الفصل التاسع
ليلى لم تلمس المرآة تلك الليلة.
تركتها واقفة في مكانها، مثل حيوان يعرف صاحبه أنه إن اقترب منه… سيعض.
جلست على الأرض، ظهرها للحائط، عيونها على الزجاج.
لم تكن خائفة.
كانت مستعدة، وهذا أخطر.
مع أول خيط فجر، تغيّر شيء في الهواء.
ليس الضوء…
بل الإحساس.
كأن الغرفة فقدت خاصية كونها غرفة.
صارت نقطة.
نقطة مراقبة.
المرآة أضاءت من الداخل، بدون انعكاس.
ثم ظهر النص، مكتوبًا على سطحها من الداخل، لا من الخارج:
"الليلة الأولى دائمًا صامتة."
قالت ليلى بهدوء: "وش يعني هذا؟"
الزجاج تموّج، وظهر مشهد.
لم تكن هي.
كان رجلًا يقف في حمام عام، يحدّق في مرآة متشققة.
عيناه حمراوان.
يداه ترتجفان.
سمعته يقول: "بس أبغى أشوف نفسي."
ليلى شعرت بشيء يشد صدرها.
هذا الشعور تعرفه.
قالت: "هو راح ينظر… صح؟"
المرآة لم تجب.
المشهد تقدّم.
الرجل اقترب.
ثم توقّف.
انعكاسه لم يتحرك.
ليلى وقفت فجأة. "لا."
رفعت يدها لا إراديًا.
وفي اللحظة نفسها، المشهد توقّف.
الرجل تجمّد.
الانعكاس اختفى.
المرآة أصدرت صوتًا خافتًا…
يشبه الرضا.
"أنتِ تعلّمتِ."
قلب ليلى خفق بقوة. "أنا وش سويت؟"
ظهر انعكاسها أخيرًا.
لكن ليس كصورة.
كـ… دور.
"أنتِ ما دخلتِ.
ولا خرجتِ.
أنتِ وقفتِ بين."
سكتت قليلًا. ثم فهمت.
"أنا… أتحكم؟"
المرآة صححت: "أنتِ توازنين."
الجدران حولها تغيّرت.
لم تعد جدرانًا.
صارت ممرات بعيدة، تتفرع من المرآة نفسها.
كل ممر يحمل شخصًا.
كل شخص يحمل سؤالًا.
وكل سؤال يقوده إلى الزجاج.
ليلى همست: "وإذا غلطت؟"
المرآة لم تجمّل الحقيقة: "أنتِ بشر.
ستغلطين."
ابتلعت ريقها. "ووش يصير لهم؟"
الانعكاس اقترب. "مثل ما صار للي قبلك."
اسم كايلث مرّ في ذهنها كطعنة بطيئة.
قالت بحزم: "أنا ما أبغى أصير مثله."
ساد صمت طويل.
ثم…
لأول مرة،
المرآة تراجعت خطوة.
"إذن لا تنسي نفسك."
المشهد اختفى.
الغرفة عادت كما كانت.
لكن ليلى لم تعد كما كانت.
قامت، اقتربت من المرآة، وعلّقت فوقها قطعة قماش داكنة.
ليس إخفاءً.
بل حدًّا.
قالت بصوت منخفض: "اللي ينظر…
أنظر معه."
ومن خلف القماش،
سمعت أول طَرق.
ليس على الزجاج.
بل على العالم.
طرقة شخص يقف في الطرف الآخر،
على وشك أن يرى نفسه…
لأول مرة.
وليلى؟
ليلى أصبحت الحارسة.
لا ملاكًا.
ولا شيطانًا.
بل الشيء الوحيد
اللي يقف
بين الإنسان
وانعكاسه.رقة تكررت.
هذه المرة لم تكن صوتًا فقط، كانت إحساسًا.
كأن أحدهم وضع كفه على صدر ليلى من الداخل وضغط.
تقدّمت خطوة.
القماش الذي غطّت به المرآة اهتزّ، رغم أن الغرفة بلا نوافذ، بلا هواء.
قالت ببطء: "لسه بدري."
الصوت جاء من خلف القماش، ليس رجلًا ولا امرأة، ولا حتى صوتًا كاملًا: "المرآة لا تعرف الوقت."
شدّت القماش بقبضتها. "لكن أنا أعرف."
سحبت القماش نصف سحبة.
ليس كشفًا.
شقًّا.
من خلاله رأت عينًا واحدة.
ليست عين شخص.
عين فكرة.
ارتجفت يدها، لكن صوتها بقي ثابتًا: "وش تبغى؟"
العين رمشت. "أبغى أرجع."
ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، مرهقة. "كلهم يقولون كذا."
العين اقتربت، كأنها تحاول أن تتعلّم ملامح ليلى. "أنا ما دخلت."
تجمّدت. "وش تقصد؟"
"أنا انكسرت قبل المرآة."
في تلك اللحظة، الغرفة اتّسعت.
الجدران ابتعدت، السقف ارتفع، والمرآة لم تعد سطحًا…
صارت بوابة ذاكرة.
رأت طفلًا.
يجلس أمام مرآة غرفة نوم، يضغط وجهه بيديه. يسأل أمه: "ليش أنا مو مثلهم؟"
الأم لا تجيب.
المرآة تفعل.
ليلى شعرت بحرقة في حلقها. "هذا مو ذنبه."
الصوت جاء أثقل: "ولا ذنبك."
شدّت القماش وأغلقت المرآة بالكامل. "بس أنا ما راح أفتح."
سادت لحظة صمت.
ثم سمعته.
الضحك.
ليس ضحك سخرية.
ضحك فهم.
"هذا هو الاختبار."
التفتت ليلى حولها. "مين يتكلم؟"
الانعكاس ظهر على سطح القماش نفسه، كأن الزجاج تسرّب. وجهها… لكن بعينين أقدم.
"المرآة ما تختار الحارسة."
"الحارسة تختار من تُنقِذ… ومن تترك."
شدّت ليلى شعرها للخلف بعصبية. "وأنا ما أبغى أترك أحد."
الانعكاس اقترب حتى لامس أنفها. "إذن ستخسرين نفسك."
تراجعت خطوة. "كلكم تقولون كذا."
ابتسم الانعكاس، ابتسامة فيها حزن لا يطلب شفقة. "لأننا جرّبنا."
اختفى.
الطرقات توقفت.
لكن الشعور لم يختفِ.
في تلك الليلة، لم تنم ليلى.
كلما أغمضت عينيها، رأت وجوهًا بلا ملامح،
أيدي ممدودة،
مرايا بلا زجاج.
ومع الفجر…
حدث أول خرق.
سمعت صوت زجاج يتشقق.
ليس من المرآة التي أمامها.
بل من مكان آخر.
ركضت خارج الغرفة.
في نهاية الممر، كانت هناك مرآة صغيرة لم تكن موجودة بالأمس.
معلقة بزاوية مائلة، كأنها تراقب.
اقتربت ببطء.
انعكاسها ظهر…
لكن هذه المرة تحرّك قبلها.
قال انعكاسها: "تأخرتِ."
همست ليلى: "أنا ما فتحتك."
الانعكاس مال برأسه. "غيرك فتح."
شعرت بالبرد لأول مرة. "مين؟"
المرآة ابتسمت.
ابتسامة لا تشبهها.
"الحارسة التي قبلك… تركت شيئًا خلفها."
وفهمت ليلى، في تلك اللحظة القاسية،
أن الحراسة ليست منصبًا.
هي تركة.
وأن المرآة لا تعكس الأشخاص فقط…
بل الأخطاء التي لم تُغلق.
وفي عمق الزجاج،
كان هناك شيء يتحرّك،
شيء تعلّم كيف يطرق…
وكيف يُفتح له.