الفصل الثاني
في اليوم التالي، شعرت ليان بأن شيئًا غريبًا يربطها بالمكتبة أكثر من أي وقت مضى. كانت تتجنب النظر في الظرف أكثر من مرة، لكنها لم تستطع مقاومة الفضول. كل رمز وكل كلمة على الورقة كانت تتردد في ذهنها، وكأنها رسالة صادرة من قلب المدينة نفسها.
خرجت من المنزل في الصباح الباكر، والمدينة تغطى بضباب خفيف يمنح الشوارع جوًا سحريًا، وكأن كل شيء فيها ينتظر أن يُكشف. كانت تتجه نحو المكتبة مرة أخرى، وكل خطوة تشعر بها وكأنها تقترب أكثر من شيء لم تفهمه بعد.
وعند وصولها، كانت المفاجأة بانتظارها. الشاب الغامض، آدم، يقف أمام الباب، كما لو أنه كان يعلم أنها ستأتي.
— "لم أتوقع أن تعودي بهذه السرعة." — قال بابتسامة خفيفة، وعيونه الرمادية تتأملها بعمق.
ليان لم تعرف كيف ترد، كل ما استطاعته هو أن تمشي بجانبه إلى الداخل، بينما قلبها ينبض بشدة، وشعور غريب بالاطمئنان يتسلل إليها، رغم الخوف الذي يرافقها.
جلسا على طاولة خشبية قديمة في زاوية المكتبة، حيث الشمس تسقط ببطء بين النوافذ، ملونة الغبار بأشعة ذهبية. صمت طويل مرّ بينهما، وكأنه وقت مخصص للغموض نفسه.
— "من أنت بالضبط؟" — سألت ليان أخيرًا، وحاولت أن تجعل صوتها هادئًا، رغم ارتجافه.
ابتسم آدم بابتسامة خفيفة، لكنه لم يُجب مباشرة. بدلاً من ذلك، أخرج من حقيبته دفترًا صغيرًا قديمًا، وغلفه بالغبار، ووضعه أمامها.
— "هذا ما تبحثين عنه… لكنه لن يفتح لك الطريق إلا إذا كنت مستعدة لمواجهة الحقيقة."
فتحت ليان الدفتر بحذر، ووجدت داخله خرائط قديمة ورسومات غريبة تشبه الرموز الموجودة على الظرف. قلبها خفق بسرعة، فقد شعرت أن هذه الخريطة ليست مجرد ورقة عادية، بل مفتاح لعالم لم تعرفه من قبل.
— "ماذا تعني هذه الرموز؟" — همست، وعينيها تتلمسان كل تفصيلة في الدفتر.
آدم نظر إليها بجدية، وقال:
— "كل رمز يحمل سرًا من أسرار المدينة… سر لا يُكشف إلا لمن يعرف كيف يستمع إلى صمت الليل."
ليان شعرت بمزيج من الدهشة والخوف والإثارة في نفس الوقت. كل شيء حولها أصبح غامضًا ومليئًا بالاحتمالات.
— "إذاً، هذه الرسالة… هل هي لك؟" — سألت، محاولة أن تفهم إن كان هو من أرسلها أم لا.
ابتسم آدم مرة أخرى، هذه المرة بابتسامة تحمل وعدًا وتحديًا:
— "ليس لي… لكنها كانت موجهة لك، وللقدر، موعدكما لم يحن بعد، لكن الطريق قد بدأ."
نظرًا إلى الخارج، حيث الرياح تعصف بالأشجار، شعرت ليان أن المدينة نفسها تشجعها على المضي قدمًا. كان هناك شيء فيها، شيء أكبر من أي خوف شعرت به، شيء يدعوها إلى الشجاعة والمغامرة.
وبينما كانت تغلق الدفتر بعناية، أدركت أن حياتها العادية قد انتهت، وأن رحلتها نحو الأسرار بدأت للتو، رحلة لن يكون فيها أي شيء كما توقعت، ولن يعرف القلب إلا ما يختاره المغامرة نفسها.