مقبرة الذاكرة - خلف الجدران - بقلم سدن السراحنة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: مقبرة الذاكرة
المؤلف / الكاتب: سدن السراحنة
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: خلف الجدران

خلف الجدران

الفصل الثامن عشر خلف الجدران حين فتحتُ عينيّ، لم أكن أعلم ما إذا كنتُ قد نجوت من الجنون... أم غُصتُ فيه أكثر. كل شيء من حولي بدا... خطأ. الغرفة التي استيقظتُ فيها كانت تُشبه غرفتي، لكنها مشوّهة، كأنها مرآة ملتوية تعكس كابوسي لا ذاكرتي. الجدران مغطاة برسوم طفولية مشقوقة، دماءٌ مجففة تقطر من السقف كخيوطٍ حمراء تنبض بالحياة، وأصواتُ بكاء خافت تتردد من كل ركن، كأن الأطفال الذين رسموا هذه الجدران... لم يخرجوا منها أبدًا. الضوء... أصفر باهت، يهتزّ في السقف مثل قلب يحتضر. لم أكن وحدي. على الكرسي الخشبي بجانب السرير،جلست ..سيريلا . نعم... تلك الدمية. عيناها الزجاجيتان تحدّقان بي كأنهما تحفظان أسراري. لكنها لم تكن مجرد دمية هذه المرة. رأيتها تُحرّك أصابعها، البالية والمخاطة بخيطٍ أسود، ثم رفعت يدها ببطء... وأشارت إلى الجدار المقابل. هناك، كُتبت جملة بالدم: "أنتِ كنتِ دائمًا هنا، بندق... لم تغادري يومًا." شعرتُ بقلبي ينكمش. "لا... لا هذا ليس حقيقي." نهضتُ ببطء، أُحاول ألا أُحدث صوتًا. لكن الأرضية تحت قدميّ صرخت... كأنها لحمٌ حيّ يئنّ من خطواتي. تقدّمتُ نحو الباب، اليد على المقبض... لكن الباب لم يكن بابًا. بل كان مرآة. وفيها... رأيتُ نفسي، طفلة. لكن الطفلة لم تكن أنا فقط. كانت ترتدي ملابس المستشفى، تحمل نفس الكدمات على رسغي، ونفس الخوف في عينيّ. ثم همست: "لقد باعونا يا روز... باعونا كما يُباع الدُمى في السوق." صرختُ، ووضعتُ يدي على أذنيّ، لكن الهمس لم يتوقف. المرآة بدأت تذوب. نعم... تذوب كالشمع المشتعل. ومن خلفها... خرج ممر. ممرٌّ طويل، جدرانه مصنوعة من صفحات ممزقة من دفاتر رسم الطفولة، مرسوم عليها وجه بايدن... يتكرر، يتكرر، يتكرر. مشيتُ. لم أعد أفكر، لم أعد أهرب. كنت أمشي كأنني مسلوبة الإرادة، كأن شيئًا ما يقودني إلى مصيري. وفي نهاية الممر... باب خشبي. فتحتُه... فوجدت نفسي في غرفةٍ أخرى... غرفة بيضاء تمامًا. لكن في وسطها، كانت هناك ممرضة. وجهها مألوف... "أ... أنتِ من مركز إيفان...!" ابتسمت، لكنها لم تكن ابتسامةً مطمئنة. قالت: "روزالين... أتعلمين؟ لم أقتنع يومًا أنكِ مريضة." نظرتُ إليها مذهولة. "ماذا؟" "كل تقاريركِ النفسية تقول إنكِ تتوهمين... لكن عينيكِ تقولان الحقيقة. أنتِ لستِ مجنونة، روز... أنتِ محبوسة…" اقتربت مني ببطء، وضعت يدها على كتفي. "أين نحن؟!" سألتها، وأنا ألهث. قالت بصوت منخفض: "نحن... داخل عقلك. لكن هذا العالم ليس لك وحدك. هناك شيء آخر يسكنه معكِ، شيء قديم... شيء استيقظ منذ اثني عشر عامًا… " قبل أن أجيبها... حدث الانفجار. الجدار الذي خلفها تحطّم فجأة، وتدفقت منه دمى مُشوّهة، تحمل ملامحي وملامح الطفلة. واحدة دون عينين. واحدة تصرخ بلا فم. واحدة تحترق. صرخت الممرضة، دفعتني للخلف وهي تصرخ: "أركضي يا روز! أركضي!" ركضت. كل شيء كان يتداعى من حولي، الجدران تنصهر، الأرضية تنقلب، والأصوات... الضحكات... أصوات الصراخ تتداخل كأنني في مصحٍّ للموتى. لكني لم أتوقف. وفي نهاية الممر، رأيتُ بابًا أحمر... وعليه قفل. وحين لمستُ القفل... انفتح. دخلت... وكانت الصدمة. في الداخل، كانت هناك غرفة مظلمة، لا ضوء فيها... إلا نور خافت ينبعث من شمعة فوق طاولة. وفوق الطاولة... كان هناك دفتر قديم، بغلافٍ جلدي. فتحتُه ببطء، والدم يسيل من أطراف أصابعي... وكانت أول صفحة كُتب فيها: "ملف: بندق - التجربة رقم 27 الموضوع: زرع الذكريات المصطنعة - المريض: روزالين إل. س." توقّف الزمن. "زرع؟" هل أنا مجرد تجربة؟ كل حياتي... كل جنوني... كل رعبي... هل هو مصنوع؟ همستُ: "من أنا؟" فردّ صوتٌ من العدم: "أنتِ... قصتي المفضلة، بندق." ثم انطفأت الشمعة. وسمعتُ صوت ضحكة بايدن من جديد، قريبة... أقرب... خلفي مباشرة