روتين لا يراه أحد
كانت إيلين فوس تستيقظ كل صباح في السادسة تمامًا، دون منبّه.
ليس لأنها تحب الصباح، بل لأن عقلها اعتاد النظام كما يعتاد القلب الخفقان.
شقتها الصغيرة قرب الجامعة كانت مرتّبة بدقة تكاد تبدو باردة:
كتب مصطفّة حسب المادة، ملابس بألوان حيادية، ونبتة خضراء وحيدة قرب النافذة… هدية قديمة لم تتذكر ممن.
إيلين، الطالبة المتفوّقة في كلية الاقتصاد، كانت معروفة بين الأساتذة لا بين الطلبة.
لا تشارك في النقاشات الصاخبة، لا تضحك بصوت مرتفع، ولا تجلس في الصفوف الخلفية.
الصف الأول كان مكانها الدائم… ليس طموحًا، بل هدوءًا.
رغم أنها تنحدر من أسرة ثرية، إلا أن اسم عائلتها لم يكن يعني لها شيئًا سوى المسافة.
والدها رجل أعمال ناجح، ووالدتها سيدة مجتمع، وكلاهما يتقن الحديث عن كل شيء…
إلا عنها.
اختارت أن تعيش وحدها، ليس تمرّدًا، بل حفاظًا على توازنها.
كانت مايرا كولينز أول من اقتحم عالمها الجامعي.
طالبة إعلام مرحة، ذات شعر قصير مصبوغ بلون دافئ، وصوت لا يعرف الهمس.
– «إيلين، أنتِ تنسين الأكل حين تدرسين!»
قالتها مايرا وهي تضع كوب قهوة أمامها في المكتبة.
أما الصديقة الثانية، نوفا رايت، فكانت نقيض مايرا تمامًا.
هادئة، تكتب الشعر، وتفهم الصمت أكثر من الكلمات.
الثلاثة كنّ مختلفات، لكنهن التَقَين في منطقة آمنة… حيث لا أسئلة مزعجة.
إيلين لم تكن اجتماعية، لكنها لم تكن خالية من المشاعر.
كانت تخفي سرًا صغيرًا لا يعرفه أحد.
في القاعة الكبرى، يجلس دائمًا على بعد صفّين منها…
ليون كارتر.
طالب هادئ، أنيق دون تكلّف، نظراته ثابتة، وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون.
لم تتحدث معه يومًا، لم تبتسم له، ولم تلتقِ عيونهما إلا صدفة.
لكن قلبها…
كان يعرفه جيدًا.
تراقبه بصمت، تحفظ مواعيد محاضراته دون قصد، وتشعر بشيء غريب حين يغيب.
ليس حبًا صاخبًا،
بل إعجابًا هادئًا…
يشبهها.
في تلك الليلة، جلست إيلين قرب نافذتها، المدينة ساكنة، والضوء خافت.
أمسكت دفترها وكتبت:
"أنا ناجحة، منظّمة، وهادئة…
لكن لماذا أشعر أنني أعيش على الهامش؟"
أغلقت الدفتر، ولم تكن تعلم أن هذا الهامش…
سيكون بداية قصة لم تخطّط لها أبدًا.