بندق من انا
الفصل التاسع عشر
" بندق: من أنا؟"
عندما انطفأت الشمعة، لم يغرق المكان في الظلام فقط...
بل في الصمت.
ذلك الصمت الكثيف الذي تسبق العاصفة... أو الموت.
شعرتُ بأنفاسي تُقاوم الخواء، كأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق. كنت واقفة في غرفةٍ لا ترى فيها شيئًا، لكنّك تسمع كل شيء... كل نبضة، كل قطرة دم، كل خطوة قادمة من البعيد... أو القريب جدًا.
"روزالين..."
صوت بايدن، لكن ليس كما اعتدتُه. لم يكن غاضبًا، ولا ساخرًا، بل هامسًا، حميمًا... كأنّه يهمس داخل جمجمتي.
"هل ما زلتِ تعتقدين أنكِ ضحية؟"
لم أجب.
لم أستطع.
قدماي ثابتتان في الأرض، وكأنّ جذورًا تنبت من جلدي.
ثم...
انفتح الضوء فجأة، لكنه لم يكن ضوءًا عاديًا.
كانت الجدران تشتعل بنيرانٍ باردة، زرقاء، تومض وتهمس. نعم، تهمس. الكلمات كانت تُكتَب على الجدران باللهب:
"البداية كانت خطأً، يا بندق... أنتِ وُلدتِ وسط الدماء."
"المستودع؟ تلك لم تكن الليلة الأولى."
"كل شيء زُرِع بداخلك."
وقفتُ أُحدّق بالجدران كمن يرى الحقيقة لأول مرة.
ثم شعرت بها... تقترب.
الدمية.
كانت تزحف على الأرض.
صوت خياطة ممزقة، أقدام قطنية تسحب نفسها، وعيناها الزجاجيتان تُنيران الطريق أمامها.
"بُندُق..." نادتني بصوتٍ أجوف، كأنّ في داخلها أرواحًا ميتة.
"هل تتذكرين حين أحرقناكِ؟ هل ظننتِ أننا اختفينا؟"
لم أستطع التحرك. كانت الدمية أمامي، ترتفع فجأة وتثبت على قدميها.
وجهها تشوّه، نصفه محترق، والنصف الآخر عليه ملامحي الطفولية.
"أنتِ صنعتِنا، روز... والآن، جاء وقت الحساب."
مدّت يدها...
وغرزت شيئًا في ذراعي.
صرخة خَرَجَت مني كأنها من معدتي.
نظرتُ إلى ذراعي...
كان هناك مفتاح صغير مغروس داخل اللحم.
نفس المفتاح الذي رأيته قبل سنوات، في إحدى كوابيسي... مفتاح كتب عليه:
"العودة."
"ما هذا...؟!" صرختُ.
فقال الصوت من كل الجهات:
"البوابة يا بندق... افتحي البوابة."
فجأة، تهاوى الجدار المقابل، وظهر خلفه مرآة أخرى.
لكن هذه المرآة لم تعكسني.
بل عكست فتاة أخرى...
كانت تُشبهني.
لكنها لم تكن روزالين.
كانت هي... الفتاة التي سبقتني.
نظرت إليّ عبر المرآة، والدم يسيل من أنفها، وعيناها غارقتان في الحزن.
"أنتِ رقم ٢٧، روز..." همست.
"وأنا كنت رقم ٢٦."
اقتربت أكثر، ووضعت يدها على سطح المرآة.
"إن دخلتِ الآن... لن تعودي."
"لكن إن لم تدخلي... سيموت الجميع."
ارتجفتُ.
"جميع من؟!" صرختُ.
فقالت بصوتٍ مُشروخ:
"كل أولئك الذين مرّوا في رأسك... كريستوفر، الممرضة، الفتاة الميتة... حتى أنتِ."
"كلنا خُلقنا لنُطفئ حريقًا في ذاكرة ليست لنا."
ثم بدأت المرآة تذوب...
ووراءها، كان هناك شيء آخر.
شيء ضخم... يتحرّك في الظلال...
كان بشريًا، لكن ليس تمامًا.
جسد طويل، نحيل بشكل مستحيل، وأيدٍ تمتد لأمتار، ووجه مغطى بأقنعةٍ من الورق، وعيناه تشبهان تلك التي رأيتها في الدمية.
فهمت الآن.
"هذا هو..."
"الشيء الذي زرع الذكرى."
ركضتُ.
المفتاح في يدي، النزيف من ذراعي لا يتوقف، والدمية تصرخ خلفي كأنها تُطالب بروحي.
الضوء يتذبذب، الجدران تنبض، والضباب يعلو.
ثم وصلتُ إلى بوابة.
بوابة من حديد ملتوي، مكتوب عليها:
"مرحلة القرار."
وضعتُ المفتاح...
ودون تفكير، فتحته.
انشقّت البوابة، وابتلعتني الظلمة.
وحين استيقظت...
كنت في مكانٍ أعرفه.
لكن لم أكن طفلة... ولم أكن ناضجة.
كنت... جسدًا على طاولة.
أحاطت بي وجوه كثيرة.
رجال ببدلاتٍ رمادية، وممرضات بدون عيون.
وكان بايدن يقف في الزاوية، يدوّن ملاحظاته.
"الحالة ٢٧..." قال وهو ينظر إليّ.
"نجحت في العبور."
ثم اقترب.
وهمس في أذني:
"مرحبًا بكِ أخيرًا، روزالين... في العالم الحقيقي."