احتراق - الفصل الاول - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: احتراق
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

لم يبدأ الاحتراق بالنار، بل بفكرة صغيرة تسللت إلى عقل سليم في ليلة هادئة، فكرة لم تُحدث صوتًا، لكنها تركت شرخًا لا يُرى. كان يظن أن الأشياء الكبيرة فقط هي التي تُدمّر، الحروب، الحرائق، الخيانات الصارخة، لكنه اكتشف متأخرًا أن أكثر ما يحرق الإنسان هو ما يتراكم بصمت. كان يعيش حياة تبدو من الخارج مستقرة، عمل منتظم، علاقات عادية، ووجه يعرف كيف يبتسم في الوقت المناسب، لكن داخله كان ممتلئًا بأصوات لم يجد لها مخرجًا. كل مرة تجاهل فيها نفسه، كان يضيف قطعة حطب إلى نار لا يراها أحد. في المدينة التي لا تنام إلا ظاهريًا، كان الناس يمشون كأنهم يعرفون وجهتهم، بينما الحقيقة أنهم يهربون. سليم كان واحدًا منهم. يهرب من طفولة تعلم فيها أن الصمت أمان، وأن الكلام قد يكلفك الكثير. كبر وهو يحمل هذا الدرس كقانون غير مكتوب، فصار يتقن فن الكتمان حتى عن نفسه. حين كان يغضب، كان يبتلع غضبه، وحين يحزن، يقنع نفسه أن الحزن ضعف، وحين يحلم، كان يؤجل الحلم إلى وقت لا يأتي. تعرف على ليان في مكان لم يتوقع أن يجد فيه شيئًا، مقهى صغير في شارع جانبي، دخله هربًا من المطر. كانت تجلس وحدها تقرأ كتابًا مهترئ الحواف، ترفع رأسها أحيانًا وكأنها تراقب فكرة لا شخصًا. لم يكن اللقاء عاصفًا، كان عاديًا جدًا، وهذا ما جعله خطيرًا. تبادلا كلمات قليلة، ثم صار اللقاء عادة، والحديث أطول، والصمت بينهما أقل خوفًا. ليان لم تكن تحاول إصلاحه، ولم تسأله أسئلة مباشرة، لكنها كانت ترى ما لا يقوله، وكان هذا وحده كافيًا ليشعر أن شيئًا فيه ينكشف. مع الوقت، بدأ الاحتراق يتخذ شكلاً آخر. لم يعد مجرد ضغط داخلي، بل صراع. صراع بين ما اعتاد أن يكونه، وما بدأ يشعر أنه يجب أن يكونه. ليان كانت مرآة، وكل مرآة صادقة مؤلمة. كانت تقول له أحيانًا إن الإنسان لا يحترق فجأة، بل يشتعل ببطء، وإن أخطر النيران تلك التي لا دخان لها. كان يضحك، لكنه كان يعرف أنها تصف حالته بدقة مرعبة. في العمل، صار أقل صبرًا، أكثر شرودًا. الأخطاء الصغيرة تتكرر، والنظرات حوله بدأت تتغير. المدير الذي كان يثق به صار يشك، والزملاء الذين كانوا يمازحونه صاروا يتجنبون الجلوس بقربه. كأن الاحتراق الداخلي بدأ يترك أثره على الخارج. حاول أن يعود كما كان، أن يُطفئ النار بالإنكار، لكن الإنكار لا يُطفئ شيئًا، بل يزيد الأكسجين. في إحدى الليالي، جلس وحده في غرفته، أطفأ الأنوار، وترك نافذة واحدة مفتوحة. سمع أصوات المدينة، سيارات، ضحكات بعيدة، حياة تستمر دون أن تنتظره. شعر لأول مرة بخوف حقيقي، ليس من الفشل، بل من الاستمرار بهذا الشكل. أدرك أن الاحتراق لم يعد خيارًا، بل نتيجة حتمية إذا لم يتغير شيء. تذكر كل مرة قال فيها "لاحقًا"، وكل مرة فضّل السلام المؤقت على الصدق. حين واجه ليان بحقيقته، لم يكن الحديث سهلاً. قال أشياء لم يقلها لأحد من قبل، عن الخوف، عن الغضب المكبوت، عن الشعور الدائم بأنه أقل مما يجب. لم تقاطعه، لم تعطه حلولًا جاهزة. قالت فقط إن الاعتراف ليس نهاية الاحتراق، لكنه بداية السيطرة عليه. وإن النار قد تدفئ إذا عرفت كيف تحتويها، وقد تحرق إذا تجاهلتها. لكن الحياة لا تمنح التحولات بسهولة. حدثت خسارة مفاجئة، خسارة أعادت إشعال كل شيء. شخص قريب رحل دون وداع، وكلمات كثيرة بقيت معلقة في الهواء. شعر سليم أن النار عادت أقوى، كأنها تسخر من محاولاته. انعزل، ابتعد، حتى عن ليان. ظن أن البعد سيحميه، لكنه اكتشف أن الوحدة وقود ممتاز. مرّت أيام ثقيلة، حتى تلك اللحظة التي انهار فيها التعبير الأخير للصمت. لم يكن انهيارًا صاخبًا، بل هادئًا، دموع دون صوت، واعتراف أمام نفسه قبل أي أحد. فهم أخيرًا أن الاحتراق ليس عدوًا دائمًا، بل إشارة. إشارة إلى شيء يحتاج أن يُقال، أن يُغيّر، أن يُفهم. عاد إلى المدينة بنظرة مختلفة. لم تتغير الشوارع، لكن نظرته لها تغيرت. صار يتحدث حين يجب، يرفض حين يجب، ويقبل ضعفه كجزء منه لا كعيب. لم تختفِ النار تمامًا، لكنها لم تعد تلتهمه. تعلم أن يعيش معها، أن يحولها من حريق إلى دفء، ومن دمار إلى طاقة. وفي آخر مرة جلس فيها في ذلك المقهى، أدرك أن الاحتراق الحقيقي لم يكن ما مرّ به، بل ما كان سيحدث لو استمر في الهروب. بعض الناس لا تنقذهم المياه، بل الفهم. وبعض الحرائق لا تُطفأ، بل تُعاد صياغتها. وهكذا، لم تنتهِ القصة بنهاية سعيدة كاملة، لكنها انتهت بصدق، والصدق أحيانًا هو النجاة الوحيدة.