احتراق - الفصل الثاني - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: احتراق
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

لم يكن سليم يتذكر متى كانت آخر مرة نام فيها دون أن يطارده حلم واحد على الأقل. الأحلام لم تكن كوابيس واضحة، بل مشاهد ناقصة، طرق طويلة بلا نهايات، أصوات تناديه دون أن يرى أصحابها، ونار… نار بلا لهب، لكنه يشعر بحرارتها في صدره حين يستيقظ. في ذلك الصباح، نهض قبل المنبه بدقائق، جلس على حافة السرير، وحدّق في الجدار كأن فيه إجابة لسؤال لم يعرفه بعد. كان يشعر بثقل غريب، كأن النوم لم يمرّ به، بل مرّ حوله وتركه كما هو. في طريقه إلى العمل، لاحظ أشياء لم يكن ينتبه لها سابقًا. الوجوه المتعبة، العيون التي تنظر إلى الأرض، الأكتاف المنحنية تحت أثقال غير مرئية. تساءل فجأة: هل كان واحدًا منهم طوال الوقت دون أن يدري؟ فكرة صغيرة، لكنها اشتعلت بسرعة. شعر أن المدينة كلها تحترق بصمت، وأن كل شخص يحمل نارًا خاصة به، يحرص على ألا يراها أحد. في المكتب، جلس أمام شاشة الحاسوب، المؤشرات تتحرك، الأرقام تتغير، لكن عقله كان في مكان آخر. حاول التركيز، إلا أن الكلمات كانت تفلت منه. كلما أمسك بفكرة، احترقت قبل أن تكتمل. جاءه صوت المدير ينادي اسمه، صوته هادئ لكنه يحمل نبرة شك. تحدث معه عن الأداء، عن الغياب الذهني، عن الحاجة إلى “إعادة التوازن”. كلمات مهذبة، لكنها كانت صفعة خفيفة. خرج سليم من المكتب وهو يشعر أن شيئًا فيه انكسر، ليس لأن المدير انتقده، بل لأنه كان يعلم أن الكلام صحيح. في المساء، التقى ليان. لم يحدد المكان هذه المرة، فقط قال: “نحتاج نتكلم”. جلست أمامه، نظرتها ثابتة، كأنها مستعدة لأي شيء. حاول أن يبدأ الحديث، لكن الكلمات علقت. شعر أن كل ما في داخله متكدس، متشابك، لا يعرف من أين يبدأ. صمت طويل تمدد بينهما، لكنه لم يكن مريحًا. أخيرًا، قال بصوت منخفض إنه يشعر وكأنه يحترق من الداخل، وإنه يخاف أن يخسر كل شيء دون أن يعرف السبب. ليان لم تبدُ مندهشة. قالت بهدوء إن الخوف الحقيقي ليس الاحتراق، بل التظاهر بالبرودة بينما النار تأكلنا. سألته منذ متى وهو يتجاهل نفسه، ولم يجب. ليس لأنه لا يريد، بل لأنه لا يعرف. الزمن عنده صار كتلة واحدة، ألم متراكم بلا تاريخ. أخبرها عن شعوره الدائم بالذنب، حتى حين لا يخطئ، وعن إحساسه بأنه مطالب دائمًا بأن يكون أقوى مما هو عليه. اعترف لها بشيء لم يعترف به حتى لنفسه: أنه تعب من التماسك. تغيرت ملامح ليان قليلًا، لا شفقة، بل فهم. قالت له إن الناس لا ينهارون لأنهم ضعفاء، بل لأنهم يحملون أكثر مما ينبغي لفترة أطول مما يستطيعون. أخبرته أن الاحتراق أحيانًا يكون رسالة أخيرة من النفس، إما أن تُسمع، أو تتحول إلى دمار. لم تقدم حلولًا، لم تقل له “افعل” أو “اترك”، فقط تركت الباب مفتوحًا، والاختيار له. عاد سليم إلى بيته تلك الليلة وهو يشعر أن الحديث لم يخفف النار، بل جعلها أوضح. الوضوح مؤلم. جلس وحده، أخرج صندوقًا قديمًا من خزانته، صندوقًا لم يفتحه منذ سنوات. بداخله رسائل قديمة، أشياء صغيرة من الماضي، صور، كلمات كان يكتبها حين كان يظن أن التعب مرحلة مؤقتة. قرأ رسالة كتبها لنفسه في عمر أصغر، يقول فيها إنه لن يسمح لأحد أن يطفئه. ضحك بسخرية خفيفة. لم يطفئه أحد، هو من فعل. مع منتصف الليل، شعر بثقل في صدره، ليس ألمًا جسديًا، بل ضغط فكري خانق. أدرك أن الهروب لم يعد ممكنًا، وأن الاحتراق بلغ مرحلة لا تقبل التأجيل. للمرة الأولى، لم يحاول تشتيت نفسه، لم يفتح هاتفه، لم يشغل الموسيقى. جلس مع شعوره، بكل قسوته. كانت لحظة صعبة، لكنها صادقة. في تلك اللحظة، فهم شيئًا بسيطًا ومخيفًا في آن واحد: أن الاحتراق ليس النهاية، لكنه مفترق طرق. إما أن يستمر في الذوبان ببطء، أو أن يواجه النار، مهما كانت النتيجة. أطفأ الضوء، تمدد على السرير، ولم ينم فورًا، لكنه شعر أن شيئًا تغير. لم تنطفئ النار، لكنها لم تعد مجهولة. وهكذا انتهى الفصل الثاني، لا بانتصار، ولا بانكسار كامل، بل بوعيٍ جديد… والوعي، في بعض الأحيان، هو أكثر المراحل إيلامًا في طريق النجاة.