عالم الامنيات - الفصل الرابع - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عالم الامنيات
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

لم تمرّ أيام كثيرة حتى أدرك آدم أن التحذير الذي سمعه لم يكن مجرد كلمات. الأمنية التي تحدث عنها الحارس لم تكن عادية، ولم تكن تخص شخصًا واحدًا فقط، بل كانت أمنية وُلدت من تكرار لا يُحصى، من قلوب مختلفة، لكنها تشابهت في العمق حتى اندمجت في رغبة واحدة هائلة: الرغبة في الهروب من الألم بأي ثمن. بدأ الأمر في عالم البشر بشكل خافت. أخبار عن أشخاص فقدوا شغفهم فجأة، طلاب لم يعودوا يرون معنى للدراسة، بالغون يذهبون لأعمالهم بلا إحساس، كأنهم يتحركون فقط لأنهم اعتادوا الحركة. لم يكن حزنًا واضحًا، ولا يأسًا صريحًا، بل فراغًا واسعًا يبتلع كل شيء ببطء. آدم كان يشعر بذلك الفراغ أكثر من غيره. كلما مرّ بجانب أحدهم، شعر ببرودة خفيفة، كأن شيئًا ما يُسحب من الداخل دون صوت. وفي الليل، صار عالم الأمنيات يفتح له أبوابه دون أن يطلب. لم يعد هناك باب أبيض، بل انزلاق مفاجئ، كأن العالمين قررا أن يتداخلا رغمًا عنه. حين عاد هذه المرة، كان عالم الأمنيات مختلفًا تمامًا. السماء كانت باهتة، لا لون واضح لها، والأصوات التي كانت تملأ المكان خفّت حتى كادت تختفي. كثير من الأماكن التي عرفها سابقًا بدت فارغة، كأن الأمنيات نفسها انسحبت منها. شعر آدم بخوف حقيقي لأول مرة، ليس خوفًا من المجهول، بل من الصمت. ظهر الحارس، لكن شكله كان متصدعًا، ليس جسديًا، بل في حضوره. قال بصوت أثقل من السابق: “الأمنية بدأت تسيطر.” سأل آدم بسرعة: “أي أمنية؟” أجابه الحارس: “أمنية الراحة المطلقة… أن لا يشعر الإنسان بشيء، لا ألم، ولا خوف، ولا انتظار.” قادَه إلى مكان في قلب العالم لم يكن موجودًا من قبل. سهلٌ واسع، مغطى بضباب رمادي، وفي وسطه كيان هائل، بلا ملامح واضحة، لكنه كان يجذب كل شيء نحوه. لم يكن مظلمًا ولا مضيئًا، بل فارغًا، فراغًا كثيفًا يبتلع الألوان والأصوات. قال الحارس: “هذه الأمنية لم تولد من شخص واحد، بل من ملايين. كل من قال في داخله: تعبت… كل من تمنى أن يتوقف الإحساس فقط.” شعر آدم بارتجاف في أطرافه. هذه الأمنية لم تكن شريرة، ولم تكن أنانية. كانت صادقة بشكل مخيف. وهذا ما جعلها خطيرة. لأنها إن تحققت، لن تدمّر العالم فجأة، بل ستطفئه بهدوء، حتى لا يبقى ما يستحق الأمنية أصلًا. اقترب آدم خطوة، فشعر بثقل شديد، كأن ذكرياته نفسها تحاول الانسحاب. رأى مشاهد من حياته: ضحكة قديمة، فشل مؤلم، لحظة فرح قصيرة. كل شيء كان يُسحب نحو الكيان، وكأنه يقول: “اتركها… لن تحتاجها بعد الآن.” صرخ آدم دون أن يشعر: “توقف!” لكن الأمنية لم تتوقف. لم تكن تسمع أو تعاند، بل كانت تمارس طبيعتها فقط. فهم آدم فجأة أن هذه الأمنية لا يمكن إيقافها بالقوة، ولا يمكن تهدئتها بالاستماع فقط. لأنها لا تريد أن تُسمع… بل تريد أن تختفي. التفت إلى الحارس وقال بصوت مبحوح: “ماذا أفعل؟” أجابه الحارس بعد صمت طويل: “عليك أن تواجهها بنفسك… ليس كموازن، بل كإنسان.” اقترب آدم أكثر، حتى شعر أن قدميه لم تعودا تحملانه. في تلك اللحظة، لم يرَ الكيان فقط، بل شعر به داخله. أدرك الحقيقة التي حاول تجاهلها طويلًا: هذه الأمنية كانت تسكنه هو أيضًا. في تلك الليلة الأولى، حين تمنى مكانًا لا يتظاهر فيه، كان جزء منه يريد الراحة من الإحساس، من الثقل، من كونه مختلفًا. جلس آدم على الأرض، أمام الفراغ مباشرة. لم يقاوم، ولم يهرب. قال بصوت منخفض، لكنه صادق: “أنا أفهمك… أنا شعرت بك.” لأول مرة، توقّف الكيان عن التمدد. تابع آدم، والدموع في عينيه: “لكن إن اختفى الإحساس، لن يبقى شيء نرتاح منه. الراحة بلا معنى… فراغ.” لم يحدث انفجار، ولا نور ساطع. بل شيء أعمق. بدأ الكيان يتقلص ببطء، لا لأنه هُزم، بل لأنه انقسم. تحولت الأمنية الواحدة إلى آلاف الأمنيات الصغيرة، أقل قوة، لكنها قابلة للفهم والاحتواء. عاد اللون إلى السماء تدريجيًا. الأصوات الخافتة عادت، ليست قوية، لكنها موجودة. شعر آدم بأن جسده ينهار من التعب، لكنه ابتسم رغم ذلك. لم ينقذ العالم، لكنه منع اختفاءه. حين استيقظ في عالم البشر، كان ممددًا على سريره، الشمس تدخل من النافذة. شعر بثقل في جسده، لكن قلبه كان أخف. عرف أن هذه المواجهة تركت أثرًا فيه، وأنه لن يعود كما كان. ظهر الحارس للمرة الأخيرة، هذه المرة بصوت هادئ، شبه مطمئن: “لقد فعلت ما لم يستطع غيرك فعله… واجهت الأمنية دون أن تنكرها.” سأله آدم: “هل انتهى الأمر؟” ابتسم الحارس ابتسامة حزينة: “الأمنيات لا تنتهي… لكنها تعلمت اليوم حدودها.” اختفى الحارس، ومعه الشعور الدائم بالنداء. لم يعد آدم ينتقل بين العالمين كما كان، لكنه كان يعرف أن الرابط لم ينقطع تمامًا. بقي أثر خفيف، يكفي ليذكّره. عاد آدم إلى حياته، إلى مدرسته، إلى أيامه العادية. لم يصبح بطلًا في عيون الناس، ولم تتغير الدنيا فجأة. لكن من حوله، دون أن يعرفوا السبب، شعروا بأن شيئًا ما أصبح أخف. أما آدم، فكان يعرف الحقيقة كاملة: أن أعظم أمنية يمكن أن يحملها الإنسان… ليست أن يتوقف الألم، بل أن يجد معنى يجعله قادرًا على تحمّله. وهنا، لم تنتهِ الحكاية، لكنها وصلت إلى لحظة صمت مستحق، صمتٍ يعرف فيه آدم أخيرًا أنه لم يعد يبحث عن عالمٍ يفهمه… بل صار جزءًا من التوازن الذي يجعل الفهم ممكنًا.