الفصل الثالث
رواية: لعنة التاج
الفصل الثالث: الطفل الذي هرب من الموت
---
كان الليل كثيفًا خارج أسوار أوريم، والبرد ينهش العظام كأن الشتاء وُلد فجأة بلا موعد.
امتطى الرجل جواده الأسود، يضمّ الطفل إلى صدره بقوة، كأن ذراعيه آخر حصنٍ في عالمٍ قرر قتله.
اسمه ماهيل.
قائد الحرس الملكي… والرجل الوحيد الذي أقسم ولاءه للملك، ثم خان ذلك الولاء في اللحظة التي رأى فيها العلامة على جبين الطفل.
لم يكن ماهيل رجل نبوءات.
كان رجل سيوف.
لكن عيني الطفل، المفتوحتين على غير عادة المواليد، جعلت يده ترتجف.
همس ماهيل: — «سامحني يا مولاي… لكن هذا الدم لا يستحق أن يُراق.»
خلفه، في القلعة، كانت الأوامر تُصرخ، والخيول تُجهَّز.
الملك أرسلان لم يغيّر رأيه… فقط أخّره.
—
على بُعد أميال، في أطراف الغابة المحرّمة، توقّف ماهيل فجأة.
الصمت كان غير طبيعي.
لا طيور… لا حشرات… لا ريح.
سحب سيفه ببطء.
من بين الأشجار، خرجوا.
ثلاثة رجال، يرتدون أردية داكنة، وجوههم مخفية، وعلى صدورهم نفس الرمز المحفور على جبين الطفل.
تجمّد الدم في عروق ماهيل. — «حرّاس الظل…»
قال أحدهم بصوت أجوف: — «سلّم الطفل، وسيُسمح لك بالموت سريعًا.»
شدّ ماهيل قبضته. — «اقتلوني، لكن لن تمسّوه.»
ضحك الرجل: — «نحن لا نقتل… نحن نعيد التوازن.»
وانقضّوا.
كان القتال قصيرًا… دمويًا… يائسًا.
سقط الأول بسيف في عنقه.
الثاني اخترق صدره رمح.
لكن الثالث… لم يكن إنسانًا بالكامل.
ضرب ماهيل بقوة غير بشرية، أطاح به أرضًا، واقترب من الطفل.
وفي اللحظة التي مدّ يده…
بكى الطفل.
صرخة واحدة… لكنها لم تكن صرخة رضيع.
اهتزّت الأرض.
تشقق الهواء.
وسقط الرجل الثالث على ركبتيه، يصرخ، والدم ينفجر من عينيه.
سكون.
وقف ماهيل مذهولًا، ينظر إلى الطفل الذي هدأ فجأة، وكأنه لم يفعل شيئًا.
همس: — «ما أنت؟»
لم يجبه أحد.
لكن الغابة… انحنت.
—
مع بزوغ الفجر، وصل ماهيل إلى قرية منسية، اسمها فالدر، لا تظهر على أي خريطة.
قرية يسكنها من هربوا من الملوك… ومن الآلهة.
طرَق باب كوخٍ خشبي قديم.
فتحت امرأة عجوز، عيناها بيضاوان كأنها لا ترى… لكنها ابتسمت.
— «تأخرت يا ابن الدم.»
تراجع ماهيل: — «من أنتِ؟»
قالت بهدوء: — «من كانت هنا قبل التيجان… وقبل اللعنات.»
نظرت إلى الطفل، وانحنت. — «أخيرًا… عاد الوريث.»
ارتجف ماهيل: — «إذن النبوءة حقيقية؟»
رفعت العجوز رأسها. — «الحقيقة؟ إنها أضعف من أن تحتوي ما سيحدث.»
مدّت يدها. — «اتركه هنا… أو سيهلك العالم معك.»
نظر ماهيل إلى الطفل.
قبّله على جبينه، حيث الرمز يلمع بهدوء.
دمعة واحدة سقطت.
— «احمهِ… حتى لو كرهك.»
سلّمه.
وعندما استدار ليغادر…
كان يعلم في قرارة نفسه:
أنه لن يرى هذا الطفل مرة أخرى.
لكن التاريخ…
سيراه الجميع.
---
📖 نهاية الفصل الثالث