الفصل الثالث
بشكل مخيف. لم يعد يحتاج إلى أن ينام ليشعر بنداء ذلك العالم، بل صار الإحساس يلاحقه حتى وهو مستيقظ، كظلٍ لا يختفي مهما تحركت الشمس.
في الأيام التالية، بدأ يلاحظ أمرًا أخطر: الأمنيات لم تعد مجرد إحساس داخلي، بل صارت تترك أثرًا حقيقيًا حوله. حين يجلس بجانب شخص حزين، يشعر بثقل في الهواء. وحين يقترب من شخص مليء بالأمل، يشعر بدفء غريب، كأن المكان نفسه يتنفس براحة. لم يكن يسمع الكلمات، لكنه كان يشعر بها، وكأن القلوب تتكلم بلغة لا تحتاج إلى صوت.
في إحدى الليالي، وبينما كان مستلقيًا على سريره، شعر بانقباض مفاجئ في صدره. لم يكن ألمًا، بل تحذيرًا. أغمض عينيه، لا ليهرب، بل ليصغي. هذه المرة، لم ينتقل إلى عالم الأمنيات كاملًا، بل رأى مشهدًا متداخلًا بين العالمين. غرفته كانت موجودة، لكن الجدران بدت شفافة، وخلفها رأى ظلالًا تتحرك ببطء.
ظهر الحارس، لكن ليس كما رآه سابقًا. كان أقرب، أو ربما كان آدم هو من اقترب. قال بصوت منخفض يحمل قلقًا واضحًا:
“ما يحدث الآن لم يحدث منذ زمن طويل.”
سأله آدم: “ماذا تقصد؟”
أجاب الحارس: “الأمنيات بدأت تتسرب إلى عالمكم… ليس كتحقق، بل كتشويه.”
شرح له أن بعض الأمنيات القوية، حين تُكبت طويلًا دون فهم، تبحث عن طريق آخر. لا تتحقق، ولا تختفي، بل تترك أثرًا سلبيًا في الواقع؛ فتُحوّل الطموح إلى ضغط، والأمل إلى قلق، والانتظار إلى غضب صامت. البشر لا يدركون السبب، لكنهم يشعرون بالثقل.
في تلك اللحظة، شعر آدم بشيء يجذبه بقوة. لم يكن الباب الأبيض هذه المرة، بل شقّ صغير في الهواء، كأنه جرح في العالم. وقبل أن يعترض، وجد نفسه في مكان جديد داخل عالم الأمنيات، مكان لم يره من قبل.
كانت هناك مدينة مائلة، أبنيتها غير مستقرة، تميل ثم تعود، كأنها على وشك السقوط في أي لحظة. قال الحارس:
“هذه مدينة الأمنيات المؤجلة… هنا تتجمع الأمنيات التي لم يُرفض أصحابها الواقع، لكنهم لم يقبلوه أيضًا.”
دخل آدم المدينة، وكل خطوة كانت أصعب من التي قبلها. الهواء ثقيل، والوجوه شاحبة، وأصوات الناس متداخلة بين أمل خافت وخيبة صامتة. رأى شابًا يجلس على درجٍ لا ينتهي، يتمتم: “غدًا… فقط غدًا.” ورأى امرأة تنظر إلى سماء بلا نجوم، تنتظر إشارة لن تأتي.
شعر آدم بأن هذه المدينة أخطر من الظلال التي رآها سابقًا. هنا لا يوجد غضب واضح يمكن تهدئته، بل انتظار طويل ينهك الروح. سأل الحارس:
“ماذا أفعل هنا؟”
أجابه:
“تعلّم أن تقول الحقيقة… ليس لهم، بل للأمنيات نفسها.”
اقترب آدم من وسط المدينة، حيث كانت هناك ساحة كبيرة، وفيها عمود ضوء ضعيف، يكاد ينطفئ. فهم intuitively أن هذا العمود يمثل التوازن. إن انطفأ، ستنهار المدينة، وتتسرب آثارها إلى عالم البشر بشكل أقوى.
لم يحاول أن يلمس الضوء، بل جلس بالقرب منه. أغمض عينيه، وبدأ يستمع. لم يكن يسمع كلمات واضحة، بل مشاعر متراكمة: خوف من الفشل، رهبة من المحاولة، تعب من الانتظار. أدرك أن كثيرًا من الأمنيات لا تموت لأنها مستحيلة، بل لأنها تخاف أن تتحقق.
همس آدم بصوتٍ ثابت:
“ليس كل ما تتمنونه يجب أن يحدث الآن… وليس كل تأخير يعني خسارة.”
شيئًا فشيئًا، بدأ الضوء يقوى. ليس لأنه وعدهم بالتحقق، بل لأنه أعطاهم شيئًا آخر: الفهم. بدأت المباني تستقيم قليلًا، وتوقفت الأرض عن الاهتزاز. لم تختفِ المدينة، لكنها صارت أكثر ثباتًا.
عاد آدم وهو يشعر بإرهاق شديد، كأن جزءًا من طاقته بقي هناك. حين فتح عينيه، كان الصباح قد حلّ. نهض بصعوبة، لكنه شعر لأول مرة بأن تعبه له معنى.
في المدرسة، لاحظ فرقًا بسيطًا. ليس تغيرًا واضحًا، بل أشياء صغيرة: شخص كان صامتًا بدأ يتكلم قليلًا، آخر بدا أقل توترًا. لم يعرفوا ما حدث، لكنه كان يعرف.
في تلك الليلة، ظهر الحارس مرة أخرى، لكن صوته كان أكثر هدوءًا. قال:
“أنت الآن مرتبط بالعالم أكثر مما ينبغي لإنسان.”
سأل آدم بخوف: “وهل هذا خطر؟”
أجاب:
“الخطر ليس في الارتباط… بل في النسيان. إن نسيت نفسك، ستضيع بين الأمنيات.”
أدرك آدم حينها أن التحدي الحقيقي لم يكن إنقاذ عالم الأمنيات، بل الحفاظ على توازنه هو. إن فقد نفسه، سيتحول إلى مجرد أداة، وحينها لن يسمع أحد الأمنيات، بل سيفرض عليها اتجاهًا.
وقبل أن يختفي الحارس، قال جملة واحدة بقيت ترن في ذهنه طويلًا:
“المرحلة القادمة أصعب… لأنك لن تواجه أمنيات الآخرين فقط، بل أمنية واحدة تحاول أن تبتلع كل شيء.”
جلس آدم وحده في الظلام، وقلبه مثقل. كان يعلم أن القادم لن يكون مجرد اختبار، بل مواجهة حقيقية. ومع ذلك، لم يشعر بالرغبة في الهرب. لأول مرة في حياته، شعر أنه يقف في المكان الصحيح، حتى لو كان الطريق أمامه غير واضح.
وهكذا، بدأ الفصل الأخطر من رحلته… حيث لم يعد السؤال: هل ستتحقق الأمنيات؟
بل: أي أمنية تستحق أن تبقى؟