فصل 1
قفت تحت ضوء القمر الذي ينير عتمه الليل بنقائه
ورائحة المطر المنعشة مع صوت مياه البحر الذي يعم صوته علي سكون الليل كعادة مدينه الاسكندرية
كانت تقف في نافذه الغرفة . تغلق جفونها ببطء وهي تشعر بالنسيم البارد يلمس وجنتيها برفق .. ليتطاير شعرها بحرية من حولها ..شارده في ماحدث منذ مايقارب الثلاثة أشهر قبل هروبها من منزل أهلها
فلاش باك
ليله هروبها من المنزل
كانت تسير في الشوارع ليلا لا تدري الي اين وجهتها بالتحديد ، تحت الإضاءة الخافتة من اعمده الاناره وضوء القمر ، تتلفت حولها بخوف وهي تحاول اخفاء وجهها لكي لا يراها احد...فبلدتها صغيره تتميز بأن الجميع يعرفون بعضهم البعض.
وصلت إلى محطة القطار لتلمح من بعيد اول قطار وقعت عينها عليه بدأ بالتحرك من الرصيف الخاص به ، ركضت بسرعه حتي كادت تقع علي وجهها من سرعتها حتي تتمكن من اللحاق به ، رأها أحد المسافرين ليمد يده إليها كي يساعدها علي الصعود فتشبثت بيده حتي تمكنت بالفعل من الصعود علي متن القطار .
اخذت تلهث بشده وهي تتلفت حولها لتتاكد اذا كان هناك أحد من سكان بلدتها موجود بنفس العربة ام لا ، كي لا يعلم أحد اتجاها وجهتها فيخبر والديها بمكانها.
ارتحت قدمها جالسه على احدي المقاعد وقامت باخراج هاتفها المحمول من حقيبتها الصغيره بعد أن قامت بالقاء الشريحه القديمه وشراء اخري جديده ثم كتبت رسالة نصية تحتوي على : "عمار انا اسيا ...انا هربت من البيت ومش عارفه اروح فين أو اعمل ايه؟؟ مفيش فلوس كفايا معايا ...كلمني اول ماتشوف المسج دي ..ارجوك؟"
بعد مرور حوالي ساعتين نزلت من القطار كالتائه لا تعلم إلي اين هي ذاهبة..
سارت في الشوارع المبللة بالمطر وسط الكثير من العابرين ليقاطعها رنين هاتفها لتخرجه سريعا مجيبه : ايوه ياعمااار ...مش مهم دلوقت الكلام ده ...انا في اسكندرية ...انا ركبت اول قطر شوفته وواحده جنبي ف القطر قالت إنه رايح اسكندرية...انا حاليا في مكان قريب من البحر ...هتيجي بجد !!
تمام هستني صاحبك ده انا عند فندق (.........) متتاخرش ارجوك ..سلام.
أنهت الاتصال لتجلس علي احدي الاستراحات العامة لتحتضن جسدها بيدها محاولة في بث الدفئ به من شدة البرد التي تشعر به .
*******************
أما في الجانب الآخر وبالتحديد في منزل آسيا ، استيقظت والدتها من النوم وهي تشعر بالبرد القارص الذي جعلها تفيق من نومها .
نظرت الى زوجها النائم جوارها في ثبات عميق لتقول بامتغاض : نايم ازاي يتعادل في الجو ده ...مش حاسس بالبرد ده ياراجل ..!!
هقوم اشوف في اي شباك مفتوح ..!
تحركت من فراشها ببطئ وهي تسحب ذلك الشال الصوفي الموضوع بالقرب منها لتضعه اعلي كتفيها بااحكام.
خرجت من غرفتها لتبحث بعينيها عن مصدر الهواء المتجول داخل منزلها بحرية ، شعرت باتجاه الهواء قادم من أسفل باب غرفة ابنتها لتقول بغضب : تلاقيها نامت ونسيت باب البلكونه مفتوح ..زي عادتها ماشي يااسيا اماا.....
قطعت حديثها عندما دخلت غرفه اسيا ولم اجدها بالفراش.
شعرت برعشة تجتاح اطراف جسدها لتحاول طمئنة نفسها وهي تبحث عن ابنتها بالبلكونه بلهفه لعلها خرجت تستنشق بعض الهواء . ولكن..خاب ظنها عندما لم تجدها لتعود سريعا الي داخل المنزل متوجهه نحو المطبخ لعلها ذهبت لشرب بعض قطرات الماء ولكن أيضا لم تجدها ...
ظلت تبحث بعينيها حولها بزيغ لتذهب نحو باب الحمام تطرقه بشده قبل أن تفتحه بسرعه ليتحطم أملها الاخير سريعا ، لتتاكد من شكوكها تماما.
ابتعدت جالسه علي أحد المقاعد لتصرخ علي زوجها وهي تبكي قائله : عاااادل ...عادل ..الحقني ياعادل ...
عادل بخضه : في ايه ياوفاء في حد يصحي حد كده في الوقت ده...الله يسامحك ..في ايه؟!
وفاء ببكاء : بنتك ...اسيا بنتك ياعادل ...ازاي قدرت تعمل كده .
عادل بقلق : اهدي ياوفاء وفهميني بالراحه اسيا عملت اي بالظبط ...
وفاء بصراخ : بنتك ...اسيا هربت وسابت البيت !!
****************
بعد مرور نصف ساعة عند اسيا لمحت شاب يخطو في اتجاهها وكأنه يعرفها ليدب الرعب في قلبها خصوصا عندما توقف أمامها قائلا : مساء الخير ! حضرتك اسيا؟!
اومأت براسها دليل علي صحة كلامه ليقول لها باطمئنان : انا جمال صاحب عمار...هو كلمك تقريبا وعرفك أنه هيبعتني عشان اوصلك الشقة ..هو أن شاء الله نص ساعه وهيكون هنا.
تحدثت بقلق وهي تسير خلفه : حضرتك متاكد أنه جاي ...انا معرفش حد هنا ..
صمت جمال لدقائق وهو يصعد سيارته ليقول لها : اركبي بس ..يلا الجو بارد جدا واطمني هو خرج من البيت وجاي في الطريق .
اومأت براسها ببعض الراحة لتصعد الي جواره للتحرك السياره سريعا في طريقها .
***************
بعد مدة قصيرة توقفت السيارة أمام ذلك المبني الحديث في أحد المناطق الراقية بالإسكندرية.
ترجل جمال من سيارته لتنزل هي أيضا من السيارة لتقف أمامه وهي تتلفت حولها بقلق لتقول بصوت مهزوز : ده المكان اللي فيه شقة عمار ..!؟
أجابها وهو يتقدم نحو مدخل البناية : هوصلك لحد باب الشقة واسلمك المفتاح وامشي .
اكملت سيرها خلفه حتي وصلت أمام باب الشقه المراده بالدور الرابع ليخرج لها مفتاح صغير ليضعه في باب المنزل بعد أن قام بفتحه لها ثم ابتعد خطوات ليستئذن منها مغادرا.
دخلت الشقة وهي تتنهد بتعب لتغلق الباب خلفها بااحكام لتريح قدمها جالسه علي الأرض مستنده بظهرها علي الحائط بتعب ، أغلقت عينيها بحزن لتعود بزاكرتها الي ماحدث قبل هروبها بعده ايام .
هي طالبه بالعام الثاني في كليه الفنون التطبيقيه وتعمل ايضا بجانب دراستها في احدي الشركات الصغيرة الخاصة بتجهيز المنازل والشقق نظرا لحبها لمجال الديكور وموهبتها في الرسومات واختيار الألوان .
وقفت أمام مقر عملها بمدينه دمياط برفقه زميلتها بالعمل ياسمين لتنظر علي المبني المقابل لهم بلهفه تترقب رؤيته ، اقتربت منها ياسمين لتضع يدها اعلي كتفها بحنو وهي تقول لها بعد أن توقعت ماتنتظره صديقتها اسيا : خرجتي من المكتب ليه....في حاجه ضايقتك جوه في الشغل او حد زعلك ؟؟
اجابتها اسيا وهي مازال نظرها معلق علي الطرف الآخر:انتي عارفه كويس انا خرجت ليه.... اصلا مبقتش بحب
الشغل الا عشان بشوفه كل يوم بس
استدارت بكامل جسدها لتقابل وجه ياسمين قائله : عارفه اليوم اللي مش بشوفه فيه ...بكرهه نفسي والشغل وببقي عاوزه امشي بااي طريقه..انتي عارفه انا بحبه من زمان ...انا مش عارفه اشغل نفسي بحاجه غيره .....انا بشوفه في كل مكان اروحه ...انساه ازاي بقا فهميني!!
اجابتها ياسمين بشفقه وحزن حقيقي : بس يااسيا انتي متعرفيش عنه حاجه غير أنه مندوب مبيعات وصاحب اخوكي ..متعرفيش اذا كان بيحبك او لا او حاسس بيكي حتي او لا .
تنهدت اسيا بألم علي حقيقه كلام صديقتها لتحاول بمرح تغير مجري الحديث وهي تدفعها برفق لداخل المبني : طيب يلا ياست الناظره ...مستر امجد لو شافنا كده هيطردنا أو يخصم مننا مش ناقصين ..
ضحكت ياسمين قائله : لا لا كفايا خصومات الشهر ده ...ده كده كتير جدا !
*****************
في الطرف الآخر عند ذلك الشخص التي كانت تنتظره اسيا، كان يقف في النافذه يراقبها من بعيد دون أن تراه
تنهد بحزن عندما رآها تدلف الي مبني عملها وتختفي عن أنظاره ليقول له صديقه ادهم بانزعاج :عاجبك حالك كده هتسيب شغلك وتفضل كده واقف تراقب زي الحراميه طول اليوم ...كلمها وارتاح عشان تعرف اذا هي كمان بتبادلك نفس الشعور أو تريح نفسك منها خالص .
زياد بااستفهام : وهوصلها ازاي بس ...منا مستحيل اروح أوقفها في الشارع واسالها ، وانت شايف اخرنا نظرات من بعيد ع بعض .
ابتسم ادهم بخفوت ليقول له بجديه : بسيطه جدا ...ابعتلها رساله ع الفيسبوك ...ومتقوليش هوصلها ازاي لان اكيد هي في الفريندز عند امجد .
ابتسم زياد بسعاده ليقول وهو يتجه نحو احدي الصناديق الصغيرة الخاصه بعمله : تمام كده فرحتني الله يكرمك ..عموما هوصل الطلبيه دي ومش هتاخر ...سلام .
*****************
في المساء وبالتحديد في منزل المهدي
تحركت سميه نحو غرفه ابنتها لتجدها مازالت مستيقظه تجلس علي فراشها وهي تتصفح هاتفها باإهمال.
سميه بااستغراب : تسنيم !! ...انتي لسه صاحيه ليه ؟
انتبهت تسنيم لدخول والدتها لتعتدل في جلستها قائله : ابدا يا ماما مش عارفه انام ..المفروض بسام كان هيكلمني اول مايرجع الكتيبة ..بس لحد الآن متصلش فقلقت ومستنياه .
ابتسمت سميه قائله بحنان : متقلقيش ياحبيبتي ..بسام واحنا عارفينه اكيد رجع تعبان زي عادته ونام .
تسنيم بغضب مصطنع : المفروض يطمني ..مش يسيبني كده...انتي بابا بيعمل معاكي كده ...؟
سميه بضحك : لا يا حلوه بابا كلمني من زماان ..
تسنيم : وانتي لسه صاحيه ليه ؟!
اجابتها سميه قائله: مستنيه عمار اخوكي ..بقاله ساعه مكلمني وكان خلص شغاله وراجع ...
في تلك اللحظة استمعا الي صوت إغلاق باب المنزل. لتضحك تسنيم قائله : ابن حلال والله ...قومي بقا اطمني علي حبيب قلبك عشان ترتاحي وتنامي مطمنه ..
سميه وهي تتحرك لخارج الغرفه : وانتي كمان نامي عندك جامعه الصبح ...تصبحي علي خير ...
******************
في الصباح
كانت تركض بسعادة في طرقات مبني عملها حتي وصلت إلي مكتبها المشترك مع صديقتها ياسمين لتفتحه سريعا وهي تقفز مكانها بطفولة قائله : ياسو ...انا فرحانه اوي....انا مش قادره اوصفلك السعادة اللي حساها.
تفاجئت ياسمين بدخولها بتلك الطريقة لتقول لها : في اي يابنتي ..حرام عليكي خضتيني ...عموما ربنا يسعدك كمان وكمان ...بس حصل اي فرحيني معاكي؟!
اسيا وهي تجلس علي الأريكة في غرفة مكتبها تنهدت بهيام لتقول بنبرة هادئة : زياد ..بعتلي رسالة علي الفيسبوك واعترف أنه بيحبني .
ياسمين بسعادة : يااااه اخيرا ..طيب وقالك اي بقا سي روميو!
اسيا : قال كلام كتير ، بس المهم أنه قال هيكلم محمد اخويا يخطبني منه .
ياسمين بسعاده : ربنا يكمل فرحتك علي خير .
وقفت اسيا بجدية لتكمل قائله : قومي نشوف شغلنا ..مستر امجد قالي علي شقه جديده هنستلمها بكره .
ياسمين باانزعاج : يييه هو احنا لسه ارتحنا من آخر شقه ..ده كفايا صاحبها وطلباته الرخمه .
اسيا بجدية : ده شغلنا ياحبيبتي ...يلا قومي جهزي تصاميمك وورقك وانا هروح لمستر امجد اخد العنوان ورقم صاحب الشغل .
******************
في المساء حوالي الساعة السادسة مساء عادت اسيا الي منزلها بعد يوم طويل متعب ..ولكنها تشعر بالسعادة التي تحاول إخفائها حتي لا يشك بها أحد من اهلها .
ألقت السلام علي والدتها ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بااحكام لتسرع نحو فراشها وهي تخرج قطعة الشوكولاتة التي أعطاها لها زياد بالمواصلات دون أن ينتبه لهم أحد بطريقته المضحكة .
وضعتها في أحد الإدراج بسرعة عندما سمعت نداء والدتها عليها ، تركت اشيائها وزهبت الي والدتها سريعا لتقف امامها في شرفة منزلهم وهي تقول بااستفهام : ايوه ياماما في حاجه ولا ايه ؟!
رفعت والدتها كوب القهوه لتحتسي منه رشفه ثم نظرت لها من اعلي كتفيها لتقول باستغراب : انتي لسه مغيرتيش هدومك ؟
اسيا ببعض التوتر: اايوه ياماما ..كنت برتاح شويه ..في حاجه ولا ايه؟
وفاء بسعاده: اقعدي ياحبيبتي عوزاكي في موضوع .!
جلست اسيا بجوارها لتكمل والدتها قائله : في عريس اتقدم ليكي واسمه احمد ...مشاء الله مهندس بترول في السعودية ..وهيبسطك ..ابوكي وافق وحدد معاه الخطوبة الخميس الجاي و...
انتفضت اسيا من جلستها بصدمة وهي تحاول استيعاب ماتفوهت به والدتها للتو لتقول بغضب : نعععم ...خطوبة ... مين وافق وحدد كماان ..طيب وانا ..فين رأيي مش تسالوني حتي ...انا مستحيل أوافق علي حاجه زي دي.
وقفت والدتها بغضب لتمسك يدها بعنف قائله : صوتك ده ميعلاش ..الظاهر انك اتدلعتي ..ابوكي لو سمعك هيولع فيكي ..خلاص ابوكي اتفق مع الراجل وعطاه كلمه..جهزي نفسك علي كده ..ومتنسيش تجيبي مرتبك محتاجه اشتري طلبات عشان الخطوبة..!!
ثم غادرت الي الداخل لتترك اسيا وحيدة تبكي بصمت وهي تري جميع أحلامها تنهار أرضا بعد حديث والدتها !!