية فاكهة و عصير . لازم تتغذي كويس زي ما دكتور حسين قال. و إنحني ليقبل جبينها ، ثم قال : -مش هتأخر عليكي ! ••••••••••••••••� �••••••••••••••••� ��•••••••••••••••• ••••••••• في المشفي عند "صالح" ... يقف "رفعت" أمام سرير إبنه و نظرات الغضب تتقافز من عينيه ، بينما ينظر "صالح" للجهة الأخري غير آبه بكلمة واحدة مما تفوه بها سواء الطبيب أو والده -يعني إنت مش همك ؟ .. قالها "رفعت" و هو يضغط علي أسنانه بقوة ، ليجيب "صالح" ببرود و دون أن يغير من وضعيته : -أه. رفعت بعصبية : -جاك هوا يا قليل الآدب . طب إيه رأيك هتتعالج غصب عنك ! هنا نظر "صالح" إلي والده و قال بهدوء : -مش هتعالج يا بابا . أنا حر .. ثم أكمل و هو يرمق الطبيب بنظرات ذات مغزي : -و إللي هيحاول يلمسني أو يجي جمبي تاني إزاز نضارته هيدخل في عينه المرة الجاية. زم الطبيب الشاب شفتاه بحنق و هو يرفع يده و يتحسس بأنامله تلك الكدمة الزرقاء أسفل عينه اليسري ، ما زالت حديثة و ما زالت تؤلمه أيضا منذ الصباح و كل هذا لأنه حاول بدء أولي جلسات العلاج مع "صالح" .. الأثرياء ، يا لهم من همج !! -يابني إنت بالطريقة بتعاند نفسك مش حد تاني ! .. قالها "رفعت" رافعا إصبعه السبابة في حركة إنذارية -صدقني هتندم. صالح بإبتسامة باهتة : -لا ماتقلقش يا بابا .. أنا خدت القرار ده و أنا متأكد إني مش هندم عليه أبدا . أرجوك بقي ماتتعبش نفسك و تتعبني معاك في الموضوع ده أكتر من كده. قطب "رفعت" بيأس و هو يتبادل النظرات مع الطبيب في صمت .. يبدو أن لا جدوي من الكلام فقد قام "صالح" بحسم أمره و إنتهي ... ••••••••••••••••� �••••••••••••••••� ��•••••••••••••••• •••••••• في قصر آل "بحيري" ... و مع غروب الشمس يعود "عثمان" و يترجل من سيارته الفارهة بعد أن سلم المفتاح للبستاني لينزلها بالكراچ .. يدخل إلي المنزل .. الهدوء سائد كالعادة إلا من حركة الخدم الخفيفة يسأل عن أفراد عائلته ، ثم يسأل عن صديقه ليتجه إليه مباشرةً بعد أن علم أنه لم يبارح غرفته منذ الليلة الماضية .. -إدخل ! يدفع "عثمان" باب الغرفة بعد سماع هذا الأذن و يلج ليري "مراد" جالسا في صالون الغرفة الصغير و قد وضع حاسوبه علي قدميه يتصفحه بتركيز ، حتي إنتبه لـ"عثمان .. -أخيرا جيت .. هتف "مراد" بتهكم ، و تابع : -من الصبح و أنا قاعد هنا لوحدي . حاسس إني خللت يا جدع ! عثمان و هو يجلس في كرسي قبالته : -هو أنا سايبك مع أهل الكهف ؟ و بعدين حد يبقي قاعد في قصر البحيري و يضايق ؟ إنت عبيط ياض ؟! -جنة منغير ناس ماتنداس يا صاحبي. -و إنت شايف البيت مهجور ؟ كنت بتعمل إيه طول النهار ؟ مانزلتش من أوضتك ليه ؟ قالولي تحت إنك فطرت و إتغديت هنا ! -يا عم كويس إني ماطلعتش من الأوضة . ده أنا صحيت علي أصوات فظيعة . و الله يا أخي قطعت الخلف. عثمان عابسا بإستغراب : -أصوات إيه إللي صحيت عليها ؟! -يا سيدي كنت نايم لا بيا و لا عليا . فجأة صحيت علي صوت راجل بيزعق بس مش أبوك أنا عارف صوت أبوك. -يبقي عمي . كان بيزعق ليه بقي ؟؟ -ماعرفش و الله . أنا ماركزتش كنت لسا صاحي و بقول هادي. أومأ "عثمان" بتفهم ، ليباغته "مراد" بإبتسامة خبيثة : -تعالالي بس الأول و ماتوهنيش . إيه أخبار الرهان يا حلو ؟ بادله "عثمان" نفس الإبتسامة و هو يقول : -إتك عالصبر يا صاحبي. مراد بضحكة ساخرة : -و الله يا صاحبي شكلك هتطلع بؤ في الأخر و هتخسر لأول مرة. -ليه يا بابا لسا فاضل يوم . و بعدين قولتلك عثمان البحيري عمره ما خسر. مراد بإبتسامة مستفزة : -بس شكلك هتخسر المرة دي . أصل البت مش النوع إللي سيادتك متعود عليه . مش عارف ليه مش عايز تقتنع ! زم "عثمان" شفتاه بغضب شديد ، و سرعان ما صدح هاتفهه برنينه الصاخب ، ليخرجه من جيب سترته بحركة عصبية ثم ينظر إلي إسم المتصل .. في ثانية إنفرجت ملامحه ، فأدار وجهه إلي صديقه و هو يبتسم بإنتصار .. -إيه في إيه ؟ .. تساءل "مراد" بغرابة ليرفع "عثمان" هاتفهه في مستوي ناظري "مراد" حتي يستطيع رؤية إسم "سمر" الذي راح يضيئ شاشة الهاتف بلا توقف ...   #18