شرار
الفصل الخامس عشر
"انعكاس العدم"
حين انطفأ الضوء، لم يكن الظلام هو المخيف... بل الصمت.
ذلك النوع من الصمت الذي لا يشبه السكون، بل كأن كل شيء حولك توقف عن الوجود دفعة واحدة، حتى قلبك.
وقفتُ جامدة، أحدّق في تلك المرآة الصغيرة المشقوقة التي أمسكتها "سيريلا"، الدمية التي أصبحت فجأة أكثر من مجرد لعبة...
لكن الآن، لم أعد أراها.
المرآة على الأرض، وسيريلا اختفت.
"مستحيل..." همستُ.
التقطتُ المرآة المرتجفة من الأرض، ومرّ إصبعي فوق الشقّ، حتى جرحني.
قطرة دم نزلت على السطح العاكس، فتشوّهت الصورة داخله.
لكن قبل أن أمسحها، ظهرت الكلمات من العدم، كأنها كُتبت على الضباب:
"من لم يمت في اللعبة، يعود ليلعبها."
ارتجف جسدي بأكمله.
"سيريلا... أين ذهبتِ؟"
لكنها لم تُجب.
بل جاءني الجواب من الجدار.
طرق.
ثلاث طرقات قوية... من الداخل.
نعم. من داخل الجدار.
اقتربتُ، وضعت أذني، فسمعت أنينًا.
أنين طفلة.
أنين... نفسي؟
"افتحي، بندق... الجوّ مظلم هنا."
"من... من أنتِ؟" صرختُ، والدموع تملأ عينيّ.
لكن لم يجبني أحد.
بل شعرت بشيء بارد على قدمي.
نظرتُ لأسفل... ووجدت دمية.
ليست سيريلا.
بل نسخة منها... محترقة.
وجهها ذائب، إحدى عينيها مفقودة، وفستانها الأزرق ممزق يغطيه السواد.
وُضعت بين قدميّ... دون أن أشعر بمن وضعها.
ثم انفتح الباب... ودخلت لارا.
كانت تتنفس بسرعة، وفي يدها جهاز تسجيل قديم.
"روزالين... هل تسمحين لي أن أجرب شيئًا؟"
.
.
"هل تعنين التنويم؟"
أومأت برأسها. نظرتُ إلى الجهاز ثم إلى وجهها.
لا أعلم إن كنتُ أثق بها، لكنني كنت أختنق.
"سأفعل أي شيء... فقط، أريد أن أفهم."
---
تمددتُ على السرير، بينما بدأت لارا تسجّل صوتها:
نبرة ناعمة، عبارات مألوفة...
"تنفّسي ببطء، تخيّلي نفسك في مكانٍ آمن... مكان تعرفينه منذ الطفولة..."
فعلت.
أغمضت عينيّ.
وببطء، بدأت أعود...
صوت قطرات مطر فوق زجاج.
صوت درجٍ يُفتح.
رائحة حبر...
وصوت خطوات في الممرّ.
طفلة تركض.
كنتُ أنا.
لكنني لم أكن وحدي.
شخصٌ ما... كان يلاحقني.
ثم رأيت الباب الحديدي... باب القبو.
نفس الباب الذي نسيتُه لسنوات.
فُتح بصوتٍ مخيف، وظهر داخله "بايدن".
لكنّه لم يكن رجلاً.
كان شيئًا ما آخر... عيناه لم تكونا بشريّتين.
أشار إليّ، ووراءه... كانت سيريلا.
مربوطة بحبل مشنقة... ورأسها يتدلّى.
"هيا يا بندق... تذكّري من خذل من."
صرخت.
فتحتُ عينيّ.
الغرفة... فارغة.
لارا... غير موجودة.
لكن على الأرض أمامي، وُجدت ورقة عليها اسمها... مشقوقًا بنصفين.
وكُتب على الورقة:
"مرحلة لارا... انتهت."
نظرت حولي.
على الحائط... رسالة مكتوبة بالدم:
"الآن تبدأين وحدك، بندق.
الوقت ينفد... والباب التالي سيفتح من الداخل."
ثم، انبعثت ضحكة سيريلا... من داخل الظلام.