الفصل السابع
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
أصبح الاثنان إخوة أكثر من أصحاب، تعرّف على عائلة كلٍّ منهما، سراج على القطّة وراز على أمّ سراج. استقرّ الاثنان وعاشا في منزل واحد، كاسرة واحدة، وتقبّلا ماضيه بعيوبه قبل مميزاته. وأسلم راز بدوره، وحاول تحسين حياته والتقرّب لربّه، مع تركه عمله الأول، وانشغاله تمامًا مع سراج.
لكن لم يترك راز دون أن يُحاسَب من العالم السفلي. مرّت عليه أيام صعب مما تخيّل، أصبحت غرفته جحيمًا، له يسمع صراخًا، تأثّرت وتأثّرت ضحك، تتحرّك الأشياء من حوله وتتكسر، حتى تحوّلت أغراضه كلّها لحطام. والألم الذي يحسّ به كل فجر، حتى عند المرّات حاول شيء ما أن يخنقه، اختفى حتى كادت روحه أن تزهق، إلا أن تدخّل سراج بقراءة القرآن، داوم على القراءة والصلاة، وكلّما مرّت الأيام خفّت المعاناة، حتى تخلّص منها بالكامل.
في أحد الأيام، بينما كان راز عائدًا من المسجد بعد أن أنهى صلاة الظهر، صادف فتاة. حين وقعت عيناه عليها لأول مرة كان الزمن توقّف، وكان الأرض انسحبت من تحت قدميه. فسقط قلبه قبل جسده. كانت تقف بهدوء كنسمة صلاة الفجر، لباسها ينسدل برقة على كتفيها، يلفّها نور هادئ لا تراه إلا القلوب. عيناها خضراوين كواكب الربيع، فيهما حياء وسكينة، وجنتاها تورّدا كأنما الحياء رسم عليهما لوحة. الحياة لم تكن مجرّد فتاة بالنسبة له، ظلّ لثوانٍ يحدّق بها، أحسّ بشعور لم يجرّبه فقط. أراد أن يختفي العالم ويبقى فقط هي. لم يفقه ماذا وقع له. غادرت من أمامه بكل هدوء، بينما أكمل هو كذلك بهدوء، وأكمل راز طريقه وهو يفكّر فيها.
عاد إلى المنزل بحجّة دون عقل، لكنه لم يخبر أحدًا منذ لمحها تغيّر كل شيء… لم تعد الأيام تمضي كما كانت، صار الليل أطول.