غرائب وعجائب - عالم الاشباح - بقلم عقيل السعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: غرائب وعجائب
المؤلف / الكاتب: عقيل السعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: عالم الاشباح

عالم الاشباح

لم يكن الموت هو النهاية كما كان يظن الجميع، لكنه أيضًا لم يكن بداية جديدة كما تحكي القصص. كان شيئًا بين الاثنين، منطقة رمادية لا يعترف بها الأحياء ولا يستطيع الراحلون مغادرتها بسهولة. هذا ما اكتشفه ياسر في اللحظة التي استيقظ فيها ولم يتعرف على المكان من حوله، رغم أنه بدا مألوفًا بشكل مؤلم. فتح عينيه على مدينة تشبه مدينته تمامًا، نفس الشوارع، نفس المباني، لكن بلا ضجيج. لا سيارات، لا أصوات بشر، فقط هواء بارد يتحرك ببطء، وكأنه يتنفس. حاول أن يصرخ، لكن صوته خرج خافتًا، كأنه صدى بعيد. عندما نظر إلى يديه، لاحظ أن ملامحهما باهتة، وكأن الضوء يمر من خلالهما. بدأ الخوف يتسلل إليه، لكنه لم يفهم ما الذي حدث. آخر ما يتذكره هو أنه كان يعبر الطريق ليلًا، ضوء قوي، ثم لا شيء. لم يشعر بألم، فقط فراغ. والآن، ها هو هنا، في عالم يشبه الحياة لكنه خالٍ منها. بينما كان يسير بلا هدف، بدأ يلاحظ ظلالًا تتحرك في أطراف رؤيته. أشباح، بأشكال مختلفة، بعضها واضح، وبعضها بالكاد يُرى. لم تكن كلها مخيفة، بل حزينة. وجوه جامدة، عيون فارغة، وأجساد تتحرك وكأنها نسيت سبب وجودها. حاول الاقتراب من أحدهم، لكن الشبح مرّ من خلاله دون أن يلاحظ وجوده. بعد وقت لا يعرف طوله، سمع صوتًا واضحًا يناديه باسمه. التفت بسرعة، فرأى فتاة تقف خلفه. كانت مختلفة عن الآخرين، ملامحها أكثر وضوحًا، ونظرتها مليئة بالوعي. أخبرته أن اسمها نور، وأنه دخل “عالم الأشباح”، المكان الذي يعلق فيه من لم يُكمل شيئًا في حياته، أو من لم يفهم موته بعد. قالت له إن هذا العالم يتغذى على الذكريات، وكل شبح يبقى فيه يذوب تدريجيًا حتى يتحول إلى ظل بلا عقل، يكرر نفس الحركات للأبد. الطريقة الوحيدة للخروج هي التذكر… أو القبول. قادته نور عبر أماكن لم يكن يعلم أنها موجودة في هذا العالم. مدارس مهجورة مليئة بأصوات ضحك قديم، مستشفيات بلا مرضى لكن مليئة بالأنين، بيوت ساكنة تحوي لحظات لم تُعش حتى النهاية. كل مكان كان مرتبطًا بروحٍ ما، وكل روح كانت تحمل قصة لم تُغلق. بدأ ياسر يرى ذكرياته تتجسد أمامه. مواقف تجاهلها، كلمات لم يقلها، أشخاص ابتعد عنهم دون سبب. فهم أن الأشباح لا تُحبس بسبب الموت، بل بسبب الندم. ومع كل ذكرى يواجهها، كان يشعر بشيء يعود إليه، كأن ثقله يخف. لكن العالم لم يكن مسالمًا دائمًا. في أعماقه، وُجد كيان غريب، يُسمّى “الجامع”، لا يُرى بوضوح، لكنه يُحس. كان يجمع الأشباح التي فقدت ذاكرتها، ويحوّلها إلى طاقة تُبقي هذا العالم قائمًا. كلما طال بقاء الأرواح، زادت قوته، وأصبح الخروج أصعب. نور كانت تحاول الرحيل منذ زمن، لكنها لم تستطع. أخبرته أن الأحياء أحيانًا يستطيعون لمس هذا العالم في الأحلام، أو في لحظات ضعف الروح، لكن الأشباح وحدهم يعرفون حقيقته. ياسر، رغم موته، كان مختلفًا… لأنه لم يستسلم بعد. مع مرور الوقت، بدأت نور تبهت. أخبرته أن بقاءه قريبًا منها يُسرّع ذوبانها، لأنها بدأت تتذكر أكثر مما يجب. أدرك ياسر أن الخروج قد يكون ممكنًا له وحده، لكنه لا يريد الرحيل وتركها. في لحظة صمت طويلة، فهم الحقيقة القاسية. ليس كل الأشباح خُلقت لتعود، وبعضهم خُلق فقط ليُذكّر الآخرين بما يجب ألا يُنسى. اختارت نور أن تبقى، لا خوفًا، بل لتمنع “الجامع” من السيطرة على المزيد من الأرواح، بأن توقظهم، واحدًا تلو الآخر. وقف ياسر في المكان الذي بدأ فيه كل شيء. تذكّر حياته، أخطاءه، وأمنياته غير المكتملة. لم يطلب فرصة ثانية، بل اعترف بنهايته. وفي تلك اللحظة، بدأ العالم من حوله يتشقق، لا كتحطم، بل كفتح باب. استيقظ ياسر في المستشفى، أنفاسه متقطعة، والأصوات تعود تدريجيًا. قال الأطباء إن نجاته كانت مستحيلة، وإنه كان “بين الحياة والموت”. لكنه كان يعرف الحقيقة. مرت سنوات، ولم ينسَ عالم الأشباح. أحيانًا، في لحظات الصمت، كان يشعر بنسمة باردة، أو يرى ظلًا يبتسم ثم يختفي. لم يعد يخاف من الموت، لكنه أصبح يخاف من النسيان. وفي عالمٍ لا يراه الأحياء، كانت نور تقف، تراقب، وتبتسم، لأن بعض الأشباح لا تبحث عن الخلاص… بل عن المعنى.