الفصل العاشر
لم تلمس ليلى المرآة الجديدة.
لم تقترب.
تعلمت، أو ظنّت أنها تعلمت، أن كل خطوة زائدة تُحسب عليها.
لكن المرآة…
كانت أقرب مما يجب.
لم تكن في نهاية الممر كما رأتها أول مرة.
الآن كانت أقرب بثلاث خطوات.
ثم بخطوتين.
ثم بخطوة واحدة.
المكان نفسه لم يتغيّر،
لكن المسافة خانتها.
قالت بصوت منخفض: "أنا شايفتك."
انعكاسها لم يجب.
كان مشغولًا بشيء خلفها.
استدارت بسرعة.
لا أحد.
حين عادت بنظرها للمرآة،
كان الانعكاس يبتسم.
"وش تشوف؟" سألت.
قال بصوتها، لكن أعمق: "إرثك."
انقبض صدرها. "إرثي؟ أنا ما ورثت شي."
ضحك الانعكاس. "كلنا نقول كذا بالبداية."
ظهر خلف الانعكاس ظلّ آخر.
ليس شخصًا كاملًا.
نصف وجه، نصف ذاكرة.
امرأة…
ملامحها مشوشة، لكن عينيها واضحتان.
عينان مرهقتان، تعرفهما ليلى دون أن تعرف كيف.
"هي؟" همست.
"الحارسة اللي قبلي؟"
هزّ الظل رأسه ببطء. "التي لم تُغلق."
تقدّمت ليلى خطوة دون وعي. "ليش؟"
الصوت صار أثقل: "لأنها خافت."
الجدران حولها بدأت تتقلص.
ليس فعليًا، بل شعوريًا.
كأن الغرفة تضيق فقط على صدرها.
"كلنا نخاف." قالت ليلى. "بس مو كلنا نترك."
ردّ الظل: "بعض الخوف… يُقنعك أن الترك رحمة."
المرآة اهتزّت.
تشقق خفيف، مثل شريان يظهر تحت الجلد.
رأت مشهدًا. ليس ذكرى لها.
امرأة تقف أمام مرآة أكبر من هذه.
تصيح: "ما أقدر أكثر!"
ومن خلف الزجاج…
أصوات.
كثيرة.
متداخلة.
أصوات أشخاص لم تعكسهم المرايا يومًا.
المرأة تبتعد.
تغطي المرآة.
لكنها لا تُغلقها.
ليلى صرخت: "ليش ما سكّرتها؟!"
الظل التفت إليها. "لأنها كانت مثلك."
تجمّدت. "وش تقصد؟"
"كانت تؤمن أن أحدًا آخر سيكمل."
سكتت ليلى.
هذه الجملة ضربتها في مكان حساس، مكان لا تحب لمسه.
"وأنت؟" سألت. "وش تبغى مني؟"
اقترب الظل حتى كاد يخرج من الزجاج. "أبغى تصححين."
"كيف؟"
"بإغلاق ما تُرك مفتوحًا."
رفعت ليلى يدها. "وإذا اللي بالداخل ما رضوا؟"
ابتسم الظل ابتسامة حزينة. "هم لا يرضون."
في تلك اللحظة، انفتح شق في المرآة.
ليس كسرًا، بل فمًا.
خرج منه هواء بارد،
وبرائحة غرف مغلقة منذ سنوات.
سمعت همسات: "أخيرًا." "رجعت." "دورها."
تراجعت ليلى، قلبها يدق بعنف. "لا."
الانعكاس قال بهدوء مخيف: "الآن يبدأ العمل الحقيقي."
تقدّمت المرآة خطوة للأمام.
نعم… تقدّمت.
ليلى شعرت بشيء يُسحب منها.
ليس جسدها.
شيئًا أعمق.
ذكرياتها بدأت تبهت عند الأطراف.
أسماء، وجوه، أشياء صغيرة.
صرخت: "وقف!"
الصوت جاء جماعيًا: "كل حارسة تدفع."
ركعت على الأرض، وضغطت رأسها بيديها. "وش الثمن؟!"
ساد صمت قصير.
ثم جاء الجواب، واضحًا وقاسيًا:
"أن لا تعود المرآة وحدها."
رفعت رأسها ببطء. "يعني؟"
الشق اتّسع.
وظلّان خرجا نصف خروج.
"يعني… بعضهم سيعيش خارجها."
وهنا فقط،
فهمت ليلى الحقيقة التي لم تقلها أي مرآة:
أن الرعب لا يبدأ حين تنظر للانعكاس،
بل حين يقرر الانعكاس
أن ينظر معك…
إلى العالم نفسه.