بين رفّين
كانت الساعة تقترب من الرابعة حين دخلت إيلين فوس المكتبة.
تقدّمت بخطوات محسوبة، تحمل دفترها وقلمًا واحدًا فقط.
لم تكن متوترة، لكنها لم تكن عادية أيضًا.
وجدته جالسًا قرب النافذة، كتاب مفتوح، ونظرة هادئة كما عهدته.
ليون كارتر.
رفع رأسه حين اقتربت.
– «مرحبًا، إيلين.»
– «مرحبًا.»
جلست قبالته، تاركة مسافة صغيرة… كافية ليبقى كل شيء مريحًا.
بدآ بالمادة.
أرقام، تحليلات، نظريات.
لكن الحديث كان يسير بسلاسة غريبة، كما لو أنهما درسا معًا منذ زمن.
– «طريقة شرحك…» قال فجأة،
– «تجعل الأشياء المعقّدة بسيطة.»
نظرت إلى دفترها.
– «أنا فقط أرتّب الأفكار.»
ابتسم.
– «ربما هذا ما أفتقده.»
مع مرور الوقت، أصبح الصمت أطول… وأهدأ.
لم يكن هناك حاجة للكلام المستمر.
– «هل تعيشين وحدك؟»
سألها بنبرة عادية.
ترددت للحظة.
– «نعم. قرب الجامعة.»
– «لا بد أن ذلك يمنحكِ حرية.»
رفعت نظرها إليه.
– «وأحيانًا… وحدة.»
هزّ رأسه بتفهّم.
– «أفهم.»
لم يسأل أكثر.
وكان ذلك كافيًا.
حين أغلقت المكتبة، خرجا معًا.
الهواء بارد قليلًا، والشارع شبه فارغ.
– «هل تمانعين أن نتمشّى قليلًا؟»
سأل.
– «لا.»
قالتها ببساطة.
سارا جنبًا إلى جنب.
لم يلمسها، لم يقترب أكثر من اللازم.
لكن وجوده كان واضحًا… مطمئنًا.
– «أنتِ مختلفة، إيلين.»
قالها فجأة.
– «كيف؟»
– «لا تحاولين أن تكوني شيئًا آخر.»
توقفت للحظة.
ثم تابعت السير.
– «لأنني تعبت من المحاولة.»
نظر إليها، ولم يقل شيئًا.
عند مدخل شقتها، توقفت.
– «شكرًا… على اليوم.»
قالت.
– «أنا من يجب أن يشكر.»
ابتسم،
– «تصبحين على خير.»
– «وأنت.»
صعدت الدرج، قلبها هادئ… لكنه ممتلئ.
في الداخل، خلعت معطفها وجلست قرب النافذة.
المدينة كما هي… لكنها لم تعد تشبه الأمس.
فتحت دفترها وكتبت:
"الاقتراب الحقيقي…
هو أن تشعر بالأمان دون وعد،
وبالدفء دون لمس."
أغلقت الدفتر، وهي تعلم أن هذا الهدوء…
لم يعد فرديًا.