الفصل الاول
رواية: لعنة التاج
الفصل الأول: الدم الذي سبق العرش
---
لم يُولد التاج يوم صُنع من ذهب…
وإنما وُلد يوم سُفك أول دمٍ لأجله.
كانت السماء في تلك الليلة منخفضة كأنها تراقب، غيوم سوداء متكدسة فوق مدينة أوريم العتيقة، عاصمة الإمبراطورية الأولى. الرياح تعوي بين الأبراج الحجرية، تحمل رائحة الحديد والرماد، وكأن الأرض نفسها كانت تعلم أن التاريخ على وشك أن ينحرف عن مساره.
في أعلى القلعة، وقف الملك أرسلان الأول أمام شرفة العرش، يحدّق في المدينة التي حكمها ثلاثين عامًا. مدينة بناها بالسيف، ووحّدها بالنار، وحافظ عليها بالخوف. كان التاج فوق رأسه ثقيلاً، ليس بوزنه، بل بما يحمله من أصوات… همسات لا يسمعها غيره.
«الدم لا ينسى يا أرسلان…»
ارتجف الملك، وقبض بيده على حافة الشرفة. لم يكن ذلك صوت إنسان. لم يكن حتى صوتًا حقيقيًا. كان صدى قديمًا، يخرج من داخله، من أعماق خطيئة دفنها منذ سنين.
خلفه، ركع الكاهن الأكبر سيرافيل، رأسه محني ووجهه شاحب. قال بصوت مرتعش: — «العلامات ظهرت، يا مولاي… القمر احمرّ، والنار انطفأت في معبد الشمس. النبوءة بدأت تتحقق.»
استدار أرسلان ببطء، عيناه قاسيتان كالسيوف. — «لا تذكر النبوءة داخل هذا القصر.»
ابتلع الكاهن ريقه. — «لكنها تقول… إن التاج سيأكل أبناءه.»
ضحك الملك ضحكة قصيرة، بلا فرح. — «كل عرش يفعل ذلك.»
في الأسفل، داخل دهاليز القلعة، كانت امرأة تصرخ. صرخة ولادة، لكنها لم تكن صرخة حياة عادية. كانت ممزوجة بالخوف، وكأن الطفل القادم يحمل معه شيئًا لا يجب أن يُولد.
الملكة ليورا كانت تتشبث بالملاءة، عرقها بارد، وعيناها واسعتان تحدّقان في الفراغ. — «أخرِجوه… إنني أراه…»
القابلة شهقت: — «ترين ماذا يا مولاتي؟»
همست ليورا بصوت مكسور: — «تاجًا… يقطر دمًا.»
وفي اللحظة التي دوّى فيها بكاء الطفل، انطفأت كل المشاعل في القلعة دفعة واحدة.
سكون مطبق…
ثم همس واحد، خرج من الجدران، من الأرض، من الهواء:
«وُلد الوريث… وبدأت اللعنة.»
في أعلى البرج، شعر الملك أرسلان بشيء ينكسر داخله. لم يكن خوفًا… بل يقينًا.
يقين أن العرش الذي ظنّه نجاته… سيكون هلاكه.
نظر إلى التاج فوق رأسه، ولأول مرة، تمنى لو لم يلمسه أبدًا.
وهكذا، دون أن يعلم أحد،
بدأت لعنة التاج.
---
📖 نهاية الفصل الأول