الفصل الثامن
الصوت الناتج عن انكسار المرآة لم يكن عاليًا.
لم يكن انفجارًا.
كان أنينًا… كأن شيئًا عاش طويلًا ومات بهدوء.
قطع الزجاج كانت معلّقة في الهواء، لا تسقط.
كل قطعة تعكس مشهدًا مختلفًا.
ليلى مدت يدها نحو واحدة منها، وما إن لامستها حتى…
دخلت.
لم يكن دخولًا جسديًا، بل سقوطًا داخليًا.
كأن وعيها انزلق إلى ذاكرة لا تخصها وحدها.
رأت امرأة تجلس أمام مرآة قديمة، أقدم من مرآتها بكثير.
ملابس مختلفة.
زمن مختلف.
لكن النظرة نفسها.
المرأة همست: "قلت لهم ما أنظر… بس ما أحد يسمع."
المشهد تبدّل.
رجل، ملامحه قاسية، يضحك أمام مرآة، يلمسها بثقة.
قال: "أنا ما أخاف من نفسي."
بعده…
طفل.
مراهقة.
عجوز.
كلهم نظروا.
كلهم اختفوا.
ليلى تراجعت، أنفاسها متسارعة. "كلهم… مثلي؟"
صوت جديد خرج من الفراغ.
ليس صوت المرآة.
أقدم.
أثقل.
"كلهم كانوا بشريين."
الفراغ تشكّل.
المكان عاد، لكن مختلف.
لم يعد غرفة.
بل ممر طويل جدًا، جدرانه مرايا متلاصقة.
وفي نهاية الممر…
باب.
كايلث لم يكن موجودًا.
ولا نادر.
كانت وحدها.
بدأت تمشي.
كل مرآة على الجدار تحاول جذب انتباهها.
واحدة تُظهرها ناجحة، قوية، لا تحتاج أحدًا.
أخرى تُظهرها محطمة، تبكي، تستجدي.
ثالثة… تُظهرها بلا ملامح.
أسرعت الخطى.
صوت المرآة عاد، لكنه لم يكن متحديًا. كان متعبًا.
"أنا ما خُلقت لأحبسكم."
توقفت ليلى. "أجل ليه تسوين كذا؟"
الانعكاسات على الجدران بدأت تتلاشى، وبقيت مرآة واحدة فقط أمامها.
قال الصوت: "أنا خُلقت لأُظهر."
اقتربت ليلى. "تُظهر وش؟"
"الشيء اللي ما تتحملونه."
سكتت.
ثم قالت، بصوت ثابت: "بس الإظهار بدون رحمة… تعذيب."
المرآة لم ترد فورًا.
ثم: "وأنتِ… أول وحدة قالتها."
الباب في نهاية الممر انفتح قليلًا.
ضوء طبيعي خرج.
ضوء شمس.
لكن قبل أن تتحرك، المرآة سألت: "لو خرجتِ… ما راح تتذكرين كل شيء."
ليلى ابتسمت ابتسامة خفيفة، حقيقية. "يمكن هذا الطبيعي."
خطت خطوة للأمام.
وفجأة…
كل المرايا انكسرت دفعة واحدة.
الصوت صرخ، لكن ليس ألمًا. كان فقدانًا.
"إذن انتهى دوري."
الضوء ابتلعها.
وعند استيقاظها…
كانت ليلى في مكان مألوف.
غرفة.
نافذة مفتوحة.
صوت شارع.
نهضت ببطء.
اتجهت إلى المرآة.
انعكاسها كان طبيعيًا.
لكن…
حين ابتسمت،
تأخر الانعكاس نصف ثانية.
نصف ثانية فقط.
كافية لتقول إن القصة لم تُغلق تمامًا.
نصف الثانية لم تختفِ.
ليلى حاولت تتجاهلها.
غسلت وجهها.
لمست المرآة.
ابتسمت مرة ثانية.
التأخير ما زال موجود.
ليس دائمًا…
لكنه يظهر عندما لا تتوقعه.
كأنه يتأكد إنها ما نسيت.
حاولت تقنع نفسها أن كل شيء انتهى.
أن ما حدث كان انهيارًا عصبيًا، هلوسة، ضغطًا تراكم عبر سنوات.
العقل يحب التفسيرات السهلة.
لكن الجسد…
لا يكذب.
في الليلة الأولى، استيقظت على صوت تنفّس.
ليس تنفّسها.
أبطأ.
أعمق.
كان قادمًا من جهة المرآة.
لم تتحرك.
لم تصرخ.
فقط فتحت عينيها وحدّقت.
المرآة لم تكن تعكس الغرفة.
كانت تعكس غرفة أخرى.
غرفة تشبه غرفتها…
لكن أكثر برودة.
أكثر فراغًا.
وفي منتصفها…
كانت تقف امرأة.
ظهرها مواجه للزجاج.
ليلى همست: "مين أنتِ؟"
المرأة التفتت ببطء.
وكان وجهها…
وجه ليلى.
لكن بعينين لا ترمشان.
قالت النسخة الأخرى: "أنا اللي خرجتِ منها."
قلب ليلى هبط.
مو خوفًا.
فهمًا.
"أنتِ… المرآة؟"
هزّت المرأة رأسها. "لا.
أنا النتيجة."
الهواء صار أثقل.
الزجاج بدأ يتعرق.
"قلتِ إنكِ رجعتي نفسك."
تابعت النسخة.
"بس ما أحد يرجع كامل."
ليلى شدّت الغطاء حولها. "أنا اخترت أكون حقيقية."
النسخة اقتربت من الزجاج. "والحقيقة دايمًا تخلّف ظل."
مدّت يدها…
والزجاج انخفض قليلًا.
كأنه يلين.
"وش تبين؟" سألت ليلى، بصوت ثابت بصعوبة.
النسخة ابتسمت. "أبي دوري."
المرآة بدأت تهمس من جديد.
لكن همسها لم يكن تهديدًا.
كان تذكيرًا.
"الدور ما ينتهي…
الدور يُسلَّم."
ليلى تذكرت كايلث.
تذكرت العرش.
تذكرت الجملة اللي ما فهمتها وقتها.
إما حارس… أو سجين.
قالت ببطء: "وأنا؟"
النسخة أجابت: "أنتِ اللي فتحتي الباب.
إما تقفلينه…
أو تجلسين تحرسينه."
الضوء في الغرفة خفت.
المرآة تمددت أكثر.
صار لها عمق.
ليلى قامت من السرير.
وقفت أمام الزجاج.
انعكاسها هذه المرة لم يتأخر.
كان ينظر لها مباشرة.
قالت: "ولو رفضت؟"
ابتسمت النسخة، ابتسامة تعرفها ليلى جيدًا. ابتسامة شخص تعب من المقاومة.
"بيرجع غيرك.
المرآة ما تحب الفراغ."
الصمت تمدد.
ليلى رفعت يدها…
ولامست الزجاج.
لم يكن باردًا.
كان مألوفًا.
وهنا،
لأول مرة منذ البداية،
المرآة لم تسحبها.
انتظرت قرارها.