نهر بلا دماء - الفصل الثامن: وجوه لم تتركه يسقط - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن: وجوه لم تتركه يسقط

الفصل الثامن: وجوه لم تتركه يسقط

لم يكن ياسين وحيدًا تمامًا، حتى وهو في أسفل الطريق. كان هناك دائمًا من يجلس قربه دون أن يسأله لماذا سقط، أو متى سيصعد. حمزة كان أوّلهم. شابًا خفيف الظل، يخفي تعبه بالضحك، ويُتقن تحويل أقسى الأيام إلى نكتة عابرة. وسعيد، على العكس منه، قليل الكلام، عميق النظرة، كأنه تعلّم مبكرًا أن الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من الكلام. جمعهم الفقر دون اتفاق، وربطهم شيء أعمق من المصلحة. كانوا يلتقون بعد يوم عمل طويل قرب المقهى الشعبي، لا ليشربوا، بل ليجلسوا فقط. الكراسي الخشبية كانت قديمة، والطاولات غير مستقرة، لكن وجودهم معًا كان يمنح المكان معنى آخر. يتقاسمون الخبز، يتبادلون أخبار اليوم، ويسخرون من تعبهم كأنهم يسخرون من عدوّ لا يستطيع أن يهزمهم. قال حمزة ذات مساء وهو ينظر إلى يدي ياسين المتشققتين: "هذه اليدان لا تشبهان يدي خاسر." لم يردّ ياسين، لكنه تذكّر العبارة لاحقًا أكثر مما توقّع. كانوا يعرفون حدوده. لم يدفعوه يومًا إلى طرق ملتوية، ولم يعرضوا عليه ما يلطّخ يده. وإذا اقترب الحديث من المال السهل، تغيّر مساره تلقائيًا. كأن بينهم اتفاقًا غير مكتوب: الفقر يُحتمل، لكن فقدان النفس لا. في إحدى الليالي، جلسوا على سطح بيت سعيد. المدينة من حولهم بدت أبعد من المعتاد، والهواء كان أخفّ قليلًا. تحدّثوا عن أشياء بسيطة: عمل أفضل، غرفة أوسع، نوم بلا قلق. لم تكن أحلامًا كبيرة، لكنها كانت صادقة. قال سعيد فجأة: "أصعب ما في الفقر… أنك تبدأ في تصديق أنك لا تستحق أكثر." صمتوا جميعًا. كان ذلك صحيحًا أكثر مما ينبغي. عاد ياسين إلى البيت تلك الليلة وهو يشعر بشيء جديد: الامتنان. ليس لأنهم حلّوا مشاكله، بل لأنهم جعلوا ثقلها أخفّ. وجودهم لم يغيّر واقعه، لكنه غيّر نظرته إلى نفسه. في اليوم التالي، تأخّر عن العمل قليلًا لأن حمزة أصرّ أن يفطرا معًا. خبز يابس، وشاي ساخن، وضحك صادق. أشياء صغيرة، لكنها كانت تمنحه توازنًا داخليًا نادرًا. أدرك ياسين أن الإنسان لا ينهار فقط عندما يسقط، بل عندما لا يجد من يراه وهو ساقط. وهؤلاء… كانوا يرونه. لم يكونوا سلّمًا يصعد عليه، ولا شبكة أمان تحميه من كل سقوط، لكنهم كانوا أرضًا صلبة يقف عليها حين يتعب من الوقوف وحده. وفي ذلك الوقوف المشترك، بدأ ياسين يفهم شيئًا مهمًا: أن الصعود الحقيقي لا يبدأ من المال، بل من الناس الذين لا يتركونك تخسر نفسك وأنت تحاول النجاة.