الفصل الثاني
📖 الفصل الثاني – ذكريات مؤلمة وتحول ملاك
ملاك جلست في غرفتها لوحدها، في صمتٍ يخلو من أي ضجيج.
الليل كان هادئًا، لكن قلبها لم يهدأ.
أغمضت عينيها، وبدأت تتذكر كل شيء… كل لحظة ألم، كل صدمة شكلت شخصيتها، كل لحظة شعرت فيها بالخيانة أو بالإهمال.
كانت طفلة بريئة جدًا، لكنها لم تعرف الحب الحقيقي.
تذكرت المرات التي كانت فيها صغيرة، تبحث عن حضن أمها، عن كلمة طيبة، عن دفء حقيقي.
كانت تنادي أمها بهدوء: «ماما…» لكن لا أحد يستجيب.
وكل مرة كانت ترى ابتسامة الأم لأحد آخر، أو كلمة حنونة تُقال لشخص آخر، شعرت وكأن قلبها يُسحق شيئًا فشيئًا.
المدرسة لم تكن أفضل.
زملاؤها كثيرًا ما استهزأوا بها، لأن صمتها كان مختلفًا عن صخبهم.
لم يفهموا أن خلف تلك العيون السوداء، ذلك الصمت، كان بحرٌ من الحزن والكبت.
كل كلمة جارحة، كل نظرة ساخرة، كانت تضيف طبقة جديدة لجدارها النفسي، تجعلها أكثر برودًا وأكثر قسوة على نفسها.
تذكرت حادثة صغيرة، لكنها كانت بداية الألم الكبير:
كان هناك طفل أكبر منها قليلًا، في الحي، حاول اللعب معها بطريقة لم تفهمها، ولم تكن تعرف كيف تدافع عن نفسها.
صرخت، حاولت الابتعاد، لكنها لم تجد أي أذن صاغية.
ومن تلك اللحظة قررت أن تخفي ضعفها، أن لا تسمح لأي أحد بالاقتراب، وأن تبني قلوب الآخرين على أساس لا يمكنهم اختراقه.
كل ذكريات المدرسة، كل صدمات الطفولة، كانت تتجمع في رأسها.
حتى سنوات المراهقة، حين شعرت أحيانًا بفضول تجاه الناس أو رغبة في الصداقة، كانت تبتعد بسرعة.
لم تكن تكره أحدًا، لكنها كانت تعرف أن كل اتصال يمكن أن يكون سببًا للألم لاحقًا.
الجسد أيضًا لم يكن صامتًا عن المعاناة.
ضيق التنفس كان يظهر كلما شعرت بالتوتر أو الخوف.
فقر الدم جعلها ضعيفة، أحيانًا تشعر أن الحياة نفسها تثقل عليها.
لكن رغم كل هذا، لم يسمح لها أحد بالمساعدة.
لم يكن أحد يعرف، حتى هي لم تشارك أحدًا بمعاناتها، فكل الألم أصبح سريًا، محفورًا في داخلها فقط.
الآن، وهي شابة، كل هذه الذكريات شكلت ملاك:
– قاسية، عصبية، تصد أي أحد يحاول الاقتراب منها.
– لا تثق بأحد بسهولة.
– تحارب كل من يقترب منها، حتى لو كانت نواياه صافية.
– أصبحت تعتمد على نفسها فقط، تحمي نفسها من كل ألم محتمل.
وبين هذه الذكريات، كانت هناك لحظات صغيرة كانت تكشف قلب ملاك الطفولي، القلب الذي لم يعرف الحب:
مرة كانت مريضة جدًا، ولم تجد أحدًا ليهتم بها.
مرة شعرت بالبرد والبرد النفسي في قلبها، وحدها على السرير، تتمنى فقط أن يمسك أحد يدها.
مرة لاحظت طفلًا آخر يحصل على اهتمام، وأحست بوجع لا يمكن وصفه، شعور بالخيانة من الحياة نفسها.
كل هذه الذكريات الموجعة، كل هذه الصدمات، علمتها شيء واحد:
أن العالم قاسٍ، وأنها يجب أن تكون أقوى من أي شخص أو أي ألم قد يأتي في طريقها.
أنها يجب أن تتحكم في مشاعرها، أن تصنع لنفسها حصنًا صلبًا، وأن القوة الحقيقية تأتي من القدرة على البقاء على قيد الحياة رغم كل شيء.
وهكذا، بين ذكريات الألم، قررت ملاك أن لا تسمح لأحد بكسر قلبها مرة أخرى.
أن تصبح شخصًا لا يظهر ضعفه، لا أحد يعرف عن معاناته شيء.
أن تصبح حجرًا، صلبًا، لا ينكسر بسهولة.
لكن بين كل هذا الحذر، كان هناك شعور خافت لم تفهمه بعد:
شعور بالحنين لشخص ما، لشخص لم يظهر بعد في حياتها، من يستطيع أن يغير شيئًا، حتى لو لم تدرك ذلك بعد.
وهنا يبدأ الفصل التالي:
حين يظهر خالد في حياتها، الشخص الوحيد الذي سيبدأ في اختراق هذا الجدار، رغم كل الحذر والقسوة، وسيجعل قلب ملاك يواجه نفسه لأول مرة منذ الطفولة.