المرآه لاتعكسني - الفصل السادس | روايتك

اسم الرواية: المرآه لاتعكسني
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

لم تعد ليلى تعرف متى بدأت المرآة تنكسر، ولا متى بدأت هي بالضياع. الوقت فقد شكله. الدقائق لم تعد دقائق، والساعات ذابت مثل شمع أسود يسيل على أرض غرفة لم تعد غرفتها. كانت تقف. أو هكذا ظنت. قدماها لا تلمسان الأرض، لكن جسدها لم يكن طائرًا. كانت معلّقة… كأن المرآة ابتلعتها نصف ابتلاع، وقررت أن تُبقيها حيّة فقط لتتفرج على نفسها وهي تُمحى. المرآة أمامها لم تعد سطحًا. كانت عمقًا. حفرة بلا قاع، مليئة بوجوه، كل وجه يشبهها قليلًا… ويكرهها كثيرًا. سمعت صوتًا ينادي اسمها. ليس من الخلف. ليس من الأمام. بل من داخل رأسها. "ليلى…" ارتجفت. هذا الصوت تعرفه. ليس انعكاسها. ليس كايلث. هذا الصوت… صوتها عندما كانت طفلة. رأت نفسها بعمر السابعة، تقف داخل المرآة، شعرها مضفور، عيناها واسعتان، وفمها مفتوح كأنه يريد أن يصرخ لكنه نسي كيف. الطفلة قالت: "ليش تركتيني هنا؟" ليلى حاولت الاقتراب، لكن المرآة تمددت، ابتعدت، سخرت منها. كلما مشت خطوة، ابتلع الزجاج المسافة. "أنا ما تركتك." قالتها ليلى، لكنها لم تصدق نفسها. الطفلة ضحكت. ضحكة خفيفة، مكسورة. "كذب." وفجأة… انهار كل شيء. الجدران تشققت. الأصوات انفجرت. المرآة تشظّت إلى آلاف القطع، وكل قطعة لم تعكس صورة ليلى، بل ذكرى. ذكرى أول مرة شعرت فيها أنها غير مرئية. ذكرى أول مرة خافت من نفسها. ذكرى أول مرة كرهت انعكاسها في زجاج نافذة. كانت الذكريات تضربها كالسكاكين. واحدة تلو الأخرى. بلا رحمة. صرخت. لكن الصراخ هنا لا صوت له. هنا، الألم يُرى ولا يُسمع. كايلث ظهر فجأة، لكن شكله لم يكن ثابتًا. كان يتغير. مرة رجل. مرة ظل. مرة مرآة تمشي. قال بصوت متشقق: "أنتِ الآن في المنطقة اللي ما يرجع منها أحد سالم." ليلى بصعوبة سألت: "إيش هذا المكان؟" رد: "هذا المكان اللي تكذب فيه على نفسك." صمتت. لأنها عرفت أنه صادق. الأرض بدأت تتكوّن تحتها من جديد، لكنها لم تكن أرضًا. كانت مرايا مكسورة، كل واحدة تعكس ليلى بشكل مختلف: ليلى الغاضبة. ليلى الجبانة. ليلى القاسية. ليلى اللي تبتسم عشان ما تنهار. ووسطهم… انعكاس واحد لم يتحرك. كان واقفًا بثبات. هادئ. مبتسم. قال: "أنا النسخة اللي كنتِ تحاولين تصيرينها." وهنا… لأول مرة، لم تشعر ليلى بالخوف. شعرت بالغضب. غضب بارد. نظيف. واضح. "أنت مو أنا." قالتها وهي تتقدم. "أنت الكذبة اللي صدقتها." الانعكاس لم يهاجم. لم يصرخ. ابتسم أكثر. "إذن اقتليني." المرآة تحت قدميها بدأت تبتلعها ببطء. كأن المكان كله ينتظر قرارها. هل تواجه؟ أم تنهار؟ أم… تعترف؟ وهنا بالضبط، انطفأ كل شيء. سواد كامل. لا صوت. لا صورة. ثم جملة واحدة، مكتوبة على الفراغ: "الانعكاس لا يموت… إلا إذا نظرتِ له بدون خوف." عندما عاد الضوء… لم يكن ضوءًا. كان إدراكًا. ليلى لم تفتح عينيها، لأنها لم تعد تملك عيونًا بالشكل الذي تعرفه. كانت ترى من الداخل. ترى أفكارها كغرف. ذكرياتها كممرات طويلة بلا أبواب. وخوفها… كشيء حي يتنفس بالقرب منها. سمعت نبضًا. ليس نبض قلبها. نبض المكان. كل نبضة كانت تقول شيئًا واحدًا: أنتِ هنا. حاولت أن تتحرك، فاكتشفت أن جسدها لم يعد جسدًا كاملًا. كانت فكرة. وعيًا معلقًا في مساحة لا اسم لها. وصوت المرآة عاد. لكن هذه المرة لم يهمس. تحدث بوضوح مزعج، كأنه يجلس داخل عقلها منذ سنوات. "أخيرًا سكتِ." ليلى أرادت أن تصرخ. لكنها لم تجد حاجة. الصراخ هنا بلا معنى. قالت بهدوء مخيف: "وين أنا؟" ضحك الصوت. ضحكة ليست شريرة… بل متعبة. "أنتِ داخل المرحلة اللي الكل يهرب منها. المرحلة اللي ما فيها وحوش ولا ظلال. بس… حقيقة." ظهرت أمامها مساحة تشبه مسرحًا فارغًا. كراسي مكسورة. ستارة سوداء. وفي المنتصف… مرآة واحدة فقط. صافية. هادئة. بلا تشققات. اقتربت منها. انعكاسها كان مختلفًا. لا دموع. لا رعب. وجه مرهق، نعم، لكن صادق. الانعكاس تكلم، بدون سخرية: "تدرين ليش أنا هنا؟" ليلى هزت رأسها. "لأنك طول عمرك كنتِ تبين تختفين… بس بدون ما تختفين فعلًا." الجملة ضربتها أقوى من أي مشهد رعب سابق. الذكريات بدأت بالعودة، لكن هذه المرة بدون تشويه. أول مرة تجاهلت فيها نفسها. أول مرة ابتسمت وهي من الداخل منهكة. أول مرة قالت “عادي” وهي كانت تنكسر. كل مرّة… كانت تبتعد خطوة عن نفسها. وكل خطوة… كانت المرآة تقرب. قالت ليلى بصوت منخفض: "أنا ما كنت أبغى هذا." رد الانعكاس: "ولا أنا. بس الإهمال يصنع وحوش بدون ما يقصد." الفضاء اهتز. المسرح بدأ يذوب. والمرآة الوحيدة أصبحت أكبر… أقرب… أعمق. ظهرت كايلث مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن مخيفًا. كان حزينًا. قال: "المرآة مو شريرة. هي بس ما تعرف الرحمة." ليلى التفتت له: "يعني كل هذا… بسببي؟" هز رأسه: "بسبب اللي سويتيه في نفسك، مو بسببك كشخص." سكتت طويلًا. ثم سألت السؤال اللي كانت تهرب منه: "وش يصير لو خسرت؟" كايلث تنفس بعمق: "ما تخسرين حياتك. تخسرين نفسك… وتعيشين نسخة تؤدي الدور." المرآة بدأت تنبض. كل نبضة أقوى. الانعكاس مد يده. "اختاري. إما تكمّلين الهروب، أو تواجهيني وتتحملين كل شيء." ليلى شعرت بثقل القرار. مو قرار بطولة. قرار صدق. مدت يدها. ولمست الزجاج. ولأول مرة… المرآة لم تكن باردة. كانت دافئة. صوت تكسّر خفيف… ليس تدميرًا، بل تحررًا. لكن في اللحظة نفسها، صرخة بعيدة مزّقت الفضاء. صرخة شخص آخر. شخص… لم يكن ليلى. المرآة ارتجفت بقوة. كايلث صرخ: "لا! مو الآن!" ليلى سحبت يدها: "وش اللي قاعد يصير؟!" قال بصوت مرتعب: "في أحد ثاني… نظر للمرآة." الظلام عاد فجأة. أقسى. أسرع. وصوت واحد فقط تردد في كل مكان: "الدور ما خلص… بس تغيّر." الصوت لم يختفِ. بل استقر. كأنه جلس في الزاوية، يراقب، ينتظر لحظة ضعف جديدة. ليلى شعرت أن وجودها صار أضيق، كأن العالم كله تقلّص ليصبح داخل صدرها. الظلام ما كان أسود. كان رماديًا متحركًا، مثل ضباب كثيف يحمل وجوهًا بلا ملامح. قالت بصوت مبحوح: "مين الثاني؟" كايلث ما رد فورًا. كان ينظر إلى شيء لا تراه. شيء يتحرك ببطء… بثقة. "شخص ما كان المفروض يوصل هنا." قالها أخيرًا. "شخص نظر للمرآة… وهو مستعد يخسر." الجملة نزلت باردة على قلب ليلى. "أنا كنت مستعدة أخسر؟" سألت. كايلث ابتسم ابتسامة قصيرة، موجوعة: "لا. أنتِ كنتِ تعبانة. في فرق." قبل ما تستوعب كلامه، انفتح المكان فجأة، كأن أحد شق الواقع بسكين. ضوء أبيض قاسٍ ضرب عيونها. ولأول مرة منذ زمن… كانت في مكان تعرفه. غرفة. غرفة حقيقية. غرفة شخص آخر. رأت سريرًا مرتبًا بعناية مبالغ فيها. جدران بلون هادئ. مرآة… أصغر من مرآتها، لكنها أنقى. وعلى طرف السرير، كان يجلس شاب. ملامحه عادية لدرجة مخيفة. لا شيء يلفت الانتباه. لكن عينيه… عينان شخص شاف أشياء ما تنقال. قال بهدوء: "تأخرتِ." ليلى تراجعت: "أنت مين؟" وقف. تقدم خطوة. "اسمي نادر." كايلث همس بجانبها: "لا تثقين فيه." نادر ابتسم: "دايم يقول كذا." التفتت ليلى لكايلث: "أنت تعرفه؟" رد نادر بدلًا عنه: "هو يعرفني. وأنا أعرف المرآة… أكثر منك." الجدار خلفه بدأ يعكس ظلالًا. ليست ظلاله. ظلال كثيرة، متداخلة. قال نادر: "أنا ما جيت أهرب. أنا جيت أبدّل." سكت لحظة، ثم أكمل: "أبدّل نفسي بنفسي." ليلى ما فهمت. "وش تقصد؟" اقترب من المرآة الصغيرة، لمسها برفق. "المرآة ما تأخذك غصب. هي تعطيك خيار… بس ما تقول لك الثمن." المرآة بدأت تهتز. كايلث رفع صوته لأول مرة: "لا تكمل!" لكن نادر واصل: "الثمن هو إنك ما تطلع نفس الشخص. ولا حتى نسخة أحسن. تطلع… فارغ." التفت إلى ليلى: "وأنتِ… ما زلتِ مليانة." الكلمات خنقتها. "وش تبي مني؟" قالتها بقسوة. ابتسم ابتسامة صغيرة، صادقة: "أبيك تشهدين." فجأة، انعكس نادر في المرآة. لكن انعكاسه لم يتحرك. لم يتنفس. الانعكاس رفع عينه ببطء… ونظر مباشرة إلى ليلى. وقال بصوت مكسور: "لا تسوين اللي سويتُه." المرآة انفجرت ضوءًا. ليلى شعرت أن رأسها ينشق. ذكريات ليست لها اقتحمت عقلها. وحدة. فراغ. نجاح بلا معنى. ضحك بلا شعور. نادر الحقيقي سقط على الأرض. لكن ما مات. كان موجودًا… بلا شيء داخله. عيناه مفتوحتان. لكن خاليتان. كايلث شد ليلى للخلف: "شفتِ؟ هذا هو المصير لما تختارين المرآة بدون خوف… لكن بدون صدق." ليلى كانت ترتجف. مو خوفًا. وعيًا. نظرت إلى نادر، ثم إلى المرآة المكسورة. قالت بصوت ثابت لأول مرة: "أنا ما أبي أهرب. ولا أبي أبدّل نفسي. أنا أبي أرجعها." كايلث سأل: "ترجعين وش؟" رفعت رأسها. عيناها لمعتا، لكن بدون رعب. "نفسي… حتى لو كانت متعبة." المرآة بدأت تتكوّن من جديد. لكن هذه المرة… لم تكن هي المسيطرة. وفي العمق، صوت قديم… غاضب… بدأ يستيقظ. المرآة لم تُخلق لتُواجه. لكنها الآن… وُضعت أمام شخص قرر ما ينكسر الصمت كان أثقل من أي صوت سمعته ليلى في حياتها. ليس صمت فراغ… بل صمت شيء يراقب. المرآة التي بدأت تتكوّن من جديد لم تكن مثل السابقة. لمعانها خافت. سطحها غير أملس. كأنها تشكّلت من أنفاس متعبة، لا من زجاج. نادر كان ما زال على الأرض. يتنفس. لكن بلا حضور. ليلى اقتربت منه بحذر. ركعت. نادت اسمه. لا رد. مدّت يدها نحو صدره. نبض موجود. لكن الروح… بعيدة. كأنها انسحبت خطوة للخلف وقررت ما ترجع. كايلث وقف بعيدًا. صوته صار أهدأ، أقدم. "هذا اللي يصير لما المرآة تأخذ أكثر مما تعطي." ليلى رفعت رأسها: "ليش ما قلت لي من البداية؟" نظر لها طويلًا. ثم قال: "لأن اللي يعرف الحقيقة… إما يصير حارس، أو يصير سجين." الجملة علقت في الهواء. "وأنت؟" سألته. ابتسم، لكن ابتسامة شخص عاش قرون. "أنا الاثنين." المرآة أصدرت صوتًا جديدًا. ليس تشققًا. بل… تنفس. سطحها تموّج، وظهر فيه شيء لم تره من قبل. مكان. قاعة واسعة. سقفها مرتفع بلا نهاية. الجدران مليئة بمرايا مختلفة الأحجام. وفي المنتصف… عرش. ليس عرش ملك. عرش شاهد. كايلث قال: "هذا قلب المرآة." ليلى شعرت بانقباض في صدرها. "يعني كل اللي صار… كان عشان أوصل هنا؟" "مو عشان توصلي." قال. "عشان تختارين." الأرض تحت قدميها تغيّرت. لم تعد أرضًا. كانت سطح مرآة شفاف. تحتها… وجوه. آلاف الوجوه. أشخاص نظروا. اختاروا. وخسروا. سمعت أصواتهم. همسات متداخلة. ندم. إنكار. رجاء متأخر. ليلى أغمضت عينيها. لأول مرة… لم تهرب. قالت بهدوء: "أنا ما أبغى قوة. ولا معرفة. ولا نسخة أفضل مني." الهمسات خفتت. "أبغى أرجع نفسي… بكل عيوبها." العرش بدأ يتصدع. المرآة ارتجفت بقوة. صوت عميق خرج من كل اتجاه: "إذن أنتِ ترفضين العرض." فتحت عينيها. "أرفضه." "تعرفين الثمن." هزّت رأسها. "أعرف." كايلث تقدم خطوة. "ليلى… لو سويتي هذا، ما راح تتذكرينني." نظرت له. لأول مرة، رأته كما هو. ليس كيانًا. ولا ظلًا. بل شخصًا علِق هنا لأنه اختار بدلاً من أن يواجه. قالت بلطف موجع: "يمكن هذا خلاصك." المرآة أطلقت صرخة. ليست صرخة ألم. صرخة فقدان سيطرة. الوجوه تحت السطح بدأت تختفي. واحدة تلو الأخرى. كأن شيئًا يُطلق سراحهم. العرش انهار. القاعة تصدعت. كايلث بدأ يتلاشى. لكن ابتسامته كانت صافية. "شكراً…" قالها قبل أن يختفي. ليلى شعرت بشد قوي في صدرها. كأن أحدهم يسحبها للخلف. للخارج. ضوء. صوت. ثقل جسد. فتحت عينيها. كانت في غرفتها. المرآة… مرآة عادية. لا همسات. لا ظلال. نظرت لانعكاسها. كانت هي. متعبة. شاحبة. حقيقية. ابتسمت. لكن… في الزاوية السفلية من الزجاج، كان هناك شرخ صغير جدًا. غير ملحوظ. وكأنه يقول: القصة انتهت… لكن الفكرة لا تموت.