وُصـمِـــة وُجــَع - آلـَفـــــصـــلَ 7 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وُصـمِـــة وُجــَع
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: آلـَفـــــصـــلَ 7

آلـَفـــــصـــلَ 7

? خرج يخطو خطوات بطيئة تزداد تدريجياً وهو يشعر بالإنجاز حتى أصبحت خطواته طبيعية بعض الشىء،، شكر الطبيب وجلس على أحد الكراسي في الطرقة معطياً بعض المساحة ليوسف لعله يستطيع إصلاح الأمر بينه وبين يمني،، أخرج. هاتفه من جيبه وبدأ في تصفحه وبعد قليل،، شعر بإضطراب في المكان،، فالتفت جانباً وجد على مقربة منه بعض الممرضات يجتمعن وتصدر منهن بعض عبارات التعزية،، ظل مسلطاً نظره قليلاً حتى انفض هذا التجمع ولم يتبقى سوي فتاة تقف حزينة بزيها الأسود، فوجد أن هذه التعزية كانت لفتاة قصيرة تقف بوجه حزين شاحب وعيون ذابلة ولكن تلك العيون هو يعرفها جيداً،، تلك العيون التي كانت تحرق من ينظر لها، وتلك الفتاة الغامضة التي يسميها كذلك كلما خطرت بباله، تلك الفتاة صاحبة "خدود التفاح" كما نعتها ولكن اليوم الخدين تنطفأ لمعتهما ووجهها يفقد بهجته التي كانت تميزه رغم جمودها وعبوسها الدائم.. شعر بالحزن عليها لأن من الواضح أنها فقدت عزيزاً،، فنهض واقترب منها قائلاً بتهذيب " إزيك يا آنسة سدرة". -انتبهت له وردت بجمود " الله يسلمك " -سألها بريبة " أنتي مش فاكراني" -أجابته بهدوء " فاكراك طبعاً.. حمد الله على السلامة" -قال بحزن " الله يسلمك.. بس خير شكلك حزين.. و زميلاتك متجمعين حواليكي" -ردت بحزن بادٍ على نبرتها " كنت في إجازة بسبب وفاة والدتي ولسه راجعة النهاردة" -نظر لها بحزن ووجع لا يعلم سببه،، كل مايشعر به أنه أن يأخذ رأسها على صدره ويمسح على رأسها لعله يمحي حزنها الذي يقطر من ملامحها،، هز رأسه نافضاً تلك الأفكار من رأسه وابتلع ريقه وقال بتوتر " البقاء لله.. أنا آسف والله لو أعرف لكنت جيت لك البيت " -صُدمت من رده،، فجحظت عيناها ورفعت حاجبها بإستنكار وقالت " نعم!!" - تدارك ماقاله فتوتر وقال مبرراً "قصدي كنت جيت قدمت واجب العزا… أنا منساش يوم ما ساعدتيني يوم وفاة صبا ووقفتك معايا" -لانت ملامحها ونظرت أرضاً وقالت" شكراً واجبك وصل.. عن إذنك هدخل للدكتور يوسف أبلغه بوصولي" - همت لتسير فأوقفها قائلاً " هو في اجتماع شخصي ودقايق وهيخرج" ثم أشار على صف الكراسي الذي كان يجلس على أحدهم وقال " طب تعالي ارتاحي بس شوية على أما يخرج " -رضخت لطلبه وجلست ثم جلس هو بجوارها يبحث عن أي كلام يحاول أن يخلقه معها،، كل مايريده هو أن يتحدث معها تخفيفاً ولكن الآن آسر الذي يتحدثويمزح أكثر مما يتنفس لا يعلم ماذا يقول وماذا يفعل؟؟.. ولكنه قرر أن يب مازحها لعله يخفف عنها ولكن قبل أن يتفوه جاءها اتصال سمعها ترد " أيوة… مين" ….. "أيوة ياغصون.. مالك" …. " أنا مش فاضية… أنا في الشغل… اتصرفي وروحي" …… " خلاص رني على سدن تجيلك" ….. "سلام" -وبعد أن أغلقت الخط،، استغل آسر الفرصة وبدأ الحديث " حلو أوي إسم غصون ده. -لم ترد عليه وبدأت في العبث بهاتفها. -أكمل كلامه سائلاً " قريبتك دي؟ " -ردت عليه دون أن تلتفت له " أختي" -نظر لها بشرود وهي غير مهتمة.. لا يعلم مالذي فيها يجذبه كلما التقي بها،، ولكن الذي يعلمه جيداً أن لها سحر خاص يأسر نبضات قلبه كلما كانت قريبة،، عيناه تسرق متعة خاصة في النظر لعينيها العسليتين وخدودها الحمراء الممتلئة وشفاها المكتنزة تلك التي يريد اقتطاف قبلة منهما… لم يشعر بنفسه إلا عندما التفتت وجدته يأكلها بنظراته، فامتعضت وقالت بعبوس " فيه ياأستاذ مالك؟" -لم يشعر بلسانه الذي نطق في لحظة رغبة منه فيها " تتجوزيني؟؟" ? "أنت ليه مش عايز تفهم إن أحنا مبقاش بينا كلام" صرخت فيه يمني بهذه الكلمات بعد أن دعاها للجلوس والتفاوض معها. -رد عليها يوسف بإصرار "لا يايمني..فيه.. وفيه كلام كتير لسه بينا ولازم تسمعيني" -ردت عليه ببعض الانفعال "خلاص يايوسف.. كل شيء انتهى… أفهم كده واقتنع بقى وسيبني في حالي " -نظر لها بحزن وقال" أنا عارف إني أكيد أذنبت ذنب كبير عشان تبعديني عن حياتك في لحظة وصدقيني خايف أسألك عليه لأن تاريخ الأخلاقي ميشرفش بس وحياتك عندي أنا اتغيرت.. بقيت واحد تاني" -نظرت إليه ببغض متذكرة ذلك اليوم الذي كان يسبق عقد قرانها بأيام.. ذلك اليوم الذي تحطمت فيه كل أحلام السعادة التي بنتها لعمرها القادم بعد أيام… ذلك اليوم الذي حطم قلبها الذي عشق بهيام ذلك الوسيم الذي احتل قلبها وعقلها وحلمت بلحظات سعيدة بين يديه.. ابتلعت ذلك الوجع الذي أعاده تلك الذكرى وردت عليه بقوة " وطالما عارف تاريخك الغير مشرف كنت بتدخل بيوت الناس المحترمة ليه،، كنت بتضحك على بناتهم ليه،، كنت بدوس على قلوبهم ليه وتلعب بهم ليه ،، مفضلتش ليه مع الأشكال اللي شبهك ليه؟" -ابتلع ريقه خزياً من كلماتها ورد عليها بإعتذار "أقسم بالله ماكان قصدي ألعب بكي،، ممكن أكون فعلاً مكنتش مخلص لكي ومكنتش عارف قيمتك بس كنت عارف كويس أنك انضف حاجة حصلت في حياتي،، وكان كل أملي أبدأ معاكي صفحة جديدة وانضف على إيدك بس لقيتك انتي اللي بعدتي،، ودلوقتي أنا ندمت على كل خطأ ارتكبته في حقك وطالب سماحك،،سامحيني يايمني،، سامحيني وتعالي نبدأ صفحة جديدة مع بعض " -ضحكت بتهكم" لا بجد… جاي بعد كل اللي عملته واللي أنا عرفته عنك عايزني أبدأ من جديد؟ " -اقترب منها أكثر متوسلاً " أيوة يمني نبدأ من جديد وصدقيني هتلاقيني واحد تاني خالص غير اللي عرفتيه" -احتدت نظراتها وقالت بثقة" موافقة بس بشرط " -شعر بالأمل فرد مسرعاً" اشرطي وأنا موافق " -نظرت له بإشمئزاز وأشارت على رأسها بإصبعها قائلة" امحي من عقلي ده صورتك وأنت عريان مع واحدة قذرة زيك في السرير " -نظر لها بتعجب وعدم فهم فقطعت تعجبه تقول بإشمئزاز" إيه مستغرب؟.. ليه هو أنت متعرفش إن واحدة شبهك من اللي تعرفهم صورتك و بعتتلي فيديو لك وأنت معاها " -نظر أرضاً شاعراً بأن الأرض تميد به ولكنها أجفلته صارخة" مبتردش ليه؟؟.. تقدر تنفذ شرطي… تقدر تمحي هيئتك المقرفة دي من عقلي كل ما تطاردني… تقدر تمحي تاريخك القذر ده من حياتك وحياتي اللي عايزني اربطها بإسمك " -أجابها بتوتر" اعطـ… " -قاطعته بصوت أقل هدوءاً " متحاولش يا يوسف لأنك مش هتقدر،، وأبعد عن طريقي للأبد يايوسف " -ثم التفتت خارجة من الغرفة وتاركة وراءها إنسان ذو ماضٍ أوصمه للأبد. ? حارقة تلك الدمعة التي تهبط في صمت حارقة للقلب،، ولكن أي دمعة ستهدأ تلك النار المشتعلة في القلوب،، أي دمعة ستعوض خسارة إنسان أغلى مايملك،، بل كل مايملك،، حقاً هذا كل ماكانت تملكه في الحياة هو ذلك الطفل الذي ذهب آخذاً معه كل أملها في أن تكون أماً،، ولكن ليس بجديد على تلك الحياة التي تحرمها دائماً من جميع حقوقها. -نزلت سدن من سيارة الأجرة ودارت حولها تفتح الباب المقابل لها وتمد يدها لغصون قائلة " هاتي إيدك ياحبيبتي وبالراحة على نفسك" -مدت لها غصون يداً وبالأخري أمسكت بطنها لعلها تستطيع التحكم في ذلك الوجع الذي تشعر به كلما تحركت وبالفعل نزلت تتألم واقفة مستندة على سدن الذي احتضنتها قائلة " على مهلك ياحبيبتي… براحتك خالص" -ردت عليها غصون بوجع " معلش ياسدن تعبتك معايا بس مكنتش قادرة آجي لوحدي" -ردت عليها سدن بعتاب " اخص عليكي ياغصون.. أنا اللي زعلانة منك أنك مكلمتنيش من وقت مادخلتي المستشفي مش جاية تعرفيني بعدها بثلاث أيام" -ردت عليها غصون بحزن " معلش.. أنا عارفة ان نار فراق أمك لسه مبردتش مرضتش أزود همك " -تجمعت العيون في مقلتي سدن ولكنها ابتلعتها قائلة " طب تعالي ياللا ندخل عشان ترتاحي.. مينفعش وقفتك دي " -وبالفعل اصطحبتها للداخل لترتاح ولكن أي راحة قد كتبت لتلك المسكينة فاقدة الأهلية. -بعد أن دخلت وجلست في الصالة تلك الشقة القديمة التي شهدت كل مراحل حياتها وتركتها سدن لتبدل ملابسها،، خرجت تلك العمة العجوز الوهمية من إحدى الغرف وجلست أمامها وقالت لها برياء" إزيك ياغصون… ربنا يعوض عليكي يابنتي سمعت إنك سقطتي" -حاولت غصون السيطرة على دموعها وردت " الحمد لله علي كل حال ياعمتي" -خرج حينها من نفس الغرفة فتحي وجلس بجوار أخته ووجه كلماته لغصون " ربنا يعوض عليكي ياغصون يابنتي" -ردت عليه بحزن " تسلم يابا" -ثم سألها بشك" أمال جوزك فين،، كلمتي سدن تجيبك وفين جوزك" -ابتلعت وجعها في جوفها كعادتها وقالت وهي تنظر أرضاً" سعد طلقني خلاص يابا" -لطمت حميدة صدرها بيدها وقالت بتساؤل " طلقك.. ليه يابنتي عملتي إيه؟؟ " -ردت غصون بقهر ودموع " والله ماعملت حاجة،، هو اللي ضربني لحد ما موت ابني واتسبب ف شيل الرحم وحرمني من اكون أم عشان كده طلبت منه يطلقني" - رد فتحي بحزن " لا حول ولا قوة الا بالله" -قالت حميدة بخبث " ده بتاع ربنا ياغصون… مكنتيش خربتي بيتك وهو كان يشيل غلطه ويستحملك وكنتي عيشتي" -رفعت غصون يدها تمسح دموعها لتنظر بتعجب لتلك المرأة وقبل أن ترد عليها كانت سدن قد خرجت من غرفتها تنظر بغضب لعمتها وتقول لغصون بإستهزاء" مرجعتيش لجوزك ليه ياغصون وعيشتي عشان المرة الجاية نجيبك مقتولة "ثم وجهت الحديث لعمتها وقالت بغضب" ترضيها لبنتك… ترضى يحصل فيها اللي حصل لغصون" -ردت عليها حميدة بحدة " احترمي نفسك يابنت فتحي واقفي معووجة واتكلمي عدل" -أجابتها سدن " أما تبقى تقولي العدل ابقى ردي عليه بالعدل ياعمتي " -رد فتحي عليها بحدة" عيب ياسدن ردي علي عمتك بأدب" -اسكتته العمة قائلة" سيبها يافتحي… عيلة ومش عارفة حاجة " ثم نظرت لغصون متسائلة " وأنتي ناوية على إيه ياغصون؟ " -ردت غصون بعدم فهم" على إيه ياعمتي" -قالت تؤكد لها قصدها " هتعملي إيه؟ وتقعدي فين؟ " -تدخلت سدت مندفعة " هتقعد معانا طبعاً ف بيتها " -أسكتتها عمتها " دا كان زمان ياسدن… أما دلوقتي مينفعش.. أمك ماتت وهي مش بنت فتحي عشان تعيش معاه تحت سقف واحد وهي مطلقة وكمان مرات أبوكي جاية بعد يومين ومش هترضي بكده " -تلك الكلمات كان ماينقص تلك الأنثى الجريحة لكي تنهي حياتها.. تسمع تلك الكلمات بروح تحوم في المكان وكأن آخر ماسمعت صوت سدن التي تصرخ في عمتها" مستحيل يكون عندك قلب" ***************************** #وصمة_وجع #الفصل_الثامن #سهام_العدل ? وأخيراً صدح أذان الفجر في الأرجاء بعد ليلة طويلة مرت كل دقيقة منها تحرق روحها في ذلك المنزل الذي تيقنت أخيراً بعد مرور سبعة وعشرون عاماً أن ليس لها مكان فيه ولاتنتمي إليه ،، تلك الحقيقة التي تناستها كثيراً منذ أن عرفت بحقيقة نسبها المجهول،، تلك الحقيقة التي تجاهلتها مقابل أن تنعم بدفء أسرة منحتها الكثير،، ولكن كل تلك المنح سُلبت منها في أشد الأوقات حاجة لها، ولكن ماعليها سوي أن ترضخ لذلك الواقع المؤلم وذلك الوصمة التي لازمتها مدى الحياة. -ألقت نظرة وداع على سدن النائمة كالأطفال ثم خرجت بهدوء دون أن تشعر من الغرفة ثم من الشقة بأكملها… خرجت في ظلام الليل الذي لم ينقشع بعد تمشي بغير هدى لعلها تجد ملجأً لها من ذلك الضياع الذي تحياه،، وبعد عدة خطوات توقفت من ذلك الألم الذي ناداها من أسفل بطنها وكأن ألم روحها أنساها ذلك الجرح الجسدي الكبير الذي لم يطب بعد،، استندت على إحدى الحوائط لدقائق حتى تستعيد قدرتها على المشي مرة أخرى، فوجدت يداً تهزها بخفة. -فزعت غصون والتفت متسائلة "مين؟؟".. ولكن هدأت عندما وجدت فتحي ذلك الأب الوهمي الذي تخلي عنها في أشد أوقاتها إحتياجاً له. -أجابها متسائلاً " إيه ياغصون اللي موقفك كده ورايحة فين؟" -ذلك الذي لم تحسب له بالاً وهو عودة فتحي من صلاة الفجر في ذلك الوقت ولكنها رفعت عينيها فيه مجيبة " ماشية ياأبا" -ابتلع ريقه ببعض الحرج ورد عليها " طب يابنتي النهار له عنين،، إيه اللي يمشيكي ف وقت زي ده؟" -ردت عليه بلسان يرتعش وعيون تمتلئ بالدموع" دلوقتي أو بعدين… كده كده همشي… فدلوقتي أحسن عشان سدن محستش بيا " -تنحنح بقدر من الحرج وقال " مش عايزك تزعلي ياغصون يابنتي… أنتي عارفة إنك عندي زي بنت من البنات،، بس الدنيا مبتفضلش على حال،، وأنتي ربنا يصلح حالك ارجعي لجوزك وعيشي.. الواحدة ملهاش غير بيتها" -ابتلعت تلك الدموع العالقة وردت عليه بقهر" متشلش همي أنت كتر خيرك ع اللي عملته معايا طول العمر.. بس خلي بالك من إخواتي "... ثم استكملت طريقها بدموع وهموم تتكدس على صدرها بثقل الجبال. ? تجلس في السيارة بإرهاق تسند رأسها على مقود السيارة لعلها تهدئها من تلك الأفكار المضاربة التي تعصف بها بعد تلك المشاداة التي حدثت بينها وبين ابنتها،، ابنتها التي ظنت أنها لا تبالي بما يدور حولها بسبب انشغالها الشديد بمذاكرة دروسها،، حيث أنها في عامها الأخير من مرحلة الثانوية،، ظنت أنها هي وأخاها يكتفيان بعدة المكالمات التي تدور بينهما وبين أبيهما خلال الأسبوع ولقائه الأسبوعي بهم الذي تتعمد حينها الإبتعاد عن المنزل حتى يخرج،، لم تكن تعلم أن تلك الفتاة تحمل كل هذا الألم في صدرها بسبب غياب أبيها عن المنزل،،، استعادت تلك الحوار الذي دار بينهما صباحاً عندما أعدت ياسمين لهم الإفطار ورفضت جني الجلوس معها على الطاولة وتناول الإفطار،، فذهبت لها الغرفة لتطمئن عليها وتسألها " خير ياجني… مجتيش تفطري معانا ليه.. أنا وأخوكي بنستناكي" -ردت جني بإقتضاب " مش عايزة افطر" -اقترب منها أمها بقلق تسألها " أنتي تعبانة ياحبيبتي؟؟" - ردت عليها بلهجة صارمة " أيوة يامامي تعبانة" -تحسست أمها جبينها بلهفة " إيه اللي تاعبك ياقلب مامي؟؟.. قومي نروح للـ… " -قاطعتها جني بصرامة" حياتنا يامامي… حياتنا اللي تعباني" -ذهلت ياسمين في البداية وبعد أدركت ما تقصده ابنتها، فجلست على طرف فراشها وسألتها بهدوء " وإيه اللي تاعبك في حياتنا ياجني؟؟" -نهضت جني من الفراش ووقفت مواجهة لأمها تسألها بتعجب" ليه هو حضرتك متعرفيش؟!!" -أجابتها ياسمين بحزم" إيه اللي ناقصك في حياتك ياجني… أظن أنا مقصرتش ف حاجة" -ردت جني بقهر " بابي اللي ناقصني" -تنهدت ياسمين بذلك الوجع الذي لا يفارقها وقالت بقوة مزيفة" أظن أنا ممنعتش بابي عنكم،، بيكلمكم كل يوم وبيجي يقضي معاكم نهاية الأسبوع " -ردت عليها جني بإستنكار " آه اليوم اللي حضرتك بتتعمدي مترجعيش فيه غير لما تتأكدي إن بابي مشي" -نهضت ياسمين وقالت بصرامة " أنا حرة اتصرف زي ماأحب وأظن اللي بيني وبين بابي المفروض إن محدش يتدخل فيه " -ردت عليها جني بقهر" اللي بينكم ده يبقى إحنا يامامي… أنا وفادي اللي من أبسط حقوقنا إن نعيش وسطكم،، أنا اللي من حقي إن بابا يكون جمبي في فترة عصيبة زي دي ف حياتي ولا فادي اللي بقى طول الوقت ساكت وحزين وحضرتك عاملة نفسك مش واخدة بالك وأنت عارفة هو أد إيه متعلق ببابي" -صمتت ياسمين وهي تشعر أن المكان يضيق بها وأنفاسها تتقطع، فنظرت لابنتها بحيرة وخرجت دون أن ترد عليها. -قادت السيارة وهي في حيرة من أمرها،، أهي حقاً مخطئة في إبعاد مراد عن حياتها وحياة أبنائها،، أم أنها إمرأة كأي إمرأة لها كافة الحقوق كما أدت واجباتها دائماً،، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل إن كانت اليوم تمردت ابنتها على ذاك الوضع فماذا سيفعل غداً أخوها ذو الخامسة عشر عاماً،، هل ستستطيع أن تصمد على قرارها في الطلاق وتحتفظ بمكانتها العملية التي سعت من أجل تنميتها سنوات طوال،، أم ستجعل سعادة أبنائها واستقرارهم نفسياً في المرتبة الأولى وبعدها ستفكر في نفسها. -وصلت لمقر عملها وهي في حالة مزاجية سيئة ولكنها حاولت التماسك والمود كعادتها، فترجلت من السيارة ودخلت بإبتسامة مزيفة لجميع العاملين وتلقى عليهم تحية الصباح حتى وصلت إلى مكتبها فاستقبلتها نوران مساعدتها الخاصة "صباح الخير مدام ياسمين" -ابتسمت لها ياسمين وردت عليها " صباح الخير يا نوران.. إيه الأخبار؟ " -أجابتها نوران " كله تمام يافندم بس البنت اللي اسمها غصون اللي جت لحضرتك قبل كده،، جيت لقيتها بتسأل على حضرتك والعمال قالوا أنهم لقوها قاعدة أدام السنتر قبل مايفتحوا " -شعرت بالقلق وقالت " طب هي فين دلوقتي ناديها" -ردت نوران" هي كان شكلها تعبان فطلبت مكان ترتاح فيه على أما حضرتك توصلي وأنا دخلتها أوضة التظبيط" -قالت ياسمين" تمام خليها وأنا هروح لها أنا " وبالفعل ذهبت ياسمين إلى هذه الغرفة وفتحتها وجدت غصون تفترش الأرض نائمة وتحت رأسها بعض الأكياس البلاستيكية التي تحوي فوائض القماش. -اقتربت منها ياسمين وجلست على ركبتيها وهزتها" غصون… غصون" -استيقظت غصون بفزع،، ثم أدركت مكانها فنهضت جالسة بتثاقل وهي تسند بطنها بيدها وتقول " ست ياسمين" -نظرت لها ياسمين بحيرة وسألتها "إيه اللي منيمك كده على الأرض ومال بطنك؟" -ردت عليها غصون بدموع " أنا جاية واقعة في عرضك ياست ياسمين… شغليني عندك هنا إن شاء الله أمسحلك المكان ولا أعمل أي حاجة… أنا معرفش حد غيرك وضاقت بيا الدنيا خلاص" -مسدت ياسمين علي كتفها تطمئنها وقالت " طب اهدي بس وأنا هعملك اللي يريحك.. بس قومي معايا على مكتبي وفهميني كل اللي حصل " -بعد دقائق كانت تجلس ياسمين مصدومة مما سمعته من غصون عما فعله بها زوجها عديم القلب الذي حرمها من أعظم نعمة من الله على إمرأة لها أن تكون أماً ،، فردت عليها بعتاب " بس أنتي غلطانة ياغصون،، إزاي تسكتي ع اللي عمله الحيوان ده،، لازم يتعاقب وبترمي في السجن عشان يعرف جرم اللي عمله" -ردت عليها غصون بإنكسار "أنا كفاية عليا إني اتطلقت منه وارتحت منه بقية عمري" -أشفقت على تلك الفتاة المنكسرة المحطمة فاقتربت منها ومسحت على كتفها وقالت" متزعليش نفسك ربنا عنده العوض،، بس فين أهلك من كل ده،، إزاي محدش يقف للبني آدم ده ويجيبلك حقك ". -نظرت غصون أرضاً وسقطت دموعها وقالت أصعب كلمات نطقها لسانها" أصل أنا… أصل أنا بصراحة مليش أهل.. الناس اللي كنت عايشة معاهم قبل ماأتجوز لقوني في الزبالة… وبعدين خدوني وربوني وكبروني وأنا مكنش ليا غيرهم أم وأب ومن حوالي أسبوعين أمي اللي ربتني ماتت ومن بعدها الدنيا قفلت في وشي وحصل اللي حصلي ده وأما جيت أرجع مبقاش ينفع وقالوا ان أبويا هيتجوز في الشقة وانا مينفعش اعيش معاه في بيت واحد ولازم ارجع لجوزي وانا الموت عندي اهون من أني ارجعله تاني،، وأنا معرفش أي حد،، لقيت رجلي جيباني لعندك ومش عايزة منك غير أي شغلانة اشتغل فيها وأنا هدور على أي أوضة أعيش فيها " -سقطت دمعتين من ياسمين علي حال تلك الفتاة البائسة ونظرت ليدها التي تسند بطنها وكأنها تهديء ألم الجرح بها،، فقالت بصوت حزين" وأنتي هتشتغلي إزاي بجرحك ده مش لما تطيبي الأول " -مسحت غصون دموعها بيدها الأخرى وقالت بإصرار" مع الوقت هيخف ويطيب،، وصدقيني انا شاطرة وبعمل كل حاجة وأي حاجة هتطلبيها مني هنفذها" -التقطت ياسمين مفاتيح سيارتها من على سطح المكتب المجاور لها ونهضت قائلة " قومي معايا " -ردت عليها غصون بعدم فهم" أقوم فين " -ردت عليها غصون " هنروح البيت عندي،، هتقعدي معايا اما نشوف هنعمل إيه " -استيقظت سدن فلم تجد غصون،، بحثت عنها الشقة بأكملها، فجلست تبكي بحرقة،، تبكي أماً تركت لهم حياة مظلمة يتخبطون بها من شدة ظلامها،، تبكي أختاً ظلمتها الحياة ونبذتها بوصمة ليس لها ذنب في حدوثها. -عادت سدرة من عملها التي باتت فيه فوجدت أختها تبكي،، فعلمت أنها تبكي حزناً على أمها التي تركتهم لقسوة الحياة وظلمها فقالت بحزن " بتعيطي ليه ياسدن… أمك ارتاحت من الدنيا واللي فيها،، عقبال عندنا" -ردت عليها سدن بصوت باكٍ" أنا بعيط عشان غصون" -جلست سدرة بجوارها تتذكر محادثة غصون لها ليلة أمس تطلب منها أن تذهب لأخذها من المستشفى بعدما فقدت جنينها،، فردت على سدن بهدوء " آه عرفت إنها سقطت.. ربنا يعوض عليها " -رفعت سدن عينيها لسدرة وقالت بقهر" هو جت على كده بس أنتي متعرفيش إيه اللي حصل " ثم قصت عليها ماحدث من زوج غصون ثم عودتها للمنزل ومافعلته عمتها بها وخروجها من المنزل دون أن تشعر بها… وأنهت ذلك قائلة " أنا مشوفتش أقسى من عمتك حميدة في الدنيا " -ردت عليها سدرة بشرود " هي عمتك حميدة بس اللي قاسية… الدنيا بحالها قاسية واحنا خلاص اتعلمنا واستسلمنا لقساوتها وغصون ماهي عاشت خمس سنين مع الزفت سعد واستحملت نتانته وقرفه ومد إيده وذلته فيها وكانت راضية،، زعلانة ليه دلوقتى،، كويس إنها رجعت له حتى تلاقي أربع حيطان يستروها بدل ما تتمرمط هنا ولا هناك ". -نظرت لها سدن بتعجب وردت عليها بحدة" إنتي بتتكلمي بجد… أنتي إزاي كده؟!!.. شايفة أنه الأحسن إنها ترجع لجوزها بدل ماتحطي إيدك ف إيدي ونقف لأبوكي وعمتك ونرجعها ولا نمنع أبوكي إن يجيب الهانم اللي اتجوزها البيت معانا " -ردت عليها سدن ببرود" تبقى غلطانة لو وقفتي في وش أبوكي ولا عمتك،، سيبيهم يعملوا اللي يعملوه،، وسيبي غصون تعيش وربنا مش هينساها،،، أنتي دوري على نفسك،، امتحاناتك ع الأبواب وهتخلصي جامعة واشتغلي وعيشي حياتك واعتبري انك عايشة في لوكاندة،، لحد ماربنا يفرجها علينا من عنده" ونهضت تسحب حقيبة يدها واتجهت لغرفتها في هدوء. -هزت رأسها بنفي،، كيف لها أن تفكر في نفسها في فقط،، كيف لها أن تتخلى عن تلك المسكينة وتتركها تحت براثن ذلك الوحشي،، قلبها وعقلها يرفضان ذلك ،، حتى وأن صدقت في بعض الكلام،، ولكن كيف لها أن تكون بتلك الأنانية. ? يطفئ سيجارته ويفرك جبينه من ذلك الصداع اللعين الذي يفتك برأسه من مساء الأمس منذ أن عاد من المستشفى،، يشعر بالحرج من نفسه ومنها بعدما عرض عليها الزواج دون تفكير مسبق وهي الأخرى قابلته بالرفض والإهانة،، يتذكر وابل السباب الذي أطلقته بعدما طلب منها الزواج وهي تنظر إليه بحنق " جواز إيه يامجنون أنت… شوية الهبل اللي بتعملهم دول مش عليا أنا… أنا مش هفرح واتعلق في رقبتك زي الأفلام وتقضي معايا يومين وتخلص بحجة الجواز… هما خلاص بنات الناس لعبة في إيديكم للدرجة دي" ثم نهضت وقالت بإشمئزاز " عالم مريضة" ثم ذهبت من أمامه وهو في ذهول من نفسه أعظم من ذهوله من رد فعلها،،كيف له أن يقدم ذلك الطلب من فتاة لايعلم عنها سوي اسمها،، يتعجب من نفسه مالذي جعله يفعل ذلك؟؟… أهو ذلك الغموض الذي يحيطها الذي يستفذه وبشدة ويريد استكشاف سببه،، أم جمالها الهاديء المميز الذي يفتنه كلما وقعت عليه عيناه يفقده عقله،، أم الذي الجمود الذي يحيطها ويريد أن يذيبه بعناق حاد أو قبلة ساخنة من تلك الشفتين اللتان يجعلاه يهيم في التهامهما كلما نظر إليهما،،، أم أن ذلك الوقت تحديداً لأنه يريد أن يستقر وينجح في حياته بعد كل تلك المحاولات الفاشلة ويريد من تشاركه وتدعمه ليستقر ويبعد عن حياة الخمر والسفور التي يغرق فيها كلما فشل،،، وهاهو الآن ومنذ مساء الأمس و بعد ذلك الموقف يجاهد ألا يذهب إلى ذلك المكان الفاحش ليشرب حتى ينسى ذلك الحرج ويلقى بنفسه بين أحضان عاهرة حتى يستطيع نسيانها...كما يفعل دائماً كلما فشل في عمل أو هزمته الحياة. -فاق من تلك دوامة الأفكار الذي أغرقته ليلاً بأكمله على طرقات الباب ثم فتحه لتدخل منه أمه الذي لم تتغير منذ سنوات،، لم يتغير منها سوي شعرها الذي كساه بعض الخصلات البيضاء وهي تداوم كل فترة على صبغه حتى تظل كما هي جميلة وقوية،، رغم أن قوتها الذي عهدها الجميع قد ضعفت منذ سنوات طويلة عندما تركها زوجها وانفصل عنها وسافر خارج البلاد ولم يعد وترك لها أربعة أبناء أصغرهم يمني خمس سنوات،، ومنذ ذلك الحين وهي قد انكسر شىء بداخلها لم تصلحه كل هذه السنوات،، هي تعترف لنفسها أنها لم تكن تلك الأم المثالية في حياة أبنائها فقد انشغلت عنهم كثيراً في عملها التي لم تتركه سوي منذ عشر سنوات وعلاقاتها الإجتماعية الكثيرة التي مازالت تحتفظ بها حتى الآن،، كانت تريد دائماً الظهور في جميع المناسبات وهي في أبهى صورها حتى تظهر للجميع أنها المرأة القوية الجميلة الذي خسر من تركها وهذا التحدي الذي كانت تسعي من أجله اخذ منها الكثير والكثير وأهمها هو القرب من أبنائها الذين سلك منهم الطرق الصحيحة في الإعتماد على أنفسهم وبناء حياة بعيداً عن ذلك الإنفصال المشوه بين أمهم وأبيهم كياسمين وياسر ومنهم من عاش يتخبط في ظلمات الحياة كآسر ويمني تلك الفتاة الهشة التي لم تأخذ درساً سوي من الحياة ولم تقوي إلا من صفعاتها. -نظرت له أمه بغموض ثم سعلت عندما وصلها الدخان الذي عبأ الغرفة لليلة كاملة فقالت من بين سعالها " افتحي ياآسر الشباك ده وأنت إزاي قاعد في الأوضة كده" -بالفعل نفذ ماطلبت واقترب من الشباك يفتحه،، سمعها يقول " ممكن أفهم يا آسر انت ويمني مالكم،، امبارح من وقت مارجعتم وانتوا قاعدين في اوضكم وقافلين على نفسكم" -تنهد والتفت لها يتصنع الإبتسامة وقال يمازحها " قولي بس ياقمر إنك محتاجاني اقعد معاكي وأنا كنت جيت لك جري" -نظرت له بنصف عين فهي تفهمه جيداً،، تعلم أن ذلك المزاح يخفى وراءه قلق وتوتر وحزن عميق ولكنها هي الأخرى مثلت أنها صدقته وقالت" عايزاك تيجي تفطر معايا لأن اختك لسه نايمة… وتتفضل تفضي أوضتك عشان الست اللي بتيجي للتنضيف كل أسبوع جاية النهاردة" -رد عليها بهدوء "افطري أنتي ياحبيبتي وأنا هستني يزيد ويزن عشان واعدهم اخرجهم بعد ماافك الجبس وهقضي اليوم معاهم بره" -تنهدت بإستسلام والتفت تقول" حاضر هفطر لوحدي زي ماأنا عشت عمري كله لوحدي " -إنتبه لرنين هاتفه الذي يصدح في الغرفة، فذهب ليري من المتصل فوجدها ياسمين،، أجابها" صباح الخير يا سمسم " -ردت عليه على الجانب الآخر" صباح الخير ياآسر…ممكن تجيلي البيت فوراً " -شعر بالقلق عليها فأراد طمأنتها "حالاً ياحبيبتي بس طمنيني فيه حاجة؟ " -أجابته" كل خير ياآسر بس محتاجاك معايا ف حاجة كدا" -رد عليها بإطمئنان " طب الحمد لله بس ممكن نص ساعة بس عشان مستني ولاد ياسر وأجيبهم معايا" -ردت عليه" لا ياحبيبي… أنا كلمت ياسر لأني محتاجاه ضروري وهو هيجي عندي وهو الولاد… تعالي أنت لأني محتاجة منك شوية حاجات تعملها " -أجابها" تمام مسافة السكة وهكون عندك" ? رفض النوم أن يزورها ساعات راحتها التي تنامها قبل أن تذهب لعملها المسائي، قسوتها التي تعيشها لم تكتسبها سوي من مرارة الغدر والخذلان،، جعلوا منها فتاة قاسية لم تعد تبالي للحياة ولا تنتظر منها سعادةً،، تيقنت أنها لن تفلح فيها سوي بهذه القسوة وهذا الجحود،، متيقنة أن لا أحد يستحق التعاطف معه مهما كان،، وقاعدتها في الحياة أنك يجب أن تتعلم فنون القسوة وتمتلك قلباً من حجر كي تعيش على هذا الكوكب،، وبالفعل اكتسبت ذلك لعدة سنوات ولم يلن ذلك القلب سوي مرتين،، يوم وفاة أمها شعرت حقاً بالإنكسار وذلك الشرخ الذي لازم قلبها وهي تحاول جاهدة أن تخفيه،، وليلة أمس وهي تكسر ذلك الوسيم بكلماتها بعد أن طلبها للزواج،، لأنها على الرغم من عدم ثقتها في الجميع لكنها اليوم رأت في عينيه الرماديتين طفلاً يغرق ويريد من ينقذه ويتشبث به،، ومرت الساعات ومهما حاولت تناسي ذلك تطاردها تلك العينين في كل مكان. -نهضت من فراشها تزفر يائسة من النوم اليوم وذهبت لتعد كوباً من الشاي، فوجدت عمتها تجلس في الصالة تجلس في الصالة تتناول الطعام مع والدها، فألقتهم عليهم التحية ببرود وذهبت إلى المطبخ عائدة بكوباً من الشاي في يدها،، استوقفتها عمتها "ما تيجي ياسدرة عايزاكي في كلمتين" -ردت عليها سدرة ببرود " قولي ياعمتي معلش أصلهم استعجلوني عشان الشغل" -قالت حميدة بحماس " أنا عارفة انك عاقلة عن اختك،، وعيها كده ونبهيها مرات أبوكي جاية من بكرة،، مش عاوزين مشاكل ولا حد يسمع لكم صوت" -تنهدت سدرة ثم ردت عليها ببرود وإستهزاء" لا ياعمتي متقلقيش خالص ولا أنت يابا تقلق خالص… تشرف وتنور… اهم حاجة عندنا تتبسطوا،، ولو عاوزين مننا نعلق لكم عقدين نور ع البيت نعلق وماله.. (ثم رفعت حاجبها بإستنكار وأكملت) ووالله لو كان لنا حتة تانية غير هنا، كنت أخدت أختي ومشيت على ماتتبسط لك يومين يابا" -رد عليها أبوها مستنكراً ذلك" لا يابنتي… أنا مستنغاش عنكم بس مش عايز مشاكل وهي بنت حلال وطيبة والله وهتحبوها " -ابتسمت سدرة بتهكم ثم ردت " لا.. متشلش همنا خالص وكفاية انت بس تحبها… عن إذنكم " -شعرت بنار تسري في جسدها من الغيظ وبدلاً من أن تذهب لغرفتها، ذهبت لغرفة أختها، فهي بالفعل تحتاج لها الآن حتى لو بوجودها فقط معها في نفس المكان. -فتحت عليها باب الغرفة وجدتها مستغرقة في الرسم.. ترسم لوحة بالأبيض والأسود لفتاة ذو ملامح حزينة وعين واحدة تبكي وشعرها متطاير يخفى بقية وجهها ولكن الدموع أخذت حيزاً كبيراً من اللوحة لتعبر عن مدى الحزن والوجع الذي تعيشه تلك فتاة اللوحة ،، علمت سدرة أنها تعبر عن نفسها وحالتها في هذه الصورة وأنها تخفي بقية وجهها كما تخفيه سدن دائماً،، ورغم أن سدرة ترى أن هذا التشوه الذي بوجه أختها ليس كبيراً ولم يأخذ حيزاً كبيراً من وجهها ولم يمنع براءتها من تزيين ملامحها ولكن سدرة جعلته عائقاً لها في الحياة. -اقتربت منها وهي تمسك كوب الشاي وقالت لها " أنتي مبدعة ياسدن… تحسي إني اللوحة هتتكلم" -التفتت لها سدن التي تفاجأت بوجودها وقالت " بس إيه الكرم ده.. واقفة في أوضتي بتمدحي كمان ف الرسم،، مش ده اللي دايماً تقولي عليه شوية شخبطة وكلام فاضي ولا داخلة هربانة من عمتك حميدة" -هزت رأسها بموافقة وقالت " فعلاً كنت شايفاه كده… لحد ما وقفت دلوقتي وحسيت اللوحة دي.. عرفت إن عندك حق تحبي الرسم… بس ده مينكرش إن مش أي حد يرسم وأنك بجد موهوبة وسيبك من عمتك دي وانسيها" -ابتسمت لها سدن وردت" أسعدتيني بجد ان الرسم عجبك.. الرسم ده حياتي" -جلست سدرة على أحد الكراسي تنظر للغرفة التي نادراً مادققت النظر فيها وجدتها ممتلئة بكثير من اللوحات،، فقالت لسدن" إنتي ليه مبتبعيش الرسومات دي وتعرضي أعمالك للبيع.. وطالما بتعملي حاجة بتحبيها ممكن تستغلي ده ويبقى مصدر رزق لكِ " -ردت عليها سدن وهي تنهي بعض الرتوش على اللوحة "بصراحة كثير عرضوا عليا الموضوع ده،، أو إن أنا ارسم صور لأشخاص وأبيعها،، بس بصراحة بحس إن كل لوحة هنا كأنها بنتي ليها ذكريات معايا وحياة خاصة ومقدرش افرط فيها " -ردت سدن وهي ترتشف من الكوب الذي تحمله" نصيحة مني ياسدن،، بلاش تعيشي بالعواطف لأنك هتخسري،، فكري في نفسك واقفي على رجلك،، كلها شهور وهتتخرجي،، اشغلي نفسك وكبري اسمك وأمسكي أي فلوس متحوجكيش لحد " - شردت سدن قليلاً ثم قالت" ماأنا كده هضطر أخرج وأقابل ناس أو اعمل ورشة واجهز فيها رسوماتي واعرضها وأنتي عارفة يعني إنـه… " -قاطعتها سدرة بحدة " عارفة إيه؟… يابنتي اخرجي وواجهي العالم إنتي قمر وأحسن من ألف واحدة والعلامة اللي ف وشك مش مأثرة على جمالك… أخرجي واشتغلي ودوسي ع الدنيا برجلك… إحنا في دنيا مفيهاش مكان للضعيف " -في نفس اللحظة شعرت سدرة باهتزاز هاتف سدن الصامت على الفراش، فالتقطته وقالت " الظاهر حد بيراسلك والتلفون صامت " -ردت عليها سدن ببعض اليأس" سيبيه عندك… دي واحدة راسلتني شافت شغلي في جروب المواهب وعايزاني ارسم صورة لبنتها عندها 8 سنين وأنا رفضت.. ومن وقتها وكل شوية تبعت رسايل مصممة على طلبها وأنا بصراحة معنديش استعداد أناهد مع حد" -تركت سدرة الكوب الذي أنهته من يدها وقالت بعتاب " أنتي غبية… حد يضيع فرصة زي دي من إيده… يابنتي اسمعي كلام واشتغلي وكوني نفسك… مرات أبوكي جاية بكرة… وبعد كده معدناش هنطول من أبوكي حاجة والله أعلم الزمن مخبي لنا إيه… اسمعي الكلام واشتغلي وسيبك من أفكارك السودة دي" -ترددت سدن وأجابتها " يعني أنتي شايفة كده؟ " -ردت عليها سدرة بإصرار" ومفيش غير كده " -التفتت سدن والتقطت هاتفها لتجيب على الرسائل بـ" تمام يا مدام تغريد… أنا موافقة… ابعتي صورة للطفلة وفي خلال أيام قليلة هتكون الرسمة جاهزة وهعرف حضرتك تقابليني تستلميها " ?وصلت ياسمين بغصون لمنزلها وهي لا يخفى عليها أنينها الذي يصدر منها طوال الطريق ولا وضع يدها الذي لا ترفعها عن أسفل بطنها، لذا اتصلت على ياسر وطلبت منه أن يأتي لها قبل أن يذهب لعمله لأن لديها صديقة مريضة وتريد منه أن يفحصها. -تجلس ياسمين بجوار غصون النائمة تتوجع على الفراش بقلق،، تنتظر أن ينتهي ياسر من فحصها حتى يطمأنها… -سألها ياسر وهي يضغط برفق على جرحها "اسمك إيه؟" -أجابته بصوت هادىء ممزوج بالألم " غصون" -سألها " عاملة العملية من كام يوم ياغصون؟" -أجابته " خمس أيام". -انتهى من فحصها وجلس على أحد الكراسي في الغرفة وسألها " آخر مرة أخدتي أدوية للجرح إمتى؟" -أجابته " ماأخدتش حاجة من وقت ماخرجت من المستشفى " -تنهد وقال " جرحك مُلوث ياغصون وكان محتاج عليه غيار وده محصلش… كنتي محتاجة أدوية وحقن تنشف الجرح وماأخدتيش،، ومن الواضح إن مفيش أي تغذية ولا راحة" -تكلمت ياسمين " شوف هي محتاجة إيه ياياسر وأنا هبعت آسر يجيبه وهعملها اللي محتاجاه " -رد عليها ياسر وهو يكتب بعض الأدوية" تمام ياياسمين وأما ترتاح تيجي المركز أشوفها بالسونار…(وأعطي أخته الورقة ثم قال لها بهدوء) محتاجك في كلمتين ياياسمين "