الجزء الخـامس
قبل أن تلامس أولى خيوط الفجر أفق المدينة، وفي اللحظة التي يختلط فيها سواد الليل بزرقة الفجر الباردة، استيقظ وائل. كانت حواسه حادة كالعادة، تسبق جسده في الاستيقاظ. شعر بدفء جسدها بجانبه، ورأسها المستقر على صدره، وشعرها المنثور كالحرير الفوضوي.
نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، ثم إلى النافذة المحطمة التي بدأ يتسلل منها هواء الصباح المنعش المشبع برائحة المطر القديم. تحرك ببطء شديد كي لا يوقظها، لكنها كانت في حالة من اليقظة الهشة، ففتحت عينيها بمجرد أن شعرت بابتعاد جسده.
نظرت إليه في غبش الضوء، وبدت في تلك اللحظة رقيقة جداً، خالية من كل أقنعة القوة والمكر التي كانت تضعها في الملهى.
حوار الوداع
همست بصوت مبحوح يملأه النعاس:
— "هل سترحل الآن؟ قبل أن تشرق الشمس؟"
جلس وائل على حافة السرير، يرتدي قميصه ببرود عملي، وقال دون أن يلتفت:
— "الشمس لا تحب أمثالي يا.. لم أعرف اسمكِ حتى الآن."
اعتدلت في جلستها، ولفت الغطاء حول جسدها، ثم قالت بنبرة صادقة تماماً:
— "اسمي لارين. ليس الاسم المستعار الذي أستخدمه في الملاهي، بل اسمي الحقيقي الذي لم ينطقه أحد منذ زمن طويل. وائل.. هذا هو اسمك، صح؟"
توقف وائل عن زر قميصه لثانية واحدة، أومأ برأسه بهدوء:
— "نعم، لارين. اسم جميل لا يليق بجثة هامدة في زاوية الغرفة."
ضحكت لارين ضحكة حزينة وهي تنظر إلى جثة القائد التي بدأت ملامحها تظهر مع ضوء الفجر الخافت، وقالت:
— "أنت لا تعرف كم من الموت واجهت لأحافظ على هذا الاسم. لكنك الليلة.. منحتني حياة جديدة. شكراً لأنك لم تكن مجرد عابر سبيل."
نهض وائل، واتجه نحو النافذة التي دخل منها، ألقى نظرة أخيرة على الشارع في الأسفل، ثم التفت إليها. اقتربت لارين منه، وضعت يدها على كتفه برقة، ونظرت في عينيه مطولاً وقالت:
— "وائل، المدينة صغيرة، لكنها متاهة. هل سأراك مجدداً؟ أم أنك مجرد وهم صنعه المطر والدم؟"
لمس وائل وجهها بطرف أصابعه، مسحة أخيرة من الحنان قبل العودة إلى قسوته المعهودة:
— "في مدينتنا، لارين، الصدف لا تتكرر مرتين إلا إذا كانت تحمل معها كارثة. ربما من الأفضل أن تظني أنني وهم."
ردت لارين بإصرار وعينيها تلمعان:
— "سأنتظر كارثة أخرى إذن لو كانت ستأتي بك. سأبحث عنك في كل زاوية مظلمة، وفي كل مطر يسقط على هذه الأرصفة الباردة. لا تنسني."
ابتسم وائل ابتسامة خفيفة، تكاد لا تُرى، ثم قال:
— "وداعاً، لارين."
وبخفة لا يملكها إلا المحترفون، قفز من النافذة، واختفى في ضباب الصباح قبل أن تلمس قدماه الأرض. وقفت لارين عند النافذة، تراقب الفراغ الذي تركه خلفه، وهي تشم رائحة عطره التي لا تزال عالقة في المكان، متمنية في سرها أن تشرق الشمس غداً على لقاء جديد.