البحث عن الحقيقة - 6: ألم نتفق على تناول الحلوى،؟ - بقلم Abdullah | روايتك

اسم الرواية: البحث عن الحقيقة
المؤلف / الكاتب: Abdullah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 6: ألم نتفق على تناول الحلوى،؟

6: ألم نتفق على تناول الحلوى،؟

ما إن عاد نيرامارو إلى المنزل حتى استقبلته رائحة الطعام الدافئة مع رائحة التوابل المألوفة. كان صوت الأواني في المطبخ يسبق خطواته، منتظمًا، هادئًا، كأن المكان يتنفّس على إيقاع العجوز وحدها. اتجه نحو المطبخ بخطوات طبيعية، ثم توقّف عند عتبة المطبخ لحظة، راقب العجوز أو ما تسمى هوشيزاكي أكيرا وهي تحرّك القدر بملعقة خشبية، ثم قال: "هل هناك ما استطيع مساعدتك فيه؟" رفعت هوشيزاكي نظرها نحوه لثانية، توقّفت عن التحريك، ثم قالت بهدوء: "اوه نيرامارو... كيف كانَ حديثكما انت وميساكي." "مجرد حديث عن الماضي الجميل." قال مبتسما وهو يقترب منها. "هكذا إذن… ما أجمل أن يجتمع المرء مع أحبائه مجددًا بعد أن فرّقتهم الظروف، أليس كذلك؟" "حسنًا… علاقتنا ليست بتلك القُرب… هي مجرد صديقة طفولة، لكن معكِ حق." "صديقة طفولة أخبرتني..." ضحكت بخفة ثم أكملت:"من هنا يبدأ كل شيء." تجاهل نيرامارو تعليقها، ثم أخذ الأطباق من الرف فوق الحوض. "سأقوم بترتيب الأطباق." قال بابتسامة صغيرة. "شكرًا لك." توجه نحو الصالة بخطوات هادئة، يحمل الصحون بعناية، وعندما وصل، لمح ميساكي جالسة بجانب الطاولة، وظهر على وجهها بعض العرق بينما كانت تتنفس بصعوبة. "هل انتِ بخير؟ تبدين متعبة قليلًا؟" وضع الصحون على الطاولة واقترب منها قلقًا. "نعم، أنا بخير. أنتَ تتوهّم فقط." "حسنًا، طالما قلتِ ذلك." قال بهدوء، ثم عاد خطوة إلى الخلف. جلس نيرامارو مقابل ميساكي على الأرض بهدوء، طوى ساقيه أمامه دون تعمّد، وكأنه اعتاد هذا النوع من الجلوس. مرّت لحظات صامتة، لم يُسمع فيها سوى الصوت الخافت القادم من المطبخ. كانت ميساكي تحدّق أمامها، تحاول ضبط أنفاسها، فيما اكتفى نيرامارو بالنظر إلى الأطباق، يعيد ترتيبها بلا حاجة حقيقية. بعد قليل، خرجت الجدة تحمل الطعام، وضعته بينهما بعناية، ثم قالت: "تفضّلا قبل أن يبرد." "شكرًا لك." قال نيرامارو بهدوء.. "شكرًا لك." ردّت ميساكي في نفس اللحظة، بابتسامة صغيرة. بدأ كلاهما بالأكل بشكل طبيعي. كان الطعام دافئًا ورائحته لذيذة، والجو هادئًا، منقطعًا عن أي كلام لفترة قصيرة، فقط صوت العيدان وهو يلتقط الطعام. جلست الجدة قليلاً تراقبهما بابتسامة هادئة، ثم قالت وهي تضع يدها على صحنها: "موسم التجنيد اليوم أغلق مبكرًا… أليس كذلك؟" رفع نيرامارو نظره، وأجاب بهدوء: "أجل… أغلق اليوم بسبب هجمة الوحوش المفاجئة. سيُفتح مجددًا غدًا فقط." تابعت الجدة بنبرة دافئة، ونظرة حادة بعض الشيء كما لو أنها خططت لذلك منذ قليل: "إذن… لمَ لا تبقين هنا إلى الغد، يا ميساكي؟ سيكون الأمر أسهل، ويمكنك البقاء مع نيرامارو قليلًا… ومن ثم تذهبون معًا إلى هناك للتسجيل." رفعت ميساكي حاجبها بسرعة، متفاجئة، وكأنها لم تتوقع سماع هذا الاقتراح: "آه… حقًا؟" قالت بصوت متردد قليلًا. نظرت ميساكي إلى نيرامارو، فوجدته يلتقط الطعام بهدوء، بلا أي اعتراض، وكأن الفكرة مقبولة بالنسبة له. …هل يصطنع هذا الهدوء لإكمال مسرحيته؟ إن كان الأمر كذلك… فهذا يزعجني للغاية. خفضت ميساكي نظرها قليلًا، ثم أعادت النظر إلى الجدة بابتسامة مهذبة، تحاول إخفاء ترددها. "إذا لم يكن في ذلك إزعاج لكِ… فأنا لا أمانع." صفّقت الجدة بيديها بخفة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة راضية: "إذن اتفقنا! سأجهّز لكِ غرفة بعد العشاء في الليل." "شكرًا جزيلًا لكِ." قالت ميساكي بانحناءة خفيفة. توقف نيرامارو عن التقاط الطعام، ورفع رأسه بسرعة على غير عادته، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واضحة هذه المرة، بعيدة كل البعد عن هدوئه المعتاد. "هذا رائع!" قال بنبرة مليئة بالحماس، حتى إن هوشيزاكي رمقته بنظرة متفاجئة قليلاً من اندفاعه المفاجئ. "إذن ما رأيكِ بالخروج معًا لتناول بعض الحلوى بعد الطعام؟" ساد صمت قصير على الطاولة، قبل أن ترتسم على ملامح الجدة ابتسامة ذات معنى، بينما رمشت ميساكي بدهشة خفيفة. "بالطبع، لكن أريد تغيير ثيابي قبلها." أومأت هوشيزاكي برضا، وقد بدت مستمتعة بالأجواء أكثر مما ينبغي. "لدي ثيابٌ ستناسبكِ سأحضرها لكِ حينما ننهي الطعام." "أرجو أن لا تكون من ثيابي أيضًا يا جدتي." رمقها نيرامارو بنظرة جانبية باردة كأنه يؤشر على المعطف التي أعطته لميساكي. توقفت الجدة لحظة، ثم ضحكت بخفة وهي تلوّح بيدها. "لا تقلق، يا فتى. لن أُفلس خزانة ملابسك." أما ميساكي، فوضعت يدها على فمها تخفي ابتسامة صغيرة، قبل أن تنظر إلى نيرامارو بعينين لامعتين من المرح. تنهد بخفة، ثم قال بصوت منخفض لكنه مسموع: "أتمنى ذلك." راقبته ميساكي بصمت، بينما دار في ذهنها خاطر متردد: شخصيته مختلفة عمّا توقّعته… لكنني لا أستطيع الجزم إن كان يمثّل أم أن هذا جانبه الحقيقي. مرّت لحظات هادئة، أنهى خلالها الثلاثة طعامهم دون استعجال. ثم نهضت الجدة أولًا، جمعت الأطباق بحركات معتادة، وقالت بنبرة حازمة تحمل دفئًا واضحًا: "اتركوا الباقي لي، يمكنكم فعل ما تريدون." نهضت ميساكي بدورها، وعدّلت معطفها قليلًا قبل أن تلتفت إلى الجدة بابتسامة ممتنة. "سأذهب لتغيير ثيابي إذًا." أشارت هوشيزاكي نحو نهاية الممر. "الغرفة هناك، وسأحضّر لكِ بعض الملابس المناسبة حالًا." اختفت ميساكي خلف باب الغرفة بعد لحظات، بينما بقي نيرامارو في مكانه، يراقب المشهد بصمت. لم تمضِ سوى دقائق حتى خرجت ميساكي بثيابٍ أخرى أجمل؛ كانت ترتدي رداءً أنيقًا بلونٍ أحمر قرمزي، تتخلله زخارف ذهبية رفيعة على الحواف والأكمام، بقصّة متوسطة الطول تنسدل بانسيابية وتُبرز خصرها بحزامٍ جلديّ عريض ذي مشبك معدني. يعلو الرداء ياقة بسيطة مزينة بربطة صغيرة عند الصدر، فيما جاءت الأكمام طويلة وواسعة قليلًا، تمنحه طابعًا راقيًا عمليًا في آنٍ واحد، مناسبًا للخروج دون مبالغة، وكأنّه صُمّم ليجمع بين الدفء والأناقة الهادئة.  توقّفت لحظة عند باب الغرفة، وكأنها تنتظر ردّة فعل، ثم نظرت نحو الجدة بابتسامة خجولة. "هل… هذا مناسب؟" ابتسمت هوشيزاكي برضا واضح، ونظرتها تحمل ذلك النوع من الفخر الصامت. "مناسب جدًا. كنت أعلم أنه سيليق بكِ." أمّا نيرامارو، فرفع نظره دون قصد، ثم توقّف لثانية أطول ممّا ينبغي. "هذا… جميل حقًا." قالها أخيرًا بصوت منخفض، قبل أن يحوّل بصره جانبًا وكأنّه ندم على التوقّف أكثر من الكلمات نفسها. رمشت ميساكي بدهشة خفيفة، ثم ضحكت بخفوت، بينما خطر لها وهي تراقب ملامحه الواضحة: إذن هو لا يُجيد إخفاء كل شيء كما يظن. ابتسمت ميساكي ابتسامة أوسع قليلًا هذه المرة، وقد زال بعض التوتر من كتفيها. شدّت أطراف الرداء بخفة، وكأنها تتأكد من ثباته، ثم قالت بنبرة أخفّ: "شكرًا…" أومأت هوشيزاكي برضا، ثم التفتت نحو نيرامارو، ونبرتها تحمل ذلك الحزم الهادئ الذي لا يقبل الجدل: "لا تتأخرا. المدينة ما زالت متعبة بعد الهجوم، ولا أريد لكما أن تعودا متأخرين." "لن نفعل." أجاب نيرامارو مباشرة. راقبتهما هوشيزاكي وهما يتجهان نحو الباب، وابتسامة خفيفة لا تفارق وجهها، ابتسامة من يعرف أكثر مما يقول. ما إن خرجا إلى الخارج حتى استقبلتهما نسمات المساء الباردة. كانت السماء قد بدأت تغرب عنها الشمس، وأنوار الغروب في الشارع تُلقي بوهجٍ دافئ على الأشجار والأعشاب والأرض الحجرية. سارا جنبًا إلى جنب بصمت لبضع خطوات. لم تكن المسافة بينهما كبيرة، لكنها لم تكن ضئيلة أيضًا. ذلك الفراغ الصغير بدا مقصودًا من الطرفين. قطعت ميساكي الصمت أولًا، دون أن تنظر إليه: "إذن… إلى اين تريد الذهاب؟" "هناك متجر صغير في الشارع التالي. لم يتضرر من الهجوم." رد بهدوء. أومأت. "جيد." ساد الصمت مجددًا، لكنه هذه المرة لم يكن ثقيلًا. كانت خطواتهما متناسقة على نحوٍ غير واعٍ، وصوت احتكاك الأحذية بالأرض يملأ الفراغ بين الكلمات. بعد لحظات، قالت ميساكي بنبرة أقل رسمية: "هل أستطيع سؤالك شيئًا؟" رفع حاجبًا بخفة. "ما هو؟" نظرت إليه بعينين تحملان مزيجًا من الفضول. "كيف التقيت بالسيدة هوشيزاكي؟ وكيف عرفت بأنها نفسها قائدة فيلق قمة القمر؟ وكيف سمحت لك بالعيش هنا؟" ابتسم نيرامارو ابتسامة خفيفة، ولم يلتفت إليها فورًا، ثم قال بنبرة هادئة: "ألم تقولي شيئًا واحدًا…؟" "وأنت لم تُجب بعد." تنفّس بهدوء، وأبقى نظره موجّهًا إلى الطريق وهو يبدأ: "حين وطأتُ هذه المدينة أول مرة… قبل أسبوع. كنتُ أبحث عن شقة للسكن فيها حتى نهاية اختبارات تجنيد الصيادين، لكن الأسعار كانت مرتفعة بشكل مفاجئ." أومأت ميساكي بتفهّم. "موسم التجنيد يرفع كل شيء." "بالضبط." قال. "لذلك بقيتُ أتجوّل في الأسواق عشوائيًا… لأسأل بعض الناس عن فنادق رخيصه موجودة، لكن من الواضح بأن لا أحد يتوقع وجود هكذا شيء هنا حالياً، وفي أحد الشوارع الجانبية، رأيتُ كشكًا خشبيًا صغيرًا، كانت تديره امرأة كبيرة في السن، فذهبت لسؤالها عن نفس الشيء." توقف لحظة، ثم قال بهدوء: "سألتني عن مقدار المال الذي أملكه، فأخبرتها بالمبلغ. ضحكت قليلًا ثم قالت إن العثور على شقة بهذا المبلغ أمر مستحيل، خاصة مع اقتراب موسم التجنيد الذي يجلب الكثير من الناس من أنحاء القارة استعدادًا للاختبارات. بعد ذلك، اقترحت عليّ أن أعيش في منزلها مجانًا ووافقتُ في النهاية." "أشعر بأني سمعت نفس الشيء من قبل." قالت مع نفسها بضحكة خافتة، كأنها تسخر من القدر. سادت لحظة صمت قصيرة. "متى عرفتَ أنها قائدة قمة القمر؟" تغيّرت نبرة ميساكي قليلًا، أكثر جدية. "منذ البداية." قال دون تردّد. توقّفت خطواتها هذه المرة. "منذ البداية؟!" التفت إليها أخيرًا، ونظر إليها مباشرة. "شعرتُ بذلك." "شعرتَ؟ فقط؟" "نعم، هالتها… لم تكن لهالة شخص عادي، كما لاحظت بعض الشبه مع قائدة أحد أفضل النقابات في العالم القديمة." تابع بنبرة ثابتة: "حين أخبرتُها بذلك لاحقًا، لم تنكر ذلك، بالتفاجئت لإستطاعتي معرفة ذلك." أطلقت ميساكي زفيرًا خافتًا. "أن تشعر بقائدة فيلق بهذا المستوى… هذا ليس أمرًا بسيطًا." لم يعلّق. في تلك اللحظة، ظهرت واجهة المتجر الصغير أمامهما، لكن لسوء الحظ كان مغلقًا. "بحقك!" قال بنبرة مستاءة. "حسنًا، كان من المفترض أن نتوع أن يكون مغلقًا بعد الهجوم." "ما الذي سنفعله الآن؟ بالطبع لن نعود خاليي الوفاض!" "لمَ لا نذهب إلى محلٍّ آخر إذًا؟" "المشكلة أن المحلات الأخرى التي أعرفها في هذه المدينة مغلقة، ومنها ما تعرّض للهجوم، لذلك لا يوجد مكان آخر غير هذا المحل الذي أمامنا." فكّرت ميساكي قليلًا، ثم خطرت فكرة في رأسها كانت قد نسيت أمرها بالكامل. "الخريطة!" رفعت صوتها بحماس. "خريطة؟" "نعم، بإمكاننا سؤالها عن محل حلوى فاتح هنا." قالت وهي تخرج الخريطة من حقيبتها، ثم فتحتها. "ماذا تريدين؟" ظهر صوتها مباشرة، منزعجًا. "مذهل!… خريطة تتحدث!" "نحن نبحث عن محل حلوى فاتح حاليًا قريب من هنا. هل يمكنك البحث عن ذلك؟" "لا، شكرًا." قالت ببرود. "ها؟! لماذا؟!" "لتتعلمي ألّا تنسيني مجددًا داخل هذه الحقيبة الخانقة." "هل أنا أحمل خريطة أم طفلًا متذمّرًا؟" "اعتمدي على نفسك، وداعًا." أغلقت نفسها بنفسها بعد هذه الكلمات. "مهلًا! أين ذهبتِ؟" "هل كل شيء بخير؟" قال نيرامارو غير فاهم ما جرى فجأةً. "لسان النحاس السخيف هذا!" قالت بنفور وهي تضغط بقوة عليها. "لا يبدو الأمر كذلك." تمتم نيرامارو بينه وبين نفسه. تنهدت ميساكي وحاولت تخفيف غضبها قليلًا، ثم التفتت نحوه. "لا تنظر إليّ هكذا… الخريطة تمرّ بمراهقة متأخرة على ما يبدو." رمش نيرامارو مرتين، ثم قال بتردد: "…هل من الطبيعي أن تدخل الأدوات في نوبات غضب؟" "لا، لكن هذه تحديدًا لديها كرامة أكبر من اللازم." أعادت طيّ الخريطة بعنف أخف هذه المرة. "على أي حال، لا فائدة منها الآن." نظر حوله، ثم إلى المتجر المغلق مجددًا. "إذًا، خطتنا البديلة؟" "سنبحث بأنفسنا." "في مدينة تعرّضت لهجوم، وكل محلاتها مغلقة تقريبًا؟" "بالضبط." تنهد نيرامارو. "أشعر أنني سأندم على سؤالي، لكن… كيف؟" "في أسواق مارينتال. نحن لسنا متأكدين، ربما تكون هناك محلات مفتوحة بالفعل." فكّر نيرامارو بكلامها، ثم أومأ وهو يفكر بصوت عالٍ: "كما ربما تكون هناك بعض محلات الحلوى قد فتحت لاحقًا. حسنًا، لنذهب!" "تفاؤلك يثلج الصدر." ردّت وهي تتقدّم. دخل الاثنان إلى سوق مارينتال، حيث خفّ الضوء وتداخلت الأصوات في نسيج واحد. بعض المتاجر كانت نصف مفتوحة، وأخرى موصدة بإحكام، وآثار الهجوم ما زالت ماثلة في الوجوه قبل الجدران. وبين الأزقة، كان بعض الصيادين يشاركون في إزالة بقايا الفوضى التي خلّفها الدمار. "حتى بعد الهجوم، لا يزال المكان نابضًا بالحياة." قالت ميساكي. "وهذا بالضبط ما يميّز هذه المدينة، ولهذا تُعرف بالمدينة التي لا تهدأ أبدًا." وبينما كانا يتقدّمان بحذر— وصل إلى أذنيهما صوت نشيج خافت. توقف نيرامارو فورًا، بينما تجمّدت ميساكي في مكانها. كان الصوت أمامهما مباشرة… بكاء طفل، متقطّع، خائف. رفعت ميساكي نظرها بسرعة، حتى وقع بصرها على صبي صغير يقف قرب عمود إنارة مائل، عيناه حمراوان ودموعه تنساب بصمت. "هيه…" قالت بهدوء واتجهت نحوه. انحنت أمامه، وجعلت نفسها في مستواه. "ما بك؟ لماذا تبكي؟" نظر إليها الطفل بتردد، ثم لم يستطع التماسك أكثر وبدأ في البكاء بقوة. "ضِعت… لا أجد ماما ولا بابا…" شعرت ميساكي بانقباض في صدرها. "حسنًا… اهدأ نحن هنا الآن." مدّت يدها ببطء، ثم اقتربت أكثر واحتضنته برفق، كأنها تمنحه أمانًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات. "خذ نفسًا عميقًا… هكذا." بعد لحظات، هدأ صوته قليلًا وجلس على المقعد الحجري القريب. اقترب نيرامارو وجلس على الطرف الآخر، صوته منخفض ومباشر. "ما اسمك؟" "ليو…" "أنا ميساكي، وهذا نيرامارو." قالت بابتسامة خفيفة. "سنساعدك." تنفّس ليو بعمق، ثم قال: "كنت مع ماما وبابا في السوق… ثم صار ضجيج، الناس ركضوا… و… ضعت." "هل منزلك قريب من هنا؟" سألت ميساكي. هزّ رأسه نافيًا. "لا… نحن لا نعيش هنا." تبادلت ميساكي ونيرامارو نظرة قصيرة. انحنى نيرامارو قليلًا نحو الطفل. "ليو، هل أحد والديك يستطيع فعل أشياء غريبة؟ أشياء غير طبيعية؟" فكّر الطفل، ثم قال بهدوء: "بابا… يجعل الزهور تخرج من الأرض." تغيّرت نظرة نيرامارو فورًا. "آنا النباتات…" تمتم. "مالذي ستفعله؟" سألت ميساكي بفضول لم يجبها، فقط أغمض عينيه. وفي اللحظة التالية— انتشر ضغط خفي في الهواء، هالة صامتة لا تُرى لكنها تُحَس. شعرت ميساكي بقشعريرة تسري في جسدها. هذه... تقنية آستروسنس! {ملاحظة: "آسترو" تعني البعيد و"سنس" تعني الإحساس بمعنى "الإحساس البعيد"} امتدّ إدراك نيرامارو عبر السوق، يلتقط آثار الآنا المختلفة… ثم توقّف. فتح عينيه. "وجدتهما." رفع ليو رأسه بلهفة. "حقًا؟!" أومأ نيرامارو. "نعم. إنهما قريبان… ويبحثان عنك." نهض الثلاثة، وأمسكت ميساكي بيد ليو بلطف. "سنمشي ببطء، حسنًا؟" تحرّكوا عبر الأزقة والممرات، ومع كل خطوة كانت ميساكي تشعر بثقل هالة نيرامارو الهادئة، الدقيقة، وكأنها ترسم الطريق دون كلمات. وأخيرًا— "ليو؟!" اندفع الطفل فورًا. "ماما! بابا!" احتضنته الأم بقوة، بينما ركع الأب دون وعي. تنفّست ميساكي براحة عميقة. أما نيرامارو… فابتسم ابتسامة صغيرة. تراجع الأب خطوة وهو ما يزال يحتضن ابنه، كأنّه لم يصدّق بعد أنّه بين ذراعيه فعلًا. الزهور عند قدميه ذبلت ببطء، كأنها استنفدت ما تبقّى من توتّره. "شكرًا…" قال بصوت مبحوح وهو ينظر إليهما. "كنا نبحث عنه في كل مكان." أومأت ميساكي بابتسامة خفيفة. "المهم أنه بخير." اقتربت الأم أكثر، وعيناها لا تزالان دامعتين. "لا أعرف كيف أردّ هذا الجميل." لوّح نيرامارو بيده بلا مبالاة ظاهرة. "لا داعي. فقط انتبهوا له أكثر بعد اليوم." شدّ الأب على يد ليو، ثم انحنى قليلًا باحترام. "شكرًا جزيلًا لكما، بسبب هجمة الوحوش المفاجئة، هرع الجميع هربًا من المكان، مما جعلنا نفترق بسبب التدافع الذي حصل." "هكذا إذن... سعيدٌ لكونكم بخير." قال نيرامارو "شكرًا لكم مجدداً." انحنى مجدداً وبدأ هو وعائلته في الابتعاد من هنا. "وداعاً." لوح ليو لهما بيده مبتسما وهو يبتعد خطوة بخطوة. "اسمعني يا نيرامارو." قالت ميساكي وهي تلوح بيدها لليو أيضا وعيناها عليه. "ماذا؟" "هناك ما أردتُ سؤالك عنه منذ أن التقينا في منزل الجدة هوشيزاكي… وهو عن هالتك." "هالتي؟" "نعم. أعلم أن الآنا التي تُطلق هالة الشخص لا يمكن إخفاؤها بالكامل، ولا يمكن التلاعب بها بهذه السهولة. لكنك مختلف…" رفعت نظرها إليه، وعيناها تحملان حيرة صادقة. "عندما قطعتَ عشرات الوحوش في لحظة واحدة، كانت تنبعث منك هالة مرعبة. هالة جعلت جسدي يتجمّد من شدّة الرهبة. لكن في منزل الجدة هوشيزاكي… كانت هالتك ضعيفة جدًا، كأنك شخص عادي تمامًا." أخذت نفسًا قصيرًا، ثم أضافت بصوتٍ أخفض: "وقبل قليل، عندما استخدمتَ تقنية آستروسنس… شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي بسبب دقّة الآنا التي أطلقتها. أما الآن... لا أشعر بأي شيء على الإطلاق. كأن مستوى هالتك… صفر." توقفت للحظة، ثم أضافت بصوتٍ أخفض: "وهذا أمر شبه مستحيل… أن تجعل مستوى هالتك… لا شيء. فمن أنت حقًا؟" تأمّلها نيرامارو بصمتٍ قصير. لم تحمل ملامحه دهشة ولا انزعاجًا، بل سكونًا أشبه بسطح ماءٍ لا تلمسه الرياح. مرّت ثوانٍ قبل أن يشيح بنظره قليلًا، كأن السؤال لم يكن موجّهًا إليه وحده. "قدرتكِ على الاستشعار مذهلة." قالها بنبرة هادئة. "نعم، أستطيع التلاعب بالآنا خاصتي… إلى درجة إخفائها بالكامل. بل إلى درجة إخفاء وجودي ذاته." "تُخفي وجودك؟" "أجل… لكن لا أستطيع أن أريكِ ذلك الآن." "لماذا؟" أشار برأسه إلى بعض الصيادين، ثم قال: "إذا فعلتُها هنا، فسأجلب الانتباه… وهذا لا أريده." ترددت ميساكي، ثم سألت: "لكن إن كنت تملك هذا المستوى من المهارة، فلماذا تشارك في اختبارات التجنيد؟ ألا تستطيع أن تكون صيادًا حقيقيًا دون المرور بكل هذا؟" "لأن هدفي ليس أن أصبح صيادًا بالطريقة التي تعتقدينها. أنا لن أكون كلبًا لتلك الحكومة." "كلبًا للحكومة؟! هل تقصد حكومة الصيادين؟!" "مهما كان اسمها، فهي لا تهمني. ولا أهتم بأن يتم الاعتراف بي من قبلها. أريد فقط الرخصة التي تسمح لي بالدخول إلى أي مكان دون تدخل أو إزعاج… لتحقيق هدفي." "وما هو ذلك الهدف؟" "استكشاف العالم… والبحث عن الحقيقة." "تبحث عن الحقيقة؟! أيّ حقيقة تقصد؟" "حقيقة العالم… كيف وُجدت هذه القوة الغريبة، وما سببها." "القوة الغريبة…" تمتمت، ثم عقدت حاجبيها. "تقصد الآنا؟ تلك التي ظهرت منذ مئات السنين؟ التي غيّرت شكل القارات، وأسقطت مدنًا، وخلقت الصيادين والوحوش؟" أومأ نيرامارو ببطء. "الكل يتعامل معها كحقيقةٍ لا تقبل الجدل. يقولون إن الآنا كانت نعمةً منحتها الآلهة للبشر، لكن حين أُسيء استخدامها، قررت الآلهة معاقبتهم… فأنزلت وحوشًا مظلمة، خُلقت لقتل كل من يعتمد على تلك القوة. بالنسبة لي… لا يوجد منطق في هذه الرواية." "وأنت تريد البحث عن الحقيقة خلفها." "أنا أرفض أن أعيش داخل كذبةٍ ضخمة." قالها بهدوءٍ بارد، لكن صوته حمل حدّةً خفيّة. "إن كانت هذه القوة قد وُجدت فجأة، فلا بد أن لها مصدرًا. وإن كان لها مصدر… فلا بد أن هناك من أخفاه." "وهل تعتقد أن حكومة الصيادين تخفي شيئًا كهذا؟" "أجل. أعتقد ذلك." تنهدت ميساكي أمام نظرات نيرامارو الجادّة. "إذا كان الأمر صحيحًا، فلماذا ستخفيه حكومة الصيادين أساسًا؟" "لأنها تريد أن تجعل العالم يؤمن بأنها حامية العالم." صمتت للحظة. "لا أستطيع أن أتفق معك، يا نيرامارو." "لا بأس… ستعرفين الحقيقة لاحقًا." رفع بصره نحو السماء، ثم قال: "الشمس أوشكت على الغروب. دعينا نعود إلى المنزل، لا أعتقد أن هناك محلات حلوى مفتوحة الآن." "أوه...حسنًا."  ما إن وافقت، حتى أدار نيرامارو ظهره وبدأ بالعودة. كان ظهره يشقّ السوق بثبات، وأشعة الغروب تنعكس على شعره البرتقالي بلونٍ نحاسيّ، وسط الفوانيس المشتعلة وأصوات الباعة التي لا تزال تتعالى. تمايل معطفه مع خطواته الواثقة، فتابعته بعينيها لحظة أطول قبل أن تلحق به. نيرامارو… هذا الرجل يُخفي أكثر مما يُظهر.