حين اخترت نفسك الجزء الأول - المدينة لا تنتضر الضعفاء - بقلم ياسمين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين اخترت نفسك الجزء الأول
المؤلف / الكاتب: ياسمين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: المدينة لا تنتضر الضعفاء

المدينة لا تنتضر الضعفاء

خرج إليوت من المستشفى بعد أسبوعين. ليس شفاءً، بل هدنة مؤقتة بينه وبين جسده. الهواء في الخارج كان أبرد مما توقع، أو ربما هو الذي أصبح أضعف. المدينة بدت كما تركها: سريعة، صاخبة، غير مهتمة بمن تعثر في الطريق. استقل سيارة أجرة، وأعطى العنوان بصوت منخفض. عنوان الشركة. لم يخبر لوكاس. لم يرد أن يطلب الإذن… أو الشفقة. حين وصل، وقف أمام المبنى الزجاجي للحظات. هذا المكان كان حلمهما. خططاه على طاولة خشبية قديمة، بأكواب قهوة رخيصة وعيون متعبة لكنها متفائلة. دخل. الردهة تغيّرت. أثاث جديد. شعار أكبر. موظفون لا يعرفونه. تقدّم نحو الاستقبال، قالت له الموظفة بابتسامة رسمية: «هل لديك موعد؟» تردد. ثم قال اسمه. تغيّر وجهها قليلًا، ثم أجابت: «السيد لوكاس في اجتماع. يمكنني إبلاغه بوجودك». هزّ رأسه. «لا بأس… سأنتظر». جلس على أريكة جانبية. كل شيء هنا يقول إن الزمن لم ينتظره. وأن غيابه، مهما كان قسريًا، كان فرصة لآخرين. مرّت دقائق. ثم خرج موظف شاب، يحمل ملفات، يتحدث بحماس مع زميله: «لوكاس عبقري… لا أعرف كيف كان يدير الشركة من قبل مع شريك يبطئه». تجمّد إليوت. لم يكن المقصود سماعه، لكن الكلمات أصابته بدقة جارحة. أخرج هاتفه، فتح الأخبار. مقابلة جديدة مع لوكاس. صورته في كل مكان. العنوان يقول: «لوكاس غراي… قصة صعود فردي ملهم» فردي. ابتسم إليوت بسخرية صامتة. حتى اللغة… خانته. نهض ببطء، واتجه نحو مكتب كان يومًا مكتبه. الباب مغلق. اسمه لم يعد موجودًا. في تلك اللحظة، خرج لوكاس من قاعة الاجتماعات. توقفت ضحكته فجأة حين رآه. ساد صمت قصير. ثقيــل. قال لوكاس أخيرًا، بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية: «إليوت… لم أكن أعلم أنك خرجت». نظر إليه إليوت طويلًا. لم يرَ الصديق. رأى شخصًا ناجحًا… خائفًا. «لم تتصل»، قالها بهدوء أخطر من الغضب. تنحنح لوكاس. «كنت مشغولًا… الأمور كانت معقدة». هزّ إليوت رأسه ببطء. «أنا أيضًا كنت مشغولًا… بمحاولة البقاء». لم يجد لوكاس ردًا. مرّ موظفون بجانبهما، ينظرون بفضول. شعر لوكاس بعدم الارتياح. خفض صوته: «لسنا مضطرين لفتح هذا الآن». ابتسم إليوت ابتسامة خفيفة، متعبة. «لا تقلق… لن أفتح شيئًا. كل شيء واضح». استدار ليغادر. لكن قبل أن يخطو، قال دون أن ينظر خلفه: «أنت لم تخنني عندما ابتعدت… خنتني عندما تظاهرت أنك لم ترَ سقوطي». خرج. وخلفه، بقي لوكاس واقفًا، نجاحه كامل، وسمعته محفوظة، لكن شيئًا صغيرًا، خفيًا، بدأ يتشقق في داخله. أما إليوت، فكان يسير في الشارع، ضعيف الجسد… لكنه للمرة الأولى، يرى الحقيقة دون ضباب.