حين اخترت نفسك الجزء الأول - حين بدأ الغياب - بقلم ياسمين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين اخترت نفسك الجزء الأول
المؤلف / الكاتب: ياسمين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: حين بدأ الغياب

حين بدأ الغياب

لم يكن المرض هو ما أخاف إليوت في البداية، بل الصمت. ذلك الصمت الذي تسلل ببطء، مثل ظلّ بارد، إلى غرفته البيضاء في المستشفى. أجهزة تراقب نبضه، نافذة تطل على مدينة لا تتوقف، وهاتفه… صامت. قبل أسبوع فقط، كان لوكاس يجلس هنا، على هذا الكرسي نفسه، يضحك بصوته الواثق ويقول: «ستخرج قريبًا، لدينا اجتماع مهم، لا تقلق». لكن اليوم، لم يأتِ. أدار إليوت رأسه ببطء نحو الهاتف. لا مكالمة. لا رسالة. حاول إقناع نفسه أن لوكاس مشغول، أن النجاح لا ينتظر أحدًا، وأن الصداقة الحقيقية لا تُقاس بالحضور الدائم. لكن قلبه، ذلك العضو المتعب، كان يعرف الحقيقة قبل عقله. تعرفا على بعضهما في الجامعة. كانا وجهين لعملة واحدة: إليوت، الهادئ، الذكي، الذي يعمل في الظل. ولوكاس، اللامع، الاجتماعي، الذي يعرف كيف يقدّم نفسه للعالم. معًا أسسا شركتهما الصغيرة. ومعًا وقفا أمام أول فشل. لكن حين جاء أول نجاح حقيقي، بدأ التوازن يختل. رنّ الهاتف أخيرًا. ابتسم إليوت، ابتسامة صغيرة متعبة، ومدّ يده بسرعة. لكن الاسم الذي ظهر لم يكن لوكاس… كانت الممرضة. بعد دقائق، دخل الطبيب. نظرة مهنية، كلمات محسوبة. الأزمة أخطر مما توقعوا. يحتاج إلى وقت. وربما… إلى معجزة صغيرة. حين خرج الطبيب، عاد الصمت أثقل من قبل. كتب إليوت رسالة قصيرة: لوكاس، أنا خائف. أحتاجك. ضغط “إرسال”. وانتظر. في مكان آخر من المدينة، كان لوكاس يقف أمام مرآة زجاجية في مكتب فخم، يرتب سترته بعناية. اجتماع مصيري، فرصة لا تعوّض، أسماء كبيرة، وسمعة تُبنى أو تُهدم بكلمة. رنّ هاتفه. نظر إلى الشاشة. قرأ الرسالة. تردد لثوانٍ. ثم قفل الهاتف ووضعه في جيبه. قال لنفسه: «سأزوره لاحقًا… عندما تهدأ الأمور». لكنه في داخله كان يعرف: الخوف لم يكن على إليوت… بل على مكانته، على صورته، على النجاح الذي لا يريد أن يلوثه مرض صديق. في تلك الليلة، أطفئت أنوار المدينة تدريجيًا. وبقيت نافذة واحدة مضاءة في المستشفى. إليوت مستلقٍ، يحدق في السقف، يفهم الآن أن بعض الصداقات لا تموت بالخيانة الصريحة… بل بالغياب المتعمد. وكان هذا الغياب… بداية كل شيء.