احتراق - الفصل الثالث - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: احتراق
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

استيقظ سليم في اليوم التالي وهو يشعر أن الهواء أثقل من المعتاد، كأن الغرفة تقلصت أثناء نومه. لم يكن هناك سبب واضح لهذا الإحساس، لكنه كان متأكدًا أن شيئًا ما يقترب. هذا النوع من الإحساس لا يأتي من فراغ، بل من تراكم حدس تجاهلته النفس طويلًا. وقف أمام المرآة، تأمل وجهه، ولاحظ خطوطًا لم تكن موجودة من قبل، أو ربما كانت موجودة ولم يكن ينظر بما يكفي. بدا له وجه رجل يحمل عمرين، عمره الحقيقي، وعمر التعب الذي عاشه بصمت. في العمل، حدث ما كان يخشاه دون أن يسميه. خطأ كبير، ليس قاتلًا، لكنه كافٍ ليكشف كل ما حاول إخفاءه. اجتماع طارئ، وجوه متجهمة، أسئلة مباشرة لا تحتمل المراوغة. حاول الدفاع عن نفسه، لكن الكلمات خرجت ضعيفة، مترددة، وكأن النار داخله أحرقت ثقته قبل أن تحرق أعصابه. شعر أن الجميع ينظر إليه لا كموظف أخطأ، بل كعبء مؤجل الانفجار. بعد الاجتماع، جلس وحده في زاوية بعيدة، يراقب حركة المكتب من خلف زجاج شفاف. رأى نفسه منفصلًا عن المكان، كأنه لم يعد ينتمي إليه. لأول مرة، خطرت له فكرة لم يكن يسمح لها بالوجود سابقًا: ماذا لو انتهى هذا الجزء من حياته؟ الفكرة كانت مرعبة، لكنها حملت معها شعورًا غريبًا بالراحة. أحيانًا، يكون الخوف من النهاية أقل من الخوف من الاستمرار. في المساء، تلقى اتصالًا لم يكن مستعدًا له. خبر قديم عاد بثقل جديد، شخص من الماضي يحتاجه الآن، مريض، ضعيف، ويطلب حضوره. الماضي الذي ظنه مطفأ عاد كنار مخزنة تحت الرماد. تردد سليم، ليس لأنه لا يهتم، بل لأنه يعلم أن العودة تعني مواجهة أشياء دفنها منذ سنوات. ومع ذلك، وافق. بعض المواجهات لا يمكن الهروب منها إلى الأبد. الطريق كان طويلًا، والذاكرة أطول. كل محطة مرّ بها أعادت له مشاهد قديمة، وعودًا لم تتحقق، وصمتًا فُرض عليه باسم الحكمة. حين وصل، رأى شخصًا لم يعد يشبه الصورة التي يحملها في ذهنه. الضعف كان واضحًا، والصوت أقل حدة، لكن الكلمات بقيت كما هي، مليئة بالتبرير، خالية من الاعتذار. شعر سليم أن النار اشتعلت فجأة، غضب قديم وجد أخيرًا طريقه إلى السطح. تحدثا طويلًا، أو بالأحرى تحدث الماضي كله دفعة واحدة. قال سليم أشياء لم يخطط لها، عن الألم، عن الشعور الدائم بأنه غير كافٍ، عن الحمل الذي وُضع على كتفيه مبكرًا. لم يكن صوته عاليًا، لكنه كان حادًا. في تلك اللحظة، أدرك أن الاحتراق الحقيقي ليس الغضب، بل الكتمان الطويل الذي سبقه. عاد إلى المدينة متعبًا، لكن مختلفًا. لم يشعر بالانتصار، ولا بالندم الكامل، بل بشيء أقرب إلى الفراغ. الفراغ الذي يأتي بعد حريق كبير، حين لا يبقى شيء يحترق. حاول الاتصال بليان، لكن الخط كان مشغولًا. أرسل رسالة قصيرة، ثم أخرى، ولم تصله إجابة. شعر بوحدة مفاجئة، كأن الأرض التي بدأ يقف عليها تهتز. مرت أيام ثقيلة. العمل أصبح أكثر ضغطًا، والماضي أكثر حضورًا، وليان أكثر غيابًا. بدأ سليم يفهم معنى أن يحترق الإنسان حين يفقد نقاط اتكائه واحدة تلو الأخرى. في إحدى الليالي، خرج يمشي بلا وجهة، الشوارع شبه فارغة، والأضواء الصفراء تزيد الإحساس بالعزلة. توقف عند جسر صغير، نظر إلى الماء المتحرك، وفكر كم يشبهه، يتحرك باستمرار لكنه لا يغيّر مكانه الحقيقي. في تلك اللحظة، جاءه اتصال من ليان. صوتها كان هادئًا، لكنه بعيد. قالت له إنها تحتاج وقتًا، ليس لأنه فعل شيئًا خاطئًا، بل لأنها رأت فيه صراعًا لا تستطيع إنقاذه وحدها. كلماتها لم تكن قاسية، لكنها كانت صادقة، والصدق أحيانًا أقسى من أي اتهام. أغلق الهاتف، وشعر أن آخر شيء ثابت في حياته بدأ يبتعد. جلس على الرصيف، لأول مرة بلا مقاومة. لم يحاول أن يكون قويًا، ولا أن يجد معنى فوريًا لما يحدث. ترك النار تحرق ما تبقى من أوهامه. أدرك أن الاحتراق بلغ ذروته، وأن المرحلة القادمة لن تكون أقل ألمًا، لكنها ستكون مختلفة. فبعد كل حريق، هناك خياران فقط: أن تبقى بين الرماد، أو أن تبني من جديد. نهض أخيرًا، ومشى ببطء، لكنه كان يمشي للأمام. لم يكن يعرف إلى أين سيصل، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد: أن العودة إلى ما كان عليه لم تعد ممكنة. وهكذا، انتهى الفصل الثالث عند لحظة فاصلة، حيث لم يعد الاحتراق مجرد شعور… بل تحولًا لا رجعة فيه.