وهج النار
الفصل العاشر
"صوت من القطن"
جلستُ في الزاوية، أرتجف.
كلمات إلينا ما زالت تتردد في رأسي…
"لا تنظري إلى العيون الحمراء… لا تنظري…"
لكني نظرت.
نظرت… وشعرت بشيء في داخلي ينكسر.
الغرفة أصبحت صامتة، صمتًا غريبًا، وكأن الأصوات نفسها اختنقت.
المرآة التي رأيتُ فيها الطفلة اختفت.
لكن في مكانها… كان هناك صندوق خشبي صغير على الطاولة.
لا أعلم كيف ظهر. أقسم أنه لم يكن هناك قبل لحظات.
اقتربتُ بخطوات حذرة.
فتحته…
ووجدتُها.
الدمية.
نفسها.
ذات الشعر الأشقر، الفستان الأزرق، والشريطة الحمراء المغطاة ببقع داكنة… سيريلا مفتاح كابوسي.
كانت تبتسم.
لكن الأغرب… أنها لم تكن بنفس حالتها السابقة.
وجهها تحوّل.
لم يعد وجه طفلة عادية.
بل أصبحت ملامحها أكثر حدة… وعيناها الزجاجيتان كأنهما تحدقان في روحي.
وبين يديها… كانت تحمل ورقة مطوية.
فتحتها بيدين مرتجفتين.
وكان مكتوبًا:
"أخطأتِ في الجولة الثالثة. هذه هديتكِ من بايدن.
الدمية الآن... تحتوي على ذاكرة.
لكن احذري، يا بندق... فليست كل الذكريات قابلة للتحمّل."
ما هذا الهراء؟
لكن قبل أن أفكر أكثر، سقطت الدمية من يدي دون قصد…
وعند سقوطها، صدر منها صوت…
نعم، صوت… ليس مجرد تسجيل كما في السابق، بل صوت أنثوي، هامس، محشوّ بالألم:
"تلك الليلة… كانت الغرفة باردة… وكان الصندوق يُفتح ببطء… وكنت أصرخ… ولم يسمعني أحد."
اتسعت عيناي.
"من… من الذي سجّل هذا؟!"
لكن الدمية أكملت… بصوت طفلة:
"أخبرتك أن تلعبِي… لا أن تهربِي، بندق."
ثم نظرتُ إليها…
الدمية كانت تحرّك إصبعها الصغير.
لا… مستحيل.
زحفتْ نحو طرف الطاولة… ثم سقطت أرضًا… ثم وقفت.
نعم، وقفت… على قدميها القطنيتين الصغيرتين.
بدأت تمشي نحوي.
ببطء.
تتمايل، ورأسها مائل.
كل خطوة، كانت تصدر منها ضحكة ناعمة… متكسّرة.
تراجعتُ إلى الجدار، أختنق برعبي، وأنا أصرخ دون صوت.
لكن الدمية اقتربت.
ثم وقفت أمام قدميّ.
رفعت رأسها نحوي.
ثم قالت بصوت خافت… بصوتي أنا:
"هل تذكرين المتحف، بندق؟
هل تذكرين ماذا وضعتِ في التابوت؟
لأنها… عادت لتأخذه."
"لم أفهم اي تابوت؟
ثم رفعت يدها وأشارت إلى صدري.
فهمتُ.
"ذاكرتي…" همست.
"ذاكرتي الحقيقية… ليست هنا بعد، أليس كذلك؟"
لكن الدمية لم تجب.
بل بدأت تتحلّل… تنفكّ خيوطها… ويخرج من داخلها شيء غريب.
شريط كاسيت قديم.
مرسوم عليه بعلامة حمراء:
"ذكريات بندق – الأصلية."
وقبل أن ألمسه…
انفجرت الغرفة بنور أحمر مفاجئ.
ثم…
ظهر جدار جديد.
في الجدار، باب خشبي صغير لم أره من قبل.
وعلى الباب، كانت هناك جملة محفورة:
"ادخلي وحدك، بندق.
لأن الحقيقة… لا تقبل الشهود."
...
نظرتُ خلفي.
الغرفة بدأت تختفي.
الدمية تفككت بالكامل.
والصوت الذي خرج من الحائط همس:
"إن دخلتِ… لن تعودي كما كنتِ.
لكن إن لم تدخلي… سآتي أنا."
…
أغمضتُ عيني، وأمسكت شريط الذكريات.
خطوت خطوة نحو الباب.
وقبل أن ألمسه، سمعت صوتًا خلفي…
صوت إلينا، لكنه ضعيف… متقطع…
"روز... لا تثقي... بالدمية... هي المفتاح... واللعنة..."
ثم... صمت.
---
وضعـتُ يدي على مقبض الباب...
وافتحـتُه.
---
"من التي اختفت؟"
"إلينا...؟"
همستُ دون أن ألتفت.
كانت هناك قبل لحظات، تجلس على الكرسي القماشي الأبيض في طرف الغرفة… تتحدث إليّ، تحاول تهدئتي، ترسم بسمتها الهادئة، وتقول بثقة:
"أنتِ لستِ مجنونة يا روز... هناك شيء فعلاً يحدث هنا."
لكن حين التفتُّ… لم تكن موجودة.
الكرسي فارغ.
الصمت في الغرفة بات أثقل، كما لو أن الجدران تراقبني.
اقتربت من الكرسي.
كان لا يزال دافئًا.
وكأنها كانت جالسة عليه منذ ثوانٍ فقط.
ثم لاحظت شيئًا…
قطرات صغيرة من الدم، تسير بخطٍ غير منتظم على الأرض، من الكرسي حتى الزاوية اليسرى من الغرفة.
تبعتها.
الدم يتوقف عند الحائط.
لا باب، لا مخرج، فقط جدار صامت.
لكنني لم أكن وحدي…
الدمية، تلك الملعونة، التي تفككت قبل قليل، كانت قد عادت. لا أعلم كيف. لم أرَها تتحرك. لكنها كانت هناك… جالسة فوق سريري، تنظر إليّ.
ورقة صغيرة تحتها.
اقتربتُ وسحبت الورقة بحذر.
كان مكتوبًا:
"هل تبحثين عن صديقتك؟
لقد اختارت الباب الخطأ.
وعادت إلى المرحلة الأولى."
تجمدتُ.
"مرحلة أولى؟"
ثم رأيت شيئًا آخر.
على الجدار الذي وقفتُ أمامه منذ لحظات، ظهرت كلمة واحدة، كُتبت ببطء… كأن أحدهم يخدشها من الداخل:
"نراكِ قريبًا، بندق."
...
ارتجفت.
نظرتُ إلى الدمية.
كانت تبتسم.
لكن هذه المرة…
كانت تحمل مِشبك شعر أحمر.
ذلك المشبك… أعرفه جيدًا.
"هذا مشبك إلينا… كانت ترتديه اليوم."
مددت يدي… لكن ما إن لمسته…
حتى انقلب وجه الدمية إلى وجه إلينا!
نعم، وجهها! لكن بلون رمادي… مشوّه… وابتسامة مشقوقة للأذنين.
ثم فُتح فمها وقالت بصوت إلينا:
"لقد حاولتُ تحذيركِ، لكنكِ تأخرتِ.
اللعبة لا تسمح لأحد بالخروج… إلا إذا استبدل نفسه بشخص آخر."
هنا شهقتُ.
"إلينا…! لا، لا!"
لكن الدمية تابعت:
"آسفة يا بندق… أنا كنتُ البديل."
ثم…
بدأ جسد الدمية يتفكك… لكن هذه المرة، لم يكن قطنًا ما خرج منها…
بل جلد بشري رقيق، ورق ملاحظات طبية، وصور أشعة مكتوب عليها:
"مريضة 13 - روزالين بندق.
حالة انفصام هوية متقدم.
تتوهم أشخاصًا لم يدخلوا المستشفى من الأساس."
...
سقطتُ على الأرض.
"ماذا؟! لا… لا، إلينا كانت حقيقية! كانت تكلمني! كانت هنا!"
صوت الباب في الغرفة فتح من تلقاء نفسه.
ومن خلفه، دخل طبيب المركز، وجهه متجهم، يرافقه ممرضتان.
"روزالين... مع من كنتِ تتحدثين؟"
"إلينا… أين إلينا؟!! كانت هنا! كانت تحاول إنقاذي!!"
الطبيب نظر إلى الممرضتين، ثم فتح الملف.
"لا يوجد أحد بهذا الاسم مسجل في هذا الجناح."
"أنتم تكذبون!! رأيتها بعينيّ!!"
اقتربت مني إحدى الممرضات… بعينين شاكّتين.
لكن في عينيها… شيء مختلف.
نظرة طويلة… حادة… ثم قالت لي:
"لكن أخبريني يا روزالين...