الجزء السـادس
استند وائل بظهره إلى المقعد، وعيناه مجهدتان لكنهما حادتان كالنصل. لم ينبس ببنت شفة عما جرى في تلك الغرفة بالفندق، ولا عن "لارين" أو الدفء الذي عاشه لثوانٍ. بالنسبة له، تلك كانت حياة موازية انتهت عند عتبة النافذة.
رفع إدوارد نظارته، ونظر إلى بقع الدم الصغيرة على كم معطف وائل، ثم قال بنبرة هادئة ورزينة:
— "تلك البقع تخبرني أنك لم تكن تتبادل أطراف الحديث مع القائد في الفندق يا وائل. لا حاجة لأن تخبرنا بالتفاصيل، فالنتائج دائماً ما تسبق الأحاديث في عملنا. ولكن، دعنا نعود لجوهر الأمر.. رافي. هذا الفتى يحب الدراما، لكنه لا يكذب بشأن الأرقام. هل حدد لك نوع 'التحركات'؟ هل هي مجرد دوريات تفتيش، أم أننا نتحدث عن 'تطهير' كامل للمناطق الحيوية؟"
رد وائل وصوته كأنه يخرج من بئر عميقة:
— "رافي كان مذعوراً خلف قناعه. قال إن الحكومة فعلت 'البروتوكول ٧'. هذا يعني إغلاقاً رقمياً وجسدياً. المسارات التي كنا نستخدمها لنقل البضائع والبيانات تحت الجسر الغربي أصبحت الآن مناطق عسكرية. لم يعد الأمر يتعلق بالقانون يا إدوارد، بل بفرض سيطرة مطلقة قبل الإعلان عن التغييرات الدستورية الجديدة."
هنا، نقرت ماري بقوة على لوحة المفاتيح، وظهرت خرائط المدينة باللون الأحمر على الشاشات الكبيرة،
وقالت وهي تلتفت إليهما:
— "وائل محق، البروتوكول ٧ ليس مجرد دوريات. انظروا هنا.. الترددات التي رصدتها تُظهر أن وزارة الدفاع تولت السيطرة على أبراج الاتصالات في القطاع الرابع. إنهم يعزلون الأحياء عن بعضها البعض. وائل، هل ذكر لك رافي أي شيء عن 'الحقيبة السوداء'؟ هناك إشاعة تقول إن الحكومة فقدت شيئاً حيوياً، وهم يحرقون المدينة الآن لاستعادته."
أجاب وائل ببرود:
— "لم يذكر حقائب. ذكر 'رؤوساً'. قال إن القوائم جاهزة، وأن المافيا هي من ستتولى القذارة في الشوارع الجانبية بينما تكتفي الشرطة بتأمين الميادين. وهذا يفسر وجود 'الفرقة الخامسة' في الملهى الليلة. لم يكونوا هناك للاحتفال، كانوا هناك لجمع 'العينات'."
تنهد إدوارد تنهيدة طويلة، وبدأ يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، ويداه خلف ظهره كأنه فيلسوف في رواية قديمة:
— "يا للهول.. التحالف المقدس بين السلطة والجريمة. إنه أقدم زواج في التاريخ، ولكنه الأكثر دموية. إذا كان ما قاله رافي صحيحاً، فنحن الآن في وسط كماشة. المافيا تريد حصتها من الأرض، والحكومة تريد صمت القبور. ماري، هل يمكنكِ اختراق نظام 'الفرقة الخامسة'؟ أريد أن أعرف من هو الهدف القادم على قائمتهم قبل أن يصلوا إليه."
ردت ماري بابتسامة باهتة:
— "إدوارد، أنت تطلب المستحيل بذكاء. أنظمتهم مشفرة عبر خوادم حكومية. لكن.. إذا استطعنا الحصول على 'جهاز اتصال' من أحد قادتهم، يمكنني كسر التشفير في دقائق. وائل، هل قتلت القائد وتركت جهازه هناك؟"
ظل وائل صامتاً للحظة، يتذكر مشهد الغرفة، الدماء، لارين، وصمت المكان بعد الرصاصة، ثم قال:
— "الجهاز كان في جيبه. لم يكن لدي وقت للبحث. الفندق كان سيتحول إلى فخ في أي ثانية."
ضرب إدوارد كفاً بكف وقال:
— "خسارة فنية، لكنها مكسب أمني. وجودك هناك بحد ذاته سيجعلهم يضربون أخماساً بأسداس. الآن، نحن بحاجة لإعادة تموضع. وائل، رافي ذكر لك أنهم أغلقوا الحدود.. هل تعتقد أن بإمكاننا استخدام 'الأنفاق المنسية' تحت الملهى الذي كنت فيه؟"
هز وائل رأسه نفياً:
— "الملهى أصبح تحت سيطرة الفرقة الخامسة بالكامل بعدما دخلوا. أي تحرك هناك هو انتحار. علينا أن نجد طريقاً آخر، طريقاً لا يتوقعونه."
استمر الحوار بين الثلاثة لساعات، ماري تحلل البيانات وتكشف عن تحركات الشاحنات العسكرية، وإدوارد يضع الخطط البديلة بلسانه الذي لا يمل من الكلام، ووائل يراقب الخرائط بصمت