احتراق - الفصل الرابع - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: احتراق
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

لم يكن الصباح إعلان بداية جديدة، بل استمرارًا مختلفًا لما سبق. استيقظ سليم على ضوء خافت تسلل من بين الستائر، ضوء لا يوقظه بقسوة ولا يتركه نائمًا. بقي مستلقيًا دقائق طويلة، يراقب سقف الغرفة، ويتفحص إحساسه الداخلي. لم يجد ذاك الاضطراب المعتاد، ولا الخوف الذي كان ينهض معه كل يوم، لكنه لم يجد راحة كاملة أيضًا. كان هناك فراغ هادئ، فراغ لم يعتد عليه، كأنه خرج للتو من ضجيج طويل ودخل صمتًا يحتاج إلى وقت ليفهمه. نهض ببطء، أعد قهوته دون استعجال، وجلس قرب النافذة. لاحظ أن المدينة تمارس حياتها كالمعتاد، الناس يذهبون لأعمالهم، السيارات تملأ الطرق، ولا أحد يعلم أن معركة انتهت في داخله. أدرك حينها حقيقة بسيطة ومؤلمة: العالم لا يتوقف لأجل احتراق أحد، وهذا ليس قسوة، بل نظام. فهم أنه إن أراد النجاة، فعليه أن يتحرك من داخله لا أن ينتظر إشارة خارجية. ذهب إلى العمل في ذلك اليوم لا ليُثبت شيئًا، بل ليُغلق دائرة. دخل المكتب وكأنه يزور مكانًا عاش فيه زمنًا طويلًا، لكنه لم يعد ينتمي إليه كليًا. لم يعد يشعر بالقلق من نظرات الآخرين، ولا بالرغبة في إرضائهم. تحدث حين لزم، وصمت حين لم يجد ما يستحق القول. لأول مرة، لم يكن الصمت هروبًا، بل اختيارًا واعيًا. حين انتهى الدوام، خرج دون ثقل. مشى في الشارع بلا سماعات، بلا تشتيت، يسمع خطواته، أنفاسه، حركة المدينة. شعر أن الاحتراق الذي عاشه ترك أثرًا دائمًا، كندبة لا تؤلم لكنها تُذكّر. أدرك أن الإنسان لا يشفى تمامًا من نفسه، لكنه يتعلم كيف يعيش معها دون أن يدمّرها أو تدمره. مرّت أيام تتابعت بهدوء غريب. لم تعد ليان تظهر في يومياته، ولم يعد الماضي يقتحم أفكاره بعنف. ومع ذلك، كانت هناك لحظات ضعف، لحظات يشتاق فيها للفوضى القديمة لأنها كانت مألوفة. تعلّم أن الاشتياق للألم لا يعني أنه كان جيدًا، بل لأنه كان معروفًا، بينما السلام يحتاج شجاعة لأنه جديد. في إحدى الأمسيات، جلس يكتب، لا لسبب محدد، فقط ليُخرج ما بقي عالقًا. كتب عن الغضب الذي لم يُسمح له بالخروج، عن الطفولة التي علمته أن يكون قويًا قبل أن يكون صادقًا، عن السنوات التي عاشها وهو يؤجل نفسه. لم تكن الكتابة علاجًا، لكنها كانت ترتيبًا للرماد، شكلًا من أشكال الاعتراف الصامت. عاد إلى المقهى مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يبحث عن ذكرى. جلس وحده، راقب الناس، وابتسم بخفة. لاحظ أن لكل شخص نارًا خاصة به، وأن أغلبهم يتصرف وكأن شيئًا لا يحترق. شعر بتعاطف هادئ، لا شفقة ولا شعور بالتفوق، فقط فهم. الفهم الذي لا يأتي إلا بعد أن تمر بالنار بنفسك. في الليل، حين عاد إلى بيته، لم يشعر بالوحدة كما كان سابقًا. الوحدة هذه المرة لم تكن فراغًا، بل مساحة. مساحة يفكر فيها، يخطئ فيها، ويعيد بناء نفسه دون ضغط. أدرك أن الاحتراق لم يسرق منه كل شيء، بل أخذ ما لم يكن حقيقيًا، وترك له فرصة صعبة لكنها صادقة. وقف أمام المرآة مرة أخرى، كما فعل في بداية الرحلة، لكنه رأى شخصًا مختلفًا. ليس أقوى، ولا أضعف، بل أكثر وعيًا. عرف أن الحياة لن تصبح سهلة فجأة، وأن النار قد تعود بأشكال أخرى، لكن الفرق أنه الآن يعرف كيف يراها قبل أن تخرج عن السيطرة. وقبل أن يطفئ الضوء وينام، خطرت له فكرة أخيرة: أن الاحتراق لم يكن عقابًا، بل عبورًا. عبورًا مؤلمًا من شخص كان يعيش ليُرضي الجميع، إلى شخص بدأ يتعلم كيف يعيش ليكون صادقًا مع نفسه. لم تكن هذه نهاية مثالية، لكنها كانت حقيقية، والحقيقة كانت كافية. نام سليم تلك الليلة دون أحلام مزعجة. لم يكن نومًا عميقًا، لكنه كان هادئًا. وفي هذا الهدوء، أدرك أن بعض الحرائق لا تنتهي بالدخان، بل بالضوء… ضوء خافت، لكنه يكفي لتكملة الطريق.