عالم الامنيات - الفصل الثاني - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عالم الامنيات
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

يكن استيقاظ آدم عاديًا في تلك الأيام. منذ عودته من عالم الأمنيات، صار النوم يشبه عبورًا مؤقتًا بين عالمين، لا يعرف أيهما الحقيقي أكثر. كان يستيقظ وفي صدره ثقل غريب، ليس حزنًا ولا خوفًا، بل إحساس بالمسؤولية، كأن شيئًا ما ترك أثره فيه ولم يغادر. في البداية حاول إقناع نفسه أن ما رآه كان حلمًا طويلًا، خيالًا صنعه عقله المتعب. لكنه كان يعرف في داخله أن ذلك غير صحيح. بعض الأحلام تتلاشى مع أول ضوء، أما هذا، فكان يزداد وضوحًا كل يوم. في المدرسة، صار يلاحظ أشياء لم يكن ينتبه لها من قبل. زميل يجلس في آخر الصف، صامت دائمًا، لكن عينيه مليئتان بتمنٍ لم يُنطق. معلمة تبتسم وهي تشرح، لكن صوتها يحمل تعب سنوات من أمنيات لم تتحقق. حتى الضجيج المعتاد صار يبدو له مثل طبقات من الرغبات المتداخلة، كل شخص يحمل عالمًا صغيرًا في داخله. في إحدى الحصص، شعر فجأة بدوار خفيف. لم يكن ألمًا جسديًا، بل كأن صوتًا خافتًا حاول أن يخترق أفكاره. همسة قصيرة، غير واضحة، لكنها مألوفة. ارتجف قلبه، لأنه عرف الإحساس فورًا. ذلك الصوت لم يكن من هذا العالم. حين عاد إلى البيت، أغلق باب غرفته، وجلس على سريره محاولًا أن يهدأ. أغمض عينيه دون أن يقصد النوم، لكنه شعر بأن الأرض تحت قدميه لم تعد ثابتة. الهواء تغيّر، والضوء خلف جفنيه أصبح أثقل. وحين فتح عينيه، لم يكن في غرفته. عاد إلى عالم الأمنيات، لكن ليس كما تركه. السماء كانت أغمق قليلًا، والأصوات أقل، وكأن العالم يحبس أنفاسه. الأرض تحت قدميه كانت متشققة في بعض الأماكن، لا انهيار كامل، بل علامات تعب. ظهر الكائن الذي قابله أول مرة، لكن ملامحه كانت أكثر توترًا. قال دون مقدمات: “عودتك لم تكن مفترضة بهذه السرعة.” سأل آدم بقلق: “هل فعلت شيئًا خطأ؟” أجاب الكائن: “لا… لكن ارتباطك بالعالم أقوى مما توقعنا.” قادَه عبر ممرات لم يرها من قبل. لم تكن مدنًا ولا حدائق، بل مناطق رمادية، تتشكل ثم تتفكك. هنا تُلقى الأمنيات التي لم يُحسم أمرها، لا تحققت ولا اختفت. أخبره أن هذه المناطق بدأت تتوسع، لأن البشر صاروا يتمنون دون أن يعرفوا ماذا يريدون حقًا. ظهر الحارس مرة أخرى، لكن صوته هذه المرة كان أقل قوة. قال: “عالم الأمنيات لا يحتاج منقذًا، بل موازنًا. ووجودك أصبح ضروريًا أكثر مما نحب.” شعر آدم بالخوف. لم يكن مستعدًا ليكون جزءًا دائمًا من شيء أكبر منه. قال بصراحة: “أنا مجرد شخص عادي… لا أفهم حتى نفسي أحيانًا.” رد الحارس بهدوء: “وهذا بالضبط ما يجعلك مناسبًا. من يفهم نفسه أكثر من اللازم، يحاول فرض فهمه على غيره.” فجأة، دوّى صوت قوي، ليس انفجارًا، بل تمزقًا. إحدى الأمنيات الكبيرة خرجت عن السيطرة. كانت أمنية شخص واحد، لكنها مشحونة بالغضب واليأس، تريد أن تتحقق بأي ثمن. تحولت إلى كيان مظلم، لا شكل له، لكنه يضغط على كل ما حوله. شعر آدم بثقلها في صدره. لم يهاجمها، ولم يحاول تدميرها. اقترب فقط. وكلما اقترب، سمع صوتًا بشريًا واضحًا، صوت شخص خذلته الحياة مرارًا. همس آدم دون أن يدري لماذا: “أنا أسمعك.” توقف الكيان. لم يختفِ، لكنه هدأ. بدأ شكله يتلاشى، لا لأنه هُزم، بل لأنه لم يعد وحيدًا. فهم آدم حينها شيئًا لم يقله له أحد: كثير من الأمنيات لا تريد أن تتحقق فورًا، بل تريد أن تُعترف بها. حين عاد إلى عالمه، كان الفجر قد اقترب. جلس على سريره، يتنفس بعمق، وقلبه يخفق بقوة. أدرك أن عودته لم تكن صدفة، وأن عالم الأمنيات لم يعد بعيدًا كما يظن. منذ تلك الليلة، صار آدم يعيش بين عالمين دون أن يغادر أيًا منهما. يسمع أكثر، يفهم أكثر، ويتعلم أن أعقد الأمنيات ليست تلك التي نطلبها من العالم… بل تلك التي نطلبها من أنفسنا. وكان يعلم، في قرارة نفسه، أن ما ينتظره لم يكن سهلاً، وأن عالم الأمنيات لم يكشف له بعد إلا البداية فقط.