أوهام
الفصل السادس
"عداد الموتى"
"ربّاه... هل أنا مجنونة؟"
لا أعلم كيف بدأت الأمور تتلاشى من حولي... الجثة التي رأيتها، الدماء التي وطئتها قدماي، الورقة التي قرأتها بحروفٍ مرتجفة... كلها اختفت.
بل الأدهى، أن أخي ينظر إليّ كما لو أنني أتخيل.
كأنّ الذعر في عينيّ هو نتاج أوهامٍ صنعتها لنفسي.
"روز، أنتِ متعبة فقط... لا شيء هناك."
هكذا قال.
لكن ما لا يفهمه هو أنني رأيتُها... رأيتُ الطفلة المسجّاة أمام باب غرفتي، رأيت بياض عينيها والرغوة التي سالت من فمها. سمعت الضحكات... الضحكات الخافتة القادمة من الصالة... الضحكات التي ليست ضحكي!
عدتُ إلى غرفتي، وأخي بجانبي، يحاول تهدئتي كمن يهدّئ طفلاً بعد كابوس، دون أن يدرك أنني لا أستيقظ من كابوس، بل أعيش فيه ولربما …لن أخرج منه .
عقلي مشوش، يداي ترتجفان، نبضي يدقّ في أذني كطبول موتٍ قادم، وشيء بداخلي يهمس:
"روزالين، اللعبة بدأت من جديد."
استلقيتُ على سريري، مُحاولة أن أُقنع نفسي أن كل ما حصل كان وهماً… مجرد نوبة هلعٍ أخرى… وربما بالفعل ما عاد بايدن يملك القوة ليلعب بي كما كان يفعل.
لكن قلبي لم يصدق.
أغلقتُ عينيّ…
…
مرّت دقائق، أو ربما ساعات، لا أعلم.
حتى سمعتُ الصوت.
خربشة.
واضحة على الزجاج.
فتحتُ عينيّ دفعة واحدة.
"ليس ثانيةً..."
الصوت يتكرر… كأن شيئًا ما يَحكّ زجاج النافذة بأظافره. لا ريح. لا شجر. بل شيء حيّ.
نهضتُ ببطء. الأرضية تحت قدميّ كانت باردة، رغم أن المدفأة تعمل. اقتربتُ من النافذة…
كانت مفتوحة.
نعم… كانت مفتوحة، رغم أنني أغلقتها قبل ساعات للحظه تذكرت أنها كانت مغلقة حين كُتب عليها مخرج الموت…..هل أنا في ..!
اقتربتُ أكثر…
ثم رأيتُه.
على الزجاج من الداخل، كان مكتوبًا بخطٍ غير متوازن، كأن يدًا مرتجفة خطّته بدم أو… أو بشيءٍ أسود لزج
"بُندق، لقد بدأنا اللعبة... لا تخذليني."
تراجعتُ للوراء، فزعة.
صرخة حبستها في صدري، ودموع فزعي تسيل بلا صوت.
"لا… لا… مستحيل. لقد سُجن. قالوا لي انهم قبضوا عليه! كيف؟!"
سمعت فجأة وقع خطوات في الصالة… خطوات خفيفة… طفل؟
ثم تلاها صوت خافت… هامس… بارد:
"هل تريدين اللعب معي؟"
كان الصوت خلف الباب.
جمّدت مكاني، نظري يتنقل بين النافذة والباب المغلق.
يداي ارتفعتا لا إراديًّا لتغلق فمي.
لا يُمكن أن يكون حقيقيًّا.
أنا أتوهم، أتوهم، أتوهم!
لكن الباب… تحرّك.
مقبضه بدأ بالدوران.
أريد الصراخ… لا أستطيع.
أريد الهروب… لا أعلم إلى أين.
كليك، طرقٌ يعزف على الخشب كالصفير في المقابر
الباب يُفتح… ببطء… في عمق الليل.
ومنه… يظهر ظل.
ظِلّ شخصٍ قصير القامة، مائلٍ للأمام، رأسه مائل، كأن رقبته مكسورة… وكان… يضحك.
ضحكة رتيبة… ميتة… لكنها تعرف طريقي.
"روزالين… روزالين…"
سمعتُ اسمي يتردد بصوتٍ طفوليّ مشوّه.
فجأةً… انطفأ كل شيء.
الغرفة... الضوء... كل شيء غرق في الظلام.
كل ما كان موجودًا هو أنا… والظلّ… واسمي الذي يُقال كتهديد.
…
ثم، صوت طرقٍ عنيف على الباب.
ليس باب الغرفة… بل باب المنزل.
هل هذا… أخي لقد خرج بعد أن أغلق علي باب الغرفة؟!
ركضتُ كالمجنونة.
فتحتُ الباب الرئيسي بانفعال.
لكني لم أرَ أحدًا.
فقط… ورقة.
وكتبٌ عليها بالخط ذاته:
"جولة جديدة يا بندق. أنتِ الآن في المرحلة الثانية. اللعبة لن تنتهي... قبل أن تنتهي أنتِ."
---
أُغلِق البابُ خلفي، دون وعيٍ مني.
الرياحُ بالخارج باتت تعوي… ليست كعواء الذئاب، بل كأنينِ موتى ضائعين في الثلج.
أُحدّق في الورقة التي في يدي، أحاول أن أفهم…
هل هذا مجرد تهديد؟ أم تذكير بأنني لم أنجُ؟
"المرحلة الثانية..."
لكنني لم أخرج من الأولى بعد، لم أستفق من الكابوس الذي عشتُه منذ الطفولة.
هل اللعبة ما زالت مستمرّة؟ أم أنني… لم أستيقظ منها أبدًا؟
جففتُ دموعي بكفّي المرتجف، لكن كلماته علِقت في أذني كالإبر:
"اللعبة لن تنتهي... قبل أن تنتهي أنتِ."
عُدتُ إلى الداخل أجرّ قدميّ بصمتٍ مُنهاره. شعرتُ بأني أسير في جنازتي.
أين كريستوفر؟ ألم يكن في المنزل؟ ألم يحتضنني قبل قليل؟ لماذا خرج؟
أقسمُ أنني لم أسمع صوته بعد صراخي…
صوتٌ من المطبخ أيقظني من شرودي.
صوت سكين تُسحب من الدرج،
تجمّدتُ.
"رباه… لا تقل أن هناك أحداً آخر في المنزل!"
اقتربتُ ببطء، صوت تنفسي وحده كان فضيحة.
خطوة…
خطوتين…
ثلاثة…
لكن المطبخ كان فارغاً.
السكاكين… مكانها.
الضوء… خافت.
والبرد… لا يُطاق.
كأن شيئاً ما… كان هنا منذ لحظة فقط.
عدت أدراجي نحو غرفتي، أُحاول الهرب إلى فراشي… لكن الباب الذي كان مغلقًا، أصبح الآن مفتوحًا على آخره.
لا ريح. لا صوت.
فقط… بابٌ مفتوح يُشير لي أن أدخلي يا بندق… أدخلي وعيشي المرحلة التالية.
دخلتُ.
الفراش كما هو.
الغرفة كما تركتُها.
لكن… على وسادتي… شيءٌ لم أره من قبل.
دمية.
دمية قطنية صغيرة، ترتدي فستانًا أزرق، ولها شعرٌ أشقر مربوط بشريطتين.
كانت تشبهني، أيعقل أن تكون ؟!
اقتربتُ منها… يداي ترتجفان.
التقطتها… فسمعت صوتًا… صوتًا مألوفًا، يأتي من داخلها، كأنها تملك آلةً للتسجيل.
ضغطتُ على بطنها.
فقالت بصوتٍ مهتز:
"بُندق… أين كنتِ كل هذا الوقت؟ اشتقتُ للعب."
رمَيتُها بقوة إلى الجدار، وقلبي يكاد يخرج من صدري.
الدمية ارتطمت بالحائط، وسقطت على الأرض.
لكنها… ضحكت.
ضحكة خافتة، متقطعة… لكنّها صدَحت في رأسي كطلقِ ناريّ.
لم أعد أميّز بين الواقع والوهم.
أنا أسمع أصواتاً.
أرى أشباحًا.
أستنشق الجنون مع كل نَفَسٍ أتنفّسه.
ذهبتُ للمرآة… حدّقت في نفسي.
"من أنا؟"
هذه العيون الغارقة في السواد… ليست عيني.
هذه الشفتان المرتجفتين… ليست لي.
وجهٌ ذابل، كأنه بقايا فتاة كانت تحلم بالحياة.
أُريد أن أصرخ.
أن أوقظ العالم… أن يقول لي أحدهم إن هذا كابوس وسينتهي.
لكن الهاتف… رنّ فجأة.
جهاز الهاتف الأرضي في الصالة… رنّ.
من؟ من سيتصل في هذا الوقت؟
ترددتُ…
لكني سرتُ إليه. كل خطوة كانت حربًا مع قلبي.
وصلتُ إليه… وضعتُ السماعة على أذني… تنفست…
فقال الصوت من الطرف الآخر:
"لقد وصلتِ للنقطة التي لن تعودي منها يا بندق…
اللعبة مستمرة. هذه ليست دعوة. إنها حكم…**
حكمٌ بالإعدام… على وعيك."
ثم أُغلق الخط.
…
أغلقتُ عينيّ، وأنا أردد بصوتٍ واهن:
"اللهم لا تُرِني ما لا يُحتمل… اللهم لا تُرِني نفسي."
لكن الجواب لم يكن من السماء… بل من خلفي.
كان الباب يُفتح من جديد.
الفصل السابع
"ساعة البلعمة"
"متى كانت آخر مرة رأيت فيها نفسي… ولم أخف؟"
...
أظنني لم أعد أميز بين الكوابيس واليقظة.
الأصوات لم تعد تأتيني من الخارج فقط… بل من داخلي أيضًا.
أشعر وكأن أحدًا يسكن في رأسي… يهمس لي… يراقب كل خطوة.
أنا روزالين، نعم… لكن شيئًا ما يعيش بداخلي أيضًا.
في تلك الليلة… حين فُتح الباب خلفي بعد المكالمة… كنت أقف جامدة، لا أتحرك.
الهواء بات ثقيلاً، والضوء في السقف بدأ يومض بطريقة غريبة، كما لو أنه يحتضر.
صوت خطواتٍ صغيرة اقتربت خلفي.
ثابتة. باردة. بطيئة.
لم ألتفت… لم أجرؤ.
لكنني شعرت بها…
نفس الطفلة.
"لا تنظري يا روز… لا تنظري، أرجوكِ."
همست لنفسي.
لكن الفضول القاتل في داخلي… جعلني أستدير.
كانت هناك…
نعم، تلك الطفلة التي رأيتها على الباب قبل أن تختفي.
لكن الآن… كانت تمشي نحوي.
عيناها لا تزال بيضاء كصفحة ميتة… واللعاب المختلط بالرغوة ينساب من فمها.
ثوبها ممزق، وقدماها عاريتان تغرقان بدمٍ لا أفهم مصدره.
لكنها… تشبهني.
نفس شكل أنفي.
نفس غمازتي حين أبكي.
"من… أنتِ؟"
لم ترد.
بل رفعت يدها الصغيرة، وأشارت إلى جدارٍ خلفي.
نظرتُ… كان هناك شيء مكتوب بخطٍ ضخمٍ أحمر يشبه الدم:
"أنتِ التالية"
وأسفل الجدار… كانت هناك دمية مشنوقة من عنقها بخيطٍ رفيع.
صرختُ… لا أعلم كيف خرج الصوت مني.
ركضت… بكل قوتي.
أقدامي بالكاد تحملني.
دخلتُ الحمام… أقفلتُ الباب بالمفتاح… وتهاويتُ على الأرض.
نظرتُ إلى ذراعيّ، لأرى ما جعلني أفقد ما تبقى من صوابي:
كلمات محفورة على جلدي.
نعم، كأن أحدًا قد كتب على جلدي بخنجر…
كانت الكلمات واضحة… مرتبة:
"العزيزة بندق، اللعبة بدأت منذ ١٢ سنة… ولكن النهاية قريبة جدًا. استعدي."
...
صرختُ بأعلى صوتي، أبكي، أعضّ شفتي حتى سال الدم…
متى؟ متى سينتهي هذا الجنون؟
فتحت المياه الباردة، حاولت أن أُزيل الكلمات… لم تختفِ.
لم تكن دمًا، بل علامات محترقة تحت الجلد.
...
حين خرجتُ من الحمام، وجدتُ أخي في المنزل.
لكنني لم أركض إليه… لم أعد أثق بأي وجه.
حتى وجهه… شعرت للحظة أن عينيه ليست كما كانت.
لكنه اقترب مني… أمسك كتفي.
"روز… لقد بلغت الشرطة. سيأخذونك إلى طبيب نفسي لتطمئني، فقط لعدة أيام…"
"لا!"
صرختُ كمن رأى الموت بعينيه.
"كريس، صدقني… هناك من يلاحقني. بايدن عاد! الطفلة! اللعبة! الدمية! الدم!"
لكن نظراته كانت تُشبه نظرات الطبيب حين يُمسك المريض من معصمه ويبتسم له بابتسامة كاذبة.
مرّ أقل من ساعة، وكنت في سيارة الإسعاف… مقيدة المعصمين بلطف… لكن خلف النافذة، كنت أرى شيئًا يركض خلف السيارة.
ظلٌّ أسود… سريع… وكانت له عينان حمراوان.
[اليوم التالي – مركز إيفان كارلوف النفسي – موسكو]
تم إدخالي إلى غرفة بيضاء… جدرانها خالية… ونافذتها صغيرة… كأنهم يحاولون إخفائي عن العالم… أو إخفاء العالم عني.
كنت جالسة على السرير، أضمُّ نفسي، وعيناي لا تغلقان.
كل ليلة… كنت أراها…
الطفلة ذات العيون البيضاء…
تقترب أكثر في كل حلم…
وتهمس لي بكلمات لا أفهمها…
"يجب أن تتذكري، روز…
تتذكري تلك الليلة في المتحف…
تتذكري من كانت قبلك…
ومن ستكون بعدك."
مرّت ثلاثة أيام.
وحدث ما لم أتوقعه.
في الصباح الرابع، حين استيقظتُ، وجدت جثة على أرض غرفتي في المركز!
نعم، جثة فتاة صغيرة، بيضاء العينين، نفس الملامح…
لكنها ليست أنا.
إنها شخصٌ آخر… مجهولة.
ممرضة دخلت ورأت المشهد، صرخت… الطبيب هرع…
لكن حين عاد الجميع بعد أقل من دقيقتين…
لم تكن هناك جثة.
ولا دم.
ولا شيء.
...
وما كان على الأرض…
هو ورقة واحدة.
كُتب عليها بخطٍ طفولي:
"مرحبًا مجددًا يا بندق... نراكِ الليلة عند منتصف الليل.
لديّ لغزٌ جديد… وإجابةٌ تؤدي إلى موت.
إن أخطأتِ… ستتمنين لو أنكِ بقيتِ في المستودع القديم."
…
أغمضتُ عينيّ، وأدركت الحقيقة:
أنا لم أخرج من لعبته أبدًا…
كنت لا أزال أمسك بالورقة بين يديّ المرتجفتين.
شعرت أن الكلمات تكاد تحفر نفسها في جلدي.
لكن حين رفعتُ رأسي نحو النافذة الصغيرة في غرفة المصحة...
رأيتُه.
كان يقف هناك.
خلف الزجاج... بين الظلال...
رجل طويل... وجهه محجوب بقبعة سوداء...
عينيه لم أرهما، لكنني كنت أعرفه...
بايدن.
ابتسم.
نعم... لقد ابتسم لي.
ثم رفع يده، وأشار بإصبعه إلى جدار غرفتي.
استدرت ببطء... وقبل أن أصرخ...
رأيت جملة مكتوبة بالدم، على الحائط الأبيض الناصع:
"الخطوة التالية؟ داخل رأسك، يا بندق."
و... فجأة
انطفأت الأنوار.
الفصل السادس
"عداد الموتى"
"ربّاه... هل أنا مجنونة؟"
لا أعلم كيف بدأت الأمور تتلاشى من حولي... الجثة التي رأيتها، الدماء التي وطئتها قدماي، الورقة التي قرأتها بحروفٍ مرتجفة... كلها اختفت.
بل الأدهى، أن أخي ينظر إليّ كما لو أنني أتخيل.
كأنّ الذعر في عينيّ هو نتاج أوهامٍ صنعتها لنفسي.
"روز، أنتِ متعبة فقط... لا شيء هناك."
هكذا قال.
لكن ما لا يفهمه هو أنني رأيتُها... رأيتُ الطفلة المسجّاة أمام باب غرفتي، رأيت بياض عينيها والرغوة التي سالت من فمها. سمعت الضحكات... الضحكات الخافتة القادمة من الصالة... الضحكات التي ليست ضحكي!
عدتُ إلى غرفتي، وأخي بجانبي، يحاول تهدئتي كمن يهدّئ طفلاً بعد كابوس، دون أن يدرك أنني لا أستيقظ من كابوس، بل أعيش فيه ولربما …لن أخرج منه .
عقلي مشوش، يداي ترتجفان، نبضي يدقّ في أذني كطبول موتٍ قادم، وشيء بداخلي يهمس:
"روزالين، اللعبة بدأت من جديد."
استلقيتُ على سريري، مُحاولة أن أُقنع نفسي أن كل ما حصل كان وهماً… مجرد نوبة هلعٍ أخرى… وربما بالفعل ما عاد بايدن يملك القوة ليلعب بي كما كان يفعل.
لكن قلبي لم يصدق.
أغلقتُ عينيّ…
…
مرّت دقائق، أو ربما ساعات، لا أعلم.
حتى سمعتُ الصوت.
خربشة.
واضحة على الزجاج.
فتحتُ عينيّ دفعة واحدة.
"ليس ثانيةً..."
الصوت يتكرر… كأن شيئًا ما يَحكّ زجاج النافذة بأظافره. لا ريح. لا شجر. بل شيء حيّ.
نهضتُ ببطء. الأرضية تحت قدميّ كانت باردة، رغم أن المدفأة تعمل. اقتربتُ من النافذة…
كانت مفتوحة.
نعم… كانت مفتوحة، رغم أنني أغلقتها قبل ساعات للحظه تذكرت أنها كانت مغلقة حين كُتب عليها مخرج الموت…..هل أنا في ..!
اقتربتُ أكثر…
ثم رأيتُه.
على الزجاج من الداخل، كان مكتوبًا بخطٍ غير متوازن، كأن يدًا مرتجفة خطّته بدم أو… أو بشيءٍ أسود لزج
"بُندق، لقد بدأنا اللعبة... لا تخذليني."
تراجعتُ للوراء، فزعة.
صرخة حبستها في صدري، ودموع فزعي تسيل بلا صوت.
"لا… لا… مستحيل. لقد سُجن. قالوا لي انهم قبضوا عليه! كيف؟!"
سمعت فجأة وقع خطوات في الصالة… خطوات خفيفة… طفل؟
ثم تلاها صوت خافت… هامس… بارد:
"هل تريدين اللعب معي؟"
كان الصوت خلف الباب.
جمّدت مكاني، نظري يتنقل بين النافذة والباب المغلق.
يداي ارتفعتا لا إراديًّا لتغلق فمي.
لا يُمكن أن يكون حقيقيًّا.
أنا أتوهم، أتوهم، أتوهم!
لكن الباب… تحرّك.
مقبضه بدأ بالدوران.
أريد الصراخ… لا أستطيع.
أريد الهروب… لا أعلم إلى أين.
كليك، طرقٌ يعزف على الخشب كالصفير في المقابر
الباب يُفتح… ببطء… في عمق الليل.
ومنه… يظهر ظل.
ظِلّ شخصٍ قصير القامة، مائلٍ للأمام، رأسه مائل، كأن رقبته مكسورة… وكان… يضحك.
ضحكة رتيبة… ميتة… لكنها تعرف طريقي.
"روزالين… روزالين…"
سمعتُ اسمي يتردد بصوتٍ طفوليّ مشوّه.
فجأةً… انطفأ كل شيء.
الغرفة... الضوء... كل شيء غرق في الظلام.
كل ما كان موجودًا هو أنا… والظلّ… واسمي الذي يُقال كتهديد.
…
ثم، صوت طرقٍ عنيف على الباب.
ليس باب الغرفة… بل باب المنزل.
هل هذا… أخي لقد خرج بعد أن أغلق علي باب الغرفة؟!
ركضتُ كالمجنونة.
فتحتُ الباب الرئيسي بانفعال.
لكني لم أرَ أحدًا.
فقط… ورقة.
وكتبٌ عليها بالخط ذاته:
"جولة جديدة يا بندق. أنتِ الآن في المرحلة الثانية. اللعبة لن تنتهي... قبل أن تنتهي أنتِ."
---
أُغلِق البابُ خلفي، دون وعيٍ مني.
الرياحُ بالخارج باتت تعوي… ليست كعواء الذئاب، بل كأنينِ موتى ضائعين في الثلج.
أُحدّق في الورقة التي في يدي، أحاول أن أفهم…
هل هذا مجرد تهديد؟ أم تذكير بأنني لم أنجُ؟
"المرحلة الثانية..."
لكنني لم أخرج من الأولى بعد، لم أستفق من الكابوس الذي عشتُه منذ الطفولة.
هل اللعبة ما زالت مستمرّة؟ أم أنني… لم أستيقظ منها أبدًا؟
جففتُ دموعي بكفّي المرتجف، لكن كلماته علِقت في أذني كالإبر:
"اللعبة لن تنتهي... قبل أن تنتهي أنتِ."
عُدتُ إلى الداخل أجرّ قدميّ بصمتٍ مُنهاره. شعرتُ بأني أسير في جنازتي.
أين كريستوفر؟ ألم يكن في المنزل؟ ألم يحتضنني قبل قليل؟ لماذا خرج؟
أقسمُ أنني لم أسمع صوته بعد صراخي…
صوتٌ من المطبخ أيقظني من شرودي.
صوت سكين تُسحب من الدرج،
تجمّدتُ.
"رباه… لا تقل أن هناك أحداً آخر في المنزل!"
اقتربتُ ببطء، صوت تنفسي وحده كان فضيحة.
خطوة…
خطوتين…
ثلاثة…
لكن المطبخ كان فارغاً.
السكاكين… مكانها.
الضوء… خافت.
والبرد… لا يُطاق.
كأن شيئاً ما… كان هنا منذ لحظة فقط.
عدت أدراجي نحو غرفتي، أُحاول الهرب إلى فراشي… لكن الباب الذي كان مغلقًا، أصبح الآن مفتوحًا على آخره.
لا ريح. لا صوت.
فقط… بابٌ مفتوح يُشير لي أن أدخلي يا بندق… أدخلي وعيشي المرحلة التالية.
دخلتُ.
الفراش كما هو.
الغرفة كما تركتُها.
لكن… على وسادتي… شيءٌ لم أره من قبل.
دمية.
دمية قطنية صغيرة، ترتدي فستانًا أزرق، ولها شعرٌ أشقر مربوط بشريطتين.
كانت تشبهني، أيعقل أن تكون ؟!
اقتربتُ منها… يداي ترتجفان.
التقطتها… فسمعت صوتًا… صوتًا مألوفًا، يأتي من داخلها، كأنها تملك آلةً للتسجيل.
ضغطتُ على بطنها.
فقالت بصوتٍ مهتز:
"بُندق… أين كنتِ كل هذا الوقت؟ اشتقتُ للعب."
رمَيتُها بقوة إلى الجدار، وقلبي يكاد يخرج من صدري.
الدمية ارتطمت بالحائط، وسقطت على الأرض.
لكنها… ضحكت.
ضحكة خافتة، متقطعة… لكنّها صدَحت في رأسي كطلقِ ناريّ.
لم أعد أميّز بين الواقع والوهم.
أنا أسمع أصواتاً.
أرى أشباحًا.
أستنشق الجنون مع كل نَفَسٍ أتنفّسه.
ذهبتُ للمرآة… حدّقت في نفسي.
"من أنا؟"
هذه العيون الغارقة في السواد… ليست عيني.
هذه الشفتان المرتجفتين… ليست لي.
وجهٌ ذابل، كأنه بقايا فتاة كانت تحلم بالحياة.
أُريد أن أصرخ.
أن أوقظ العالم… أن يقول لي أحدهم إن هذا كابوس وسينتهي.
لكن الهاتف… رنّ فجأة.
جهاز الهاتف الأرضي في الصالة… رنّ.
من؟ من سيتصل في هذا الوقت؟
ترددتُ…
لكني سرتُ إليه. كل خطوة كانت حربًا مع قلبي.
وصلتُ إليه… وضعتُ السماعة على أذني… تنفست…
فقال الصوت من الطرف الآخر:
"لقد وصلتِ للنقطة التي لن تعودي منها يا بندق…
اللعبة مستمرة. هذه ليست دعوة. إنها حكم…**
حكمٌ بالإعدام… على وعيك."
ثم أُغلق الخط.
…
أغلقتُ عينيّ، وأنا أردد بصوتٍ واهن:
"اللهم لا تُرِني ما لا يُحتمل… اللهم لا تُرِني نفسي."
لكن الجواب لم يكن من السماء… بل من خلفي.
كان الباب يُفتح من جديد.
الفصل السابع
"ساعة البلعمة"
"متى كانت آخر مرة رأيت فيها نفسي… ولم أخف؟"
...
أظنني لم أعد أميز بين الكوابيس واليقظة.
الأصوات لم تعد تأتيني من الخارج فقط… بل من داخلي أيضًا.
أشعر وكأن أحدًا يسكن في رأسي… يهمس لي… يراقب كل خطوة.
أنا روزالين، نعم… لكن شيئًا ما يعيش بداخلي أيضًا.
في تلك الليلة… حين فُتح الباب خلفي بعد المكالمة… كنت أقف جامدة، لا أتحرك.
الهواء بات ثقيلاً، والضوء في السقف بدأ يومض بطريقة غريبة، كما لو أنه يحتضر.
صوت خطواتٍ صغيرة اقتربت خلفي.
ثابتة. باردة. بطيئة.
لم ألتفت… لم أجرؤ.
لكنني شعرت بها…
نفس الطفلة.
"لا تنظري يا روز… لا تنظري، أرجوكِ."
همست لنفسي.
لكن الفضول القاتل في داخلي… جعلني أستدير.
كانت هناك…
نعم، تلك الطفلة التي رأيتها على الباب قبل أن تختفي.
لكن الآن… كانت تمشي نحوي.
عيناها لا تزال بيضاء كصفحة ميتة… واللعاب المختلط بالرغوة ينساب من فمها.
ثوبها ممزق، وقدماها عاريتان تغرقان بدمٍ لا أفهم مصدره.
لكنها… تشبهني.
نفس شكل أنفي.
نفس غمازتي حين أبكي.
"من… أنتِ؟"
لم ترد.
بل رفعت يدها الصغيرة، وأشارت إلى جدارٍ خلفي.
نظرتُ… كان هناك شيء مكتوب بخطٍ ضخمٍ أحمر يشبه الدم:
"أنتِ التالية"
وأسفل الجدار… كانت هناك دمية مشنوقة من عنقها بخيطٍ رفيع.
صرختُ… لا أعلم كيف خرج الصوت مني.
ركضت… بكل قوتي.
أقدامي بالكاد تحملني.
دخلتُ الحمام… أقفلتُ الباب بالمفتاح… وتهاويتُ على الأرض.
نظرتُ إلى ذراعيّ، لأرى ما جعلني أفقد ما تبقى من صوابي:
كلمات محفورة على جلدي.
نعم، كأن أحدًا قد كتب على جلدي بخنجر…
كانت الكلمات واضحة… مرتبة:
"العزيزة بندق، اللعبة بدأت منذ ١٢ سنة… ولكن النهاية قريبة جدًا. استعدي."
...
صرختُ بأعلى صوتي، أبكي، أعضّ شفتي حتى سال الدم…
متى؟ متى سينتهي هذا الجنون؟
فتحت المياه الباردة، حاولت أن أُزيل الكلمات… لم تختفِ.
لم تكن دمًا، بل علامات محترقة تحت الجلد.
...
حين خرجتُ من الحمام، وجدتُ أخي في المنزل.
لكنني لم أركض إليه… لم أعد أثق بأي وجه.
حتى وجهه… شعرت للحظة أن عينيه ليست كما كانت.
لكنه اقترب مني… أمسك كتفي.
"روز… لقد بلغت الشرطة. سيأخذونك إلى طبيب نفسي لتطمئني، فقط لعدة أيام…"
"لا!"
صرختُ كمن رأى الموت بعينيه.
"كريس، صدقني… هناك من يلاحقني. بايدن عاد! الطفلة! اللعبة! الدمية! الدم!"
لكن نظراته كانت تُشبه نظرات الطبيب حين يُمسك المريض من معصمه ويبتسم له بابتسامة كاذبة.
مرّ أقل من ساعة، وكنت في سيارة الإسعاف… مقيدة المعصمين بلطف… لكن خلف النافذة، كنت أرى شيئًا يركض خلف السيارة.
ظلٌّ أسود… سريع… وكانت له عينان حمراوان.
[اليوم التالي – مركز إيفان كارلوف النفسي – موسكو]
تم إدخالي إلى غرفة بيضاء… جدرانها خالية… ونافذتها صغيرة… كأنهم يحاولون إخفائي عن العالم… أو إخفاء العالم عني.
كنت جالسة على السرير، أضمُّ نفسي، وعيناي لا تغلقان.
كل ليلة… كنت أراها…
الطفلة ذات العيون البيضاء…
تقترب أكثر في كل حلم…
وتهمس لي بكلمات لا أفهمها…
"يجب أن تتذكري، روز…
تتذكري تلك الليلة في المتحف…
تتذكري من كانت قبلك…
ومن ستكون بعدك."
مرّت ثلاثة أيام.
وحدث ما لم أتوقعه.
في الصباح الرابع، حين استيقظتُ، وجدت جثة على أرض غرفتي في المركز!
نعم، جثة فتاة صغيرة، بيضاء العينين، نفس الملامح…
لكنها ليست أنا.
إنها شخصٌ آخر… مجهولة.
ممرضة دخلت ورأت المشهد، صرخت… الطبيب هرع…
لكن حين عاد الجميع بعد أقل من دقيقتين…
لم تكن هناك جثة.
ولا دم.
ولا شيء.
...
وما كان على الأرض…
هو ورقة واحدة.
كُتب عليها بخطٍ طفولي:
"مرحبًا مجددًا يا بندق... نراكِ الليلة عند منتصف الليل.
لديّ لغزٌ جديد… وإجابةٌ تؤدي إلى موت.
إن أخطأتِ… ستتمنين لو أنكِ بقيتِ في المستودع القديم."
…
أغمضتُ عينيّ، وأدركت الحقيقة:
أنا لم أخرج من لعبته أبدًا…
كنت لا أزال أمسك بالورقة بين يديّ المرتجفتين.
شعرت أن الكلمات تكاد تحفر نفسها في جلدي.
لكن حين رفعتُ رأسي نحو النافذة الصغيرة في غرفة المصحة...
رأيتُه.
كان يقف هناك.
خلف الزجاج... بين الظلال...
رجل طويل... وجهه محجوب بقبعة سوداء...
عينيه لم أرهما، لكنني كنت أعرفه...
بايدن.
ابتسم.
نعم... لقد ابتسم لي.
ثم رفع يده، وأشار بإصبعه إلى جدار غرفتي.
استدرت ببطء... وقبل أن أصرخ...
رأيت جملة مكتوبة بالدم، على الحائط الأبيض الناصع:
"الخطوة التالية؟ داخل رأسك، يا بندق."
و... فجأة
انطفأت الأنوار.