وُصـمِـــة وُجــَع - آلـَفـــــصـــلَ 10 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وُصـمِـــة وُجــَع
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: آلـَفـــــصـــلَ 10

آلـَفـــــصـــلَ 10

? صعد بهدوء الدرج واتجه نحو غرفة الولدين وطرق الباب بخفة حتى لا يستيقظا ولكن لم يجد رد،، ففتح الباب بهدوء ودلف داخل الغرفة ووقف مشدوهاً لما رأي.. -مسح الغرفة بعينيه فوجد سريراً خالياً والسرير الآخر يجمع ثلاثتهم.. تنام غصون في المنتصف وتضم الولدين تحت جناحيها بحنان وتضع خدها فوق خد يزن الصغير وكأنها تبثه الطمأنينة والأمان. -وقف يتأمل المشهد بمشاعر متضاربة من التعجب والذهول والسعادة والإعجاب بتلك المرأة التي إستطاعت أن تعطي كل تلك المشاعر من حنان واهتمام وحب وطمأنينة في تلك الفترة الصغيرة… ولا ينكر أن لو رأي ذلك المنظر غريباً لم يصدق سوي أن تلك المرأة أمهم دون شك. -ابتسم وهو يقول لنفسه أن ياسمين فازت حقاً بما راهنت عليه… متذكراً رده عليها عندما أخبرته أن تلك غصون هي الأجدر بالإهتمام ورعاية الولدين ولكنه أخبرها حينها أن فاقد الشىء لا يعطيه ولكنها أجابته بالنفي وأن العكس فاقد الشيء يعطيه بسخاء وأن غصون ستخرج عاطفة الأمومة المكنونة بين أضلعها في حب الولدين،،، الآن آمن أن ياسمين كان لها وجهة نظر صائبة ولم تخطئ… فحقاً ينام الولدين الآن وعلى وجههما الراحة والأمان الذي تمنى كثيراً أن ينعما به. -أشعل الضوء الخافت ثم اقترب بهدوء منهم لكي يحمل يزيد يضعه على السرير المجاور نظراً لضيق المكان خائفاً من أن ينزلق الولد من يدها واقعاً أرضاً… ولكنه دون أن يدري وقف يتأمل ملامحها الهادئة شبه مبتسمة وكأنها هي الأخرى وجدت مأمنها مع الولدين،،، تنام ببراءة تشبه براءة الطفلين اللذان يجاورنها،، ولأول مرة يدقق في ملامحها الجميلة الهادئة،، شعرها الأسود الناعم الذي يراه لأول مرة بدون حجاب ورموشها السوداء الطويلة وفمها الواسع ذو الشفتين المنفرجتين وأنفها المتوسط وخديها الجميلين،، كل هذا تجمع على وجه مستدير ذو بشرة بيضاء… تفاجأ بذلك الجمال الذي تحمله،، جمال أخاذ لم ينتبه له من قبل،، وجمال قلبها الذي فتن ولديه كما فتن ياسمين وآسر من قبلهما منعكس على وجهها… كم ظن أن تلك الطيبة والبراءة تصنعاً منها ومكراً في محاولة كسب الجميع ولكنه أصبح يتدارك ذلك شيئاً فشيء وهي تثبت كل يوم ذلك. -وقف يتأملها وكأنه يراها لأول مرة،، يتذكر تلك المرأة المريضة الُمحطمة التي رآها في منزل ياسمين منذ ثلاثة أشهر وهي تأن وجعاً من فقدان لجنينها وحرمانها من الأمومة مدى الحياة ووجعها من دنيا لفظتها مستنكرة وجودها دون اهل وعائلة… يتذكر دموعها وهي تقف أمام ذلك اللعين الذي كان زوجها تنعي فقداناً وحرماناً ووجعاً -فاق من ذلك على ذكرى تنهش قلبه ولم تفارق صحوته ومنامه،، ذكرى حرماناً وفقداً ولكنه بشكل آخر.. فقداً مع سبق الإصرار. -نظر الطفلين اللذان ينعمان بحضن إمرأة ليست بأمهما،، بينما أمهما اختارت الرحيل هاربة تاركة وراءها في قلبه وقلب ولديه وجع لاينضب،، يطاردهم مدى الحياة. -ابتلع تلك الغصة المؤلمة العالقة دائماً في حلقه وامتدت حتى صدره وجذب يزيد بهدوء من طرف السرير ثم وضعه على السرير المقابل،، في تلك اللحظة فزعت غصون وبحثت جوارها ثم نادت "يزيد" -التفت لها ياسر يسكتها " بس.. بس انا اللي نقلته كان هيقع" -جلست وتملكها الفزع أكثر عندما علمت بوجود ياسر في الغرفة،، ثم رفعت تلقائياً يدها تتحسس شعرها الذي أنزلق من عليه الحجاب ثم تتحسس الوسادة باحثة عن حجابها وهي تقول بتوتر " أنا آسفة النوم غلبني وانا بنيم الولاد" ثم وقعت يدها على الحجاب ووضعته على رأسها ونهضت واقفة على الأرض أمام عيون ياسر الذي ينظر لتوترها وقلقها وكأنها مُسِكت بالجرم المشهود،، ثم سارت من أمامه متجهة إلى باب الغرفة فلحقها قبل أن تخرج يسألها " رايحة فين؟" -أجابته دون أن تلتفت له" همشي بقى طالما حضرتك جيت بالسلامة" -رد عليها بتعجب " تمشي تروحي فين الساعة واحدة بعد نص الليل" -ابتلعت ريقها بتوتر وردت بإضطراب ظاهر في نبرة صوتها " هرجع البيت… ماهو مينفعش أبات هنا" - تقدم أمامها ونظر لها بينما هي لم ترفع بصرها إليه وقال " ممكن نطلع نتكلم بره عشان الأولاد ميصحوش " -هزت رأسها بالموافقة وبالفعل سبقها خارج الغرفة وتبعته هي،، فوقف قائلاً " متقلقيش ياغصون ممكن تكملي الليلة مع الولاد أم تنامي في الأوضة دي " وأشار لغرفة مجاورة لغرفة الاولاد" وخدي راحتك واقفلي على نفسك… إنما خروج للشارع دلوقتي… أظنه جنان في الوقت ده وكلها ساعات وهتيجي تاني يبقى ملوش لزوم" -ازدادت ضربات قلبها من فرط التوتر الذي يتملكها في حضرته،، ولكنها حاولت تجميع ذلك الشتات الذي تلبسها وقالت " ماهو أنا إجازة بكرة عشان ده يوم راحة حضرتك " -زفر بيأس من إصرارها وقال بحدة" ادخلي ياغصون نامي وبكره ابقى امشي"..ثم اتجه ناحية غرفته ودلفها وأغلق الباب خلفه… وهو يعلم أنه بذلك يخيفها حاسماً للأمر. -بينما هي كانت تقف مرتجفة من حدته وعندما انصرف من أمامها دخلت تلك الغرفة التي أشار إليها وأغلقت الباب خلفها تحاول تهدئة نفسها مما مرت به منذ قليل . -فردت جسدها على السرير الموجود في الغرفة وظلت عدة دقائق تحاول النوم مرة أخرى ولكنها لم تستطع بسبب الأفكار التي تعصف برأسها مابين رهبة وشفقة على ذلك الرجل الذي يجمع مابين الحنان والقسوة والشدة واللين،،، ترى منه جموده وهيبته وقسوته ولكنها تراه الأب الحنون الذي تسقط هيبته مع ولديه وهو يمازحهما ويلاعبهما،، تراه يبتسم ويضحك معهما وكأنه في نفس عمرهما ولكنه سرعان مايعود لذلك الجمود والشرود عندما يبتعدان عنه…شعرت بالشفقة عليه والتماس العذر له، فقد فقد زوجته ونصفه الثاني التي من الواضح أنه كان يحبها بجنون ووضح ذلك من منعه لها أن تدخل غرفته وغرفة مكتبه الذي اضطرت مرة لدخولها عندما تسرب إليها يزن خفية ممازحاً لها واضطرت لدخولها حتى تبحث عنه،، فوجئت عندما وجدت صورة كبيرة لفتاة جميلة تماثلها في العمر موضوعة على الحائط المقابل للمكتب،، وتأكدت من أنها تلك زوجته عندما وجدت على مكتبه يُوضع صورة صغيرة في إطار خشبي تجمع بينما هو يحتضن خصرها بينما هي تقبل خده بحب وهيام،، وجدته في الصورة شخص آخر تشع عينيه بالحب والهيام والسعادة تقطر من كل ملامحه،، حينها فقط إستطاعت أن تشعر بما يعانيه ويشعر به من فقدانها،، فقد ماتت المسكينة دون أن تنعم طويلاً بذلك الحب الفياض الذي يحمله لها ولا بامومتها لذلك الصغيرين اللذان أصبحا يمثلان لها الحياة. -دخل غرفته بإرهاق وبدل ثيابه وألقى بجسده المتعب على فراشه يتنهد مخرجاً ذلك العناء الذي عاناه اليوم مابين غرف الكشف والمرضى والعمليات ولكن هيئة غصون الخائفة المرتجفة منه دائماً تتسلط أما عينيه،، رغم قلة الحوار بينهما وعدد المرات التي اضطر لتوجيه حديث لها تعد على أصابع اليد ولكنه تعجب من ذلك الضعف الذي يتملكها دائماً ولكنه ارجع ذلك لما عانته منذ صغرها كما حكت له ياسمين مما جعل بتلك الشخصية الخاضعة دائما ولكنه يمقت ذلك بشدة ويمقت أكثر ضعف النساء مما عاناه في حياته بسبب ذلك ،، رفع بصره لتلك الصورة الكبيرة التي تقابل سريره ينظر لها كعادته كل يوم قبل أن يغفو،،، فعلي الرغم من سخطه عليها منذ أن فعلت فعلتها ولكنه مؤخراً افتقدها بشدة.. ورغم انهماكه الشديد في عمله ومحاولة الهروب من تلك الذكرى المؤلمة ولكنه يشعر بالوحدة لذا وضع لها صورتين كبيرتين إحداهما في غرفته والأخرى في غرفة مكتبه حتى يشعر بوجودها جواره،، كانت الصورتين وهي في قمة حيويتها ونشاطها،،أراد أن يرى دائماً المظهر الذي كان يحبها عليه بإبتسامتها الجميلة وعينيها اللامعة،، وأعتاد منذ أن وضع تلك الصورة في غرفة نومه ان ينظر إليها حتى يأخذه النوم منها،، ولكنه اليوم ولأول مرة يريد أن يتحدث معها،، لا يعلم لما ولكن شىء بداخله يريد أن تشاركه لحظاته خوفاً من أن تسرقه الحياة من حبه لها كما سرقها الموت منه. -نهض من فراشه وجلس على السرير ينظر لها ويحدثها قائلاً " مش عارف ياصبا ألومك على بعدك اللي انتي اختارتيه بإيدك ودمرتي حياتنا به ولا أطمنك على ولادنا بعد ماشوفتهم النهاردة في حضن غصون،، بس أنتي اللي غلطتي اما اضطرتيني لكده،، اضطرتيني إن غريبة تربى عيالك وتسخي عليهم بحب كان المفروض ياخدوه منك أنتي،،، الحضن اللي شوفتهم النهاردة غرقانين فيه كان المفروض يكون حضنك أنتي… ليه ياصبا بعدتي عنهم،،، ليه بعدتي عني ووجعتيني ببعدك،، اللي كان بينا مكنش سبب كفيل إنك تعيشي عشانه،، أنا كنت مستعد اتحملك العمر كله على أمل إنك ترجعي تنوري بيتنا وحياتنا تاني بضحكتك،، إنما أنتي اخترتي الهروب من حياتك ومفكرتيش فينا ولا ف قلبي اللي حطمتيه باللي عملتيه،، قلبي اللي مكنش يستاهل منك كده،، بس أنا ــ… " -قاطع حديثه عدة طرقات خفيفة على الباب فسأل" مين " -علم أنها غصون عندما أجابت" أنا غصون" -مسح وجهه بيده ثم فعل ذلك على شعره كاملاً وكأنه يزيل ذلك الضعف الذي تملكه من ذلك الحديث الذي وجعه ينهش بداخله دائماً،، ثم نهض وفتح الباب وجدها تقف بهيئتها التي تركها عليها منذ قليل تنظر أرضاً وتفرك فستانها بيدها متوترة فسألها بهدوء " أيوة ياغصون عايزة حاجة؟ ولا لسه مصرة تمشي؟ " -هزت رأسها بالنفي ثم قالت بتوتر " كنت جاية أسأل حضرتك لو محتاج عشا او حاجة تشربها… يعني.. يعني بعد تعبك طول اليوم في الشغل" -نظر لها بإعجاب وإمتنان على ذلك الإهتمام الذي افتقده منذ زمن،، هو أيضاً يريد من يهتم به ويقدر تعبه وعنائه بعدما فقد ذلك منذ أشهر طويلة حتى قبل وفاة صبا بسبب الحالة التي مرت بها مهملة خلفها زوجها وولديها،، ولكنه عندما تذكر ذلك خشي أن فقدانه ذلك يضعفه أمامها وهو ينظر إليها متمنياً تقبيل رأسها شكراً وتقديراً لما تبذله كي ترضى الجميع وتساعدهم،، تصلبت ملامحه عندما شعر أنه من الممكن أن يضعف ويفعل ذلك فقال لها بحدة "هو أنا مش قولتلك قبل كده ملكيش دعوة بأوضتي" -رفعت بصرها له بصدمة وتعجب ثم أجابت بخذلان " أنا مدخلتش أوضة حضرتك.. أنا بس فكرت ان ممكن تحتاج حاجة… إنما…" -قاطعها بحدة " أنتي هنا عشان الولاد بس… ميخصكيش أنا محتاج إيه وعايز إيه.. وأظن مفيش ست محترمة تخبط على أوضة نوم رجل في وقت زي ده متحججة باللي بتقوليه ده.. إلا إذا كان لها غرض تاني" -رفعت يدها تغطي فمها من صدمتها مما ظنه وتفوه به وهزت رأسها غير مصدقة ماسمعته ثم استدارت من أمامه تغادر الدور العلوي هابطة الدرج في سرعة شديدة وبعد لحظات سمع صوت إغلاق باب المنزل وكأنها تخبره أنها غادرت المنزل بأكمله. -أدرك جرم مافعله وتفوه به فكور يده ورفعها بغضب يلكم الجدار الذي يجاوره قائلاً " غبي… غبي… إيه اللي أنت قولته ده" -خرجت مسرعة تغادر ذلك المنزل عازمة على ألا تعوده مرة أخرى حتى لو اضطرت لترك المكان الذي تقيم فيه عند أخته.. سارت بعض الخطوات تبحث عن وسيلة مواصلات تقيلها في ذلك الوقت المتأخر ولكنها تذكرت فجأة أنها تركت حقيبتها في منزل ياسر بما تحتويها…ولكنها عزمت على عدم العودة لو اضطرت أن تذهب سيراً على الأقدام لو استغرق ذلك ساعات ولكنها سرعان ما خشيت وغيرت اتجاهها للعودة عندما وجدت شاب ينظر لها نظرة غير مريحة ويتقرب منها وكلما ابتعدت يصر على الإقتراب،، فأسرعت خطواتها حتى أصبحت تجري ولم تتوقف حتى وجدت نفسها أمام بوابة منزله مرة أخرى.. ولكنها اطمأنت بعض الشىء عندما تلفتت حولها فلم تجد ذلك الشاب. -دخلت بثقل إلى حديقة المنزل ثم اتجهت إلى إحدى الأشجار النائية عازمة أن تظل مختبأة تحتها حتى تشرق الشمس وتعود. ??دخل غرفته وجلس على طرف فراشه منحنياً يستند جبهته بكفه،، يتنهد معاتباً نفسه على ما أخطأ بقوله،، فهو يعترف لنفسه أنه لم يجد سوءًا قط وهو الغبي الذي أصبح مريضاً بفقدان الثقة في الجميع بعدما مر به،، لذا نهض فجأة يلتقط مفاتيح سيارته عازماً على إعادتها والإعتذار منها فهي لم تستحق ذلك الأذى والإهانة بعد كل مافعلته من أجل ولديه… هبط الدرج وخرج من المنزل باحثاً عنها بعينيه في المكان متجهاً ناحية سيارته ولكن قبل أن يركب وجد طيف شخص خلف الشجرة المجاورة لغرفة مكتبه،، اطمأن قليلاً آملاً أن تكون هي. -جلست على الأرض تضم ساقيها إلى صدرها وكأنها تحضن نفسها من ذلك الوجع الذي أصابها به ذلك الرجل الذي ظنت أنه مصدر أمان بعدما خلصها من زوجها الملعون ولكنها كانت خاطئة عندما ظنت ذلك فهي ابنة الحرام الذي يرى الجميع أن بإستطاعتها فعل ذلك كما فعلته أمها،، تبكي وصمة ألزمتها مدى الحياة ووجعاً لم ولن تبرأ منه. -تبكي بحرقة مناجية ربها بصوت مسموع " أنا ذنبي إيه بس يارب في حياتي دي… اخترت ليا أطلع الدنيا من غير أهل ورضيت وقولت كفاية عوضك بعيلتي اللي اتربيت وسطهم،،، ورغم العذاب اللي شوفته في حياتي بس قولت الناس كلها حياتها صعبة مش مشكلة… وأما أردت وحرمتني إني أبقى أم قولت مش مشكلة ده نصيب ويمكن خير وفرحت بعوضك ليا في الولدين اليتامى دول،، وعشت عمري أرضيك وأطيعك وعمري ماعملت حاجة حرام يبقى ليه عبادك كلهم شايفني رخيصة كده،، ريحني ياارب،، يا تاخدني عندك انا مليش مكان وسط البشر دول صدقني.. مليش مكان" -انتفضت عندما وجدت من يجلس بجوارها قائلاً بهدوء" أنتي فعلاً ياغصون أنقى وأطهر من البشر دول كلهم… صعب تلاقي حد زيك كده في زماننا ده " -عندما وجدته اطمأنت قليلاً أنه ليس الغريب الذي كان يطاردها ولكنها أشاحت بوجهها عنه وتذكرت ماقاله لها وزادت دموعها في الانهمار حتى فقدت القدرة على التحكم في شهقاتها. -نظر إليها بحزن وندم شديد وتمني لو يستطيع فعل شىء يكفر به عن خطأه في حقها ولكنه لم يملك سوي أن قال " أنا آسف… أنا عارف إني غلطت فيكي بس أنا مقصدتش.. يمكن ضغوط الشغل مأثرة عليا فمفكرتش في الكلام قبل ماأقوله" -التفت بوجهها ناحيته وقالت بصوتها المتقطع من شدة البكاء وقالت "أنا مش وحشة والله وعمري ماعملت حاجة غلط… وكنت رافضة شغلي هنا عشان عارفة إن مينفعش أشتغل في بيت رجل عازب… بس حبي ليزيد ويزن هما اللي اضطروني إني أوافق… وأنا فعلا جيت لك الأوضة عشان اشوفك لو محتاج حاجة أقدمهالك وده بس عشان جميل مدام ياسمين اللي هيفضل في رقبتي طول العمر مش عشان أنا نيتي حاجة وحشة لا سمح الله " -نظر لوجهها الذي أصبح كتلة حمراء من شدة البكاء وعينيها اللتان اختفى بياضهما واحتل مكانهما اللون الأحمر… شعر بشىء ينهش في قلبه على حالها وعلى ماتسبب فيه واستنتج كم هي هشة ضعيفة من صدمات الحياة المتتالية لها ويكفى أنها تعيش في هذه الدنيا لاجئة من مكان لآخر،، تحملت الكثير برضا ظاهر منتظرة العوض كما سمعها منذ قليل تشكي لله، ولكنها تتلقى الصفعات واحدة تلو الأخرى دون رحمة او شفقة من بشر. -اعتصر قلبه ألماً وكأن ذلك القلب كان ينقصه عذاب تلك الضحية،، فقال بلهجة حانية " أنا آسف فعلاً عن اللي قولته ومعترف إني أخطأت بس أكيد حبك ليزيد ويزن هيشفعوا ليا وتسامحيني على اللبخ اللي قولتله" -مسحت عينيها وجهها من أثر الدموع وقالت بحزن " حصل خير يادكتور" -قال بشرود لنفسه " صدقيني مش خير أبداً ياغصون… مستحيل يكون خير،،طالما المرحلة وصلت معايا إني أذى اللي حواليا، فأنا فعلا محتاج علاج " -ثم نظر إليها ونهض واقفاً ثم قال" طب ياللا قومي ادخلي جوه مينفعش قعدتك دي" -رفعت بصرها إليه وقالت " معلش يادكتور أنا مبقاش ليا شغل هنا… المطلوب بس من حضرتك إنك تجيبلي شنطتي عشان نسيتها جوه" -نظر لها بحزن على ماقالته،، فرفضها العمل معناه خراب حياته مرة أخرى وعودة ولديه لحياة التشتت التي عاشاها لأشهر،، لذا تنازل عن كبريائه وقال بصوت حاني " عايزة تتخلى عن الولاد ياغصون… مبقاش ينفع يعيشوا من غيرك " -أخفضت بصرها مرة أخرى وانهالت دموعها في الهبوط ولكن تلك المرة دون صوت،، هو لايعلم أنها تحتاج للولدين أكثر مما يحتاجها هما.. هما أعطا لحياتها طعم ومعنى ولايمكنها الإبتعاد عنهما،، فعلت شهقاتها قلة حيلة. -رأي هيئتها ذلك ياسر فشعر بالعجز عن التخفيف عنها،، فابتلع ريقه وقال بصوت خاقت" قومي ادخلي للولاد وخلي بالك منهم "... ثم تركها واتجه إلى سيارته واستقلها هارباً من المكان بكل تلك المشاعر المتضاربة التي تعصف به. -التفتت عندما سمعت صوت السيارة وعلمت أن رحيله يجبرها على الاستسلام للدخول ومواصلة العمل والاهتمام بالولدين. ? تجلس ياسمين متذمرة وتتنهد بيأس وهي تنظر إلى مجموعة من البطاقات الورقية التي أمامها بقلة حيلة،، ولكن فاجأها دخول مراد عائداً من عمله ينظر لها متسائلاً " مالك قاعدة زعلانة ليه؟" -أجابته " مبقتش قادرة على كده… آسر كركب الدنيا فوق دماغنا،، القادر خطوبة وجواز في شهر لما الكل مبقاش فاضي حتى يتنفس… ومبقاش الا يومين وفيه حاجات كتير في التجهيزات ناقصة" -جلس مراد بجوارها ومسح على كتفها داعماً لها ثم قال شوفي ناقص إيه وأنا معاكي وكمان مش قولتوا الموضوع هيكون ع الضيق… يعني التجهيزات بسيطة" -ردت عليه بحماس قائلة " ليه هو انا معرفتكش اللي حصل" -هز مراد رأسه نافياً وقال " لا معرفش… هو حصل جديد؟" -أجابته قائلة " ماما رفضت طبعاً وقالت أنه لازم يعمل فرح كبير لو هيستني فترة اما ظروفه تتحسن وكفاية أنها وافقت على العروسة عشان خاطره رغم أنها غير مناسبة،،، وآسر رفض وصمم على رأيه وعشان الموضوع يتحل ياسر حجز له قاعة مناسبة وعمل كروت دعوة عشان ماما تتراضي وآسر استسلم للي بيحصل" -رد عليها مراد " أنا فعلاً كنت عارف إن ماما هترفض بس قولت يمكن حد فيكم أقنعها " -قالت ياسمين بإستياء" طب واليومين دول أنا هقدر أخلص فيهم كل حاجة؟ " -جذبها على صدره وقبل رأسها قائلا َ" اعتبريني في إجازة وانا معاكي كل حاجة هتتحل " -ابتسمت ثم جذبت يده تقبل باطن كفه قائلة " حبيبي يامراد ربنا مايحرمني منك أبدآ " -قاطع لحظتهم الدافئة رنين هاتفها فاعتدلت تجذبه ثم نظرت إليه وأجابت" أيوة ياياسر " -أجابها ياسر علي الطرف الآخر "أيوة ياياسمين معلش كنت عايز منك طلب " -ردت عليه بحماس" أطلب ياحبيبي" -أجابها "أنا كنت ناوي آخد الأولاد النهاردة واشتري لهم لبس لفرح آسر بس جاني عمليات مستعجلة ومش هعرف اروح… ممكن ترني على غصون وتاخدوا الأولاد تشتروا اللبس " -نظرت لمراد بقلة حيلة لتراكم المسئوليات عليها ثم ردت علي ياسر قائلة " اوك ياحبيبي انا هجبلهم اللبس" -رد عليها بإمتنان" شكراً ياياسمين… وكمان شوفي فستان كويس لغصون وبأي سعر ولايهمك " -ردت عليه ياسمين" أنا كنت ناوية أجيب فستان غصون.. متشلش انت هم " -رد عليها معارضاً " لا ياياسمين… شوفيلها فستان مناسب تختاره… هي بقالها شهر مع الولاد وتعبت معاهم ومن حقها تتكافىء" -ردت عليه بإستسلام" خلاص تمام بس على فكرة هي رفضت تاخد المرتب اللي أنت طلبت مني أعطيهولها وبعد معاناة اخدت نصه بس وقالت إنها متستحقش غير كده" -تنهد ثم قال "خلاص مش مشكله انا هتصرف… سلام دلوقتي عشان عندي عملية " -ردت ياسمين" سلام ياحبيبي" ? وقف يعدل هندامه بسعادة أمام المرآة مستعداً للنزول لعمله ولكن فاجأته أمه من خلفه تحمل هاتفها على مكالمة مرئية من أخته وابنتها. -قالت أمه بسعادة" اهو ياتغريد…ربنا يحميه ياقلب أمه قمر " -ردت تغريد بمزاح" إيه ياواد ياتميم الحلاوة اللي أنت فيها دي " -التفت تميم للهاتف يرسل لهما قبلات في الهواء قائلاً " وسعي كده يابت انتي عشان كل البوسات دي لتمارا قلب خالو" -ردت تمارا بصوتها الطفولي " أي لاف يو خالو" -ابتسم لها تميم وقال" لاف يو تو حبيبة خالو" -تدخل تغريد متسائلة بفكاهة" سيبك ياواد من تمارا دلوقتي وقولي متشيك كده ورايح فين؟" -رد عليها وهو يلتقط زجاجة العطر ويرش منها عن بعد" رايح فرح هصوره وادعيلي كده عشان أخوكي بدأ يتشهر وبكره يبقى أعظم فوتوجرافر في مصر". -تدخلت الأم قائلة" عقبال فرح ياتميم يابني وافرح بيك… ربنا يوسع رزقك ويحبب فيك خلقه" -اقترب منها تميم وقبل رأسها قائلاً" أيوة كده ياست الكل ادعيلي" -ثم نظر لكاميرا الهاتف في يد والدته" سلام ياتغريد دلوقتي عشان هتأخر… اسيبك بقى مع ماما " -ردت عليه تغريد " بالسلامة ياحبيبي… خلي بالك من نفسك " ? تنظر لنفسها في المرآة بعدما أنهى جميع من في مركز التجميل إعدادها لتظهر على أبهى حلة وبالفعل نجحوا في ذلك،، فهي الآن تقف مبهورة بنفسها وقد أصبحت ملكة متوجة بفستانها الأبيض وحجابها وزينتها الرائعة وذلك التاج الجميل الذي أضفي على كل ذلك تميزاً وهيبة. -لقد أصبحت عروساً كما تمنت كثيراً حتى وبعد أن كانت فقدت الأمل في ذلك فـهي الآن نجحت فيه وبجدارة. -اقتربت منها سدن التي فسدت زينتها أكثر من مرة بسبب بكائها علي ذهاب ونيستها من ذلك المنزل الذي أصبح موحشاً لكليهما ولكنها ستعود الليلة له وحيدة دونها وتعاني الوحدة إلى الأبد… أمسكت يد أختها وقالت بسعادة ممزوجة بالحزن " زي القمر ياسدرة ربنا يحميكي… دلوقتي العريس أما يوصل هينبهر بجمالك" -عندما تذكرت مجيئه انقبض قلبها وتصلبت ملامحها ولم ترد،، فقالت لها سدن " سدرة انتي كويسة؟" -هزت سدرة رأسها بالإيجاب وشردت فيما هو قادم وفيما هي مقدمة عليه لم تنتبه سوي بصوت الفتيات حولها" العريس وصل " -نهضت سدن تبتعد عنها وتفسح الطريق لدخول العريس لأخذ عروسه. -رغم كل التعب والمعاناة الذي عاشها في ذلك الشهر حتى يتم الزواج سريعاً كما أرادت،،، ولكن كل ذلك تلاشي عندما رآها تقف كأميرات الروايات بالفستان الأبيض،، جمالها الذي كان دائماً يجذبه تضاعف أضعافاً اليوم بتلك الزينة الساحرة،، تمنى لو حملها بين يديه وهرب بها إلى شقتهم الخاصة حتى ينفرد بذلك الجمال وينعم به ولكنه تغلب على ذلك آملاً أن تكون أجمل ليالي العمر له ولها وتظل ذكراها محفورة بداخلهما إلى الأبد،، فاقترب منها وأمسك يديها يقبلهما ثم وضع قبلة على جبينها قبل أن يضمها هامساً " مبروك عليا أنتي ياأجمل عروسة" -تصلب جسدها بين يديه وارتفعت دقات قلبها وأصبح صوت نفسها مسموعاً فهمس لها يطمئنها " مالك ياقمر خايف ليه… دا أنتي في حضني أأمن مكان لكي في الدنيا" -توترت وشعرت ببرودة أطرافها وسحبت نفسها من حضنه بهدوء قائلة بتوتر " ياللا ياآسر هنتأخر " -أمسك كفها الأيسر مشبكاً به أصابعهما سوياً وسار بجوارها قائلاً " ياللا ياقلب ياآسر" -تعالت الزغاريد في المكان والكل يتحاكي في جمال العروسان،،، ولكن وقفت سدن تنظر إليهما بتمنى أن تكون عروساً مثل أختها يوماً ما،، ولكنها سرعان ما أدركت أن هذا مستحيل فمن سيرضي بمشوهه زوجة له. ? جلس ياسر وبجواره مراد في مقدمة القاعة يستقبلان الضيوف حتى قدوم العروسين،، ولكن وقف ياسر مذهولا ً عندما وجدها تهبط من سيارة ياسمين ممسكة الولدين في يديها تقترب دالفة باب القاعة،، لم يصدق في البداية أنها هي تلك الفتاة التي لم يراها منذ ماحدث بينهما تلك الليلة،، كان دائماً يتحاشي الحديث معها أو النظر إليها خجلاً مما فعله بها،،، حتى وإن كانت سامحته فهو لم يسامح نفسه. -مدح ياسمين بداخله على إختيارها لها ذلك الفستان البنفسجي الطويل الذي أبرز جمال قوامها و بياض بشرتها مع ذلك الحجاب الفضي الذي لم يزد وجهها سوي جمالاً،، وتلك الزينة البسيطة التي يرى بها وجهها البريء لأول مرة… ولكنها أظهرت جمال عينيها السوداويتين كما حددت جمال شفتيها الساحرتين… عند ذلك النقطة نفض تلك الأفكار من رأسه وعاتب نفسه على تلك الطريقة التي يراها بها اليوم وكأنه يتغزل فيها بعينيه. -فاق من شروده في جمالها على احتضان يزيد الذي ترك يدها واندفع ناحيته يحتضن ساقيه نظراً لفرق الطول. -مال ياسر وحمله محتضناً إياه مادحاً ثيابه " إيه الجمال ده يا يزيد" -قبله يزيد في خده وقال " أنت كمان جميل اوي يابابي" -ضمه له وقال " حبيب قلب بابي" -استرق النظر لها مرة أخرى وجدها تقف خافضة بصرها بتوتر جانباً على مقربة منه، فاستنتج أنها تنتظر عودة يزيد لها،، فهمس له " روح بقى عشان غصون بتستناك تدخل معاها " -رد عليه يزيد " أنا راجل وهفضل معاك هنا يابابي ومع أونكل مراد " -ابتسم له ياسر ثم وضعه على الكرسي الذي كان يجلس عليه وقال لمراد " خد بالك منه يامراد… أنا راجع حالاً" -أومأ له مراد بموافقة ثم مال علي الطفل يمازحه بينما توجه ياسر تجاهها حتى وصل إليها. -كلما اقترب ازدادت توتراً وأمسكت طرف حجابها المتدلي على صدرها تفرك به كعادتها عندما تشعر بالتوتر… وحينما وصل إليها أخذت نفساً عميقاً ولم ترفع بصرها،، فمال حاملاً يزن الصغير من يدها يقبله بحبه ويهمس له يمدحه،، فضحك الصغير ثم أنزله فأمسكت به مرة أخرى،، ثم وجه حديثه لها قائلاً " يزيد هيفضل معايا،، ممكن تدخلي انتي" -ردت عليه دون أن ترفع بصرها " أنا واقفة استنى مدام ياسمين بتجهز شوية حاجات في العربية وجاية" -رد عليها " تمام،،، ادخلي استنيها جوه.. مينفعش تقفي كده" -ابتلعت ريقها بتوتر وأجابته " أنا بصراحة خايفة ادخل.. أنا معرفش حد جوه " -تفهم ياسر قلقها وخوفها فهز رأسه بموافقة ثم تركها وعاد مكانه في نفس اللحظة دلفت ياسمين التي وقف مراد في استقبالها بإبتسامة تملأ وجهه مبهوراً بجمالها الذي مازال يسرق قلبه وعقله كلما تواجد قريباَ منها، فاقترب منها يمدحها" أنتي متأكدة إنك مش العروسة " -ردت عليه بدلال " ومين قالك إني مش عروسة… أنا عروسة كل لحظة بكون جمبك فيها" -ابتسم لها بحب ثم سألته بحماس " إيه رأيك في الفستان" -نظر إليها يتفحصها من أعلى إلى أسفل بفستانها الأسود الذي يزين صدره بعض الوردات باللون الأحمر ثم يهبط منفوشاً من عند صدرها حتى النهاية وترتدي حجاباً باللون الأحمر الذي فتنها مع تلك الزينة المتناسقة مع الفستان والحذاء الأحمر الذي اكسبها طولاً منافي لطبيعتها. -رد عليها مادحاً " اللي يشوفك يدوب يعطيكي 30 سنة" -ابتسم ورفعت كتفها بدلال متسائلة " وأنت تعطيني كام؟" -رد عليها بحب " أنا أعطيكي عمري كله،، بقولك إيه ماتيجي نروح بيتنا اما اشوف الروج ده بطعم إيه؟" -تلفتت حولها تدرك ان لا أحد سمعه ثم أجابته " بس يامراد عيب… حد يسمعنا" -ابتسم مراد ورد عليها" طب ربنا يصبرني الكام ساعة دول وبعدين أخطفك بعيد على بيتنا " -ابتسمت ثم مثلت الجدية عندما وجدت يمني تقترب منها،،، فأدرك مراد وعاد إلى مكانه بينما قالت لها يمني" اتأخرتي ليه ياياسمين،، ماما قالبة الدنيا عليكي وخلاص آسر على وصول " -سارت معها ياسمين متجهة ناحية غصون التي مازالت تقف في انتظارها،،، وردت عليها" خلاص يايمني انا وصلت قولي لماما متقلقش كل حاجة تمام" -هزت يمني رأسها برضا ثم تلعثمت قائلة " هو… هو.. أنتي ياياسمين عزمتي مامة يوسف زي ماطلبت منك " -أجابتها ياسمين بتفهم" أيوة ياحبيبتي عزمتها بس هي اعتذرت وقالت إن يوسف راجع النهاردة من العمرة وهتكون في إستقباله مش هتقدر تيجي " -هزت يمني رأسها بحزن وخيبة ولكنها حاولت إخفاء ذلك وقالت "إحنا عملنا اللي علينا " -كانت ياسمين قد وصلت إلى غصون تناديها بهدوء "ياللا ياغصون تعالي ندخل " -توجهت غصون معها للداخل تحت أنظار ياسر الذي كان يسترق النظر إليها بين حين وآخر. ? بعد دقائق كان قد وصل العروسان إلى القاعة ووقف الجميع في إنتظارهم ،، في بهجة وسعادة ولكن عندما وصلا إلى المكان المخصص لجلوسهما صُدِمت غصون عندما وجدت العروس سدرة ورغم أنها كذبت عيناها ف البداية ولكنها تأكدت عندما وجدت سدن تقف بجوارها ولكنها ابتعدت قليلا عن سدرة ،، فنهضت مسرعة تقترب من سدن التي لم تصدق في البداية قبل أن تقترب منها غصون التي نادتها بحنين " سدن" -اندفعت اتجاهها سدن تحتضنها بإشتياق وهي تقول " غصون… وحشتيني.. أنا دورت عليكي كتير" -في نفس اللحظة كانت هناك عيون ترصد ذلك المشهد بكاميرا مصور انبهر من تلك الحب الفياض التي تحمله كل منهما للآخر.