سحر اسود
لم يكن أحد في قرية “الغُصون” يحب نطق كلمة السحر، وكأن مجرد لفظها قد يستدعي شيئًا لا يُرى. كانت القرية صغيرة، محاطة بالغابات من كل الجهات، تعيش على ضوء الشمس، وتنام مبكرًا، وتؤمن أن الجهل أحيانًا أرحم من المعرفة. لكن في أعماق تلك الغابة، حيث لا يصل الضوء كاملًا، كان هناك كوخ قديم، مهجور في الظاهر، حيّ في الحقيقة.
ليان لم تكن تؤمن بالخرافات، كانت ترى العالم بعين مختلفة، مليئة بالأسئلة. جاءت إلى القرية مع عائلتها بعد وفاة جدتها، ولم تكن تعلم أن تلك الجدة كانت آخر من يعرف الحقيقة كاملة. في الليلة الأولى، وجدت ليان صندوقًا خشبيًا أسود تحت أرضية الغرفة، بلا قفل، لكنه ثقيل كأنه يحمل سرًا أقدم من المكان نفسه.
داخل الصندوق، كتاب.
جلده داكن، صفحاته صفراء، والكتابة فيه ليست بالحبر، بل بشيء يشبه الظل. عندما لمسته، شعرت ببرودة غريبة تسري في يدها، لكن فضولها كان أقوى من الخوف. في الصفحة الأولى، كُتبت جملة واحدة:
“السحر الأسود لا يُستخدم… هو يستخدمك”.
بدأت الأحداث تتغير ببطء، كأن العالم يراقبها. أحلام ليان أصبحت أوضح من الواقع، ترى وجوهًا لا تعرفها، تسمع همسات تنادي اسمها. كانت الغابة تبدو أقرب كل يوم، أشجارها تميل، ظلالها تطول، وكأنها تنتظر شيئًا.
اكتشفت ليان أن الكتاب لا يفتح إلا لها، وأنه لا يعطي تعاويذ مباشرة، بل أفكارًا، رغبات، ووعودًا. لم يكن السحر الأسود نارًا أو صواعق، بل همسًا يقنعك أنك على حق. بدأت باستخدامه دون أن تشعر… أمنية صغيرة هنا، دعاء مظلم هناك، وكل مرة يتحقق شيء، يختفي شيء آخر.
القرية بدأت تتغير. الناس أصبحوا أكثر توترًا، الابتسامات نادرة، والليل أطول من المعتاد. ظهرت علامات غريبة على الجدران، رموز لا يعرفها أحد، لكنها مألوفة لليان الآن. كانت تعرفها… دون أن تتعلمها.
في إحدى الليالي، ظهرت امرأة في الغابة، مغطاة بالسواد، لا يُرى من وجهها سوى عينيها. أخبرتها بالحقيقة التي حاول الجميع دفنها:
السحر الأسود ليس قوة، بل عقد.
كل من يستخدمه، يترك جزءًا من روحه في الظل، ومع الوقت، يصبح الظل هو المسيطر.
علمت ليان أن جدتها كانت حارسة، شخصًا يوازن بين العالمين، وأن الكتاب لم يكن يجب أن يُفتح أبدًا. لكن الأوان كان قد فات. الكيان الذي يسكن السحر استيقظ، لا شكل له، لا اسم، لكنه يتغذى على الخوف والطمع والرغبات المكبوتة.
حاولت ليان التراجع، لكن السحر لا يعرف العودة. كل محاولة للإصلاح جعلت الأمور أسوأ. الغابة بدأت تقترب من القرية، البيوت تتشقق، والناس يمرضون دون سبب. الكيان أراد الخروج… أراد العبور الكامل.
في اللحظة الحاسمة، فهمت ليان الدرس القاسي. السحر الأسود لا يُهزم بالقوة، بل بالرفض. قررت أن تنهي العقد، لا بتدمير الكتاب، بل بالتضحية بما يريده السحر أكثر من أي شيء… السيطرة.
فتحت الكتاب للمرة الأخيرة، وكتبت بيدها جملة لم تكن موجودة:
“أنت لست سيدًا، بل ذكرى”.
أضاء الظل، ثم انكمش، الغابة سكنت، والكتاب تحول إلى رماد بارد. لم تختفِ ليان، لكنها لم تعد كما كانت. جزء منها بقي هناك، يراقب، يحرس، يتأكد أن السحر الأسود لن يُغري أحدًا مرة أخرى.
عادت القرية إلى هدوئها، لكن الناس لم ينسوا. تعلموا أن بعض الأبواب يجب أن تبقى مغلقة، وأن القوة التي تأتي بلا ثمن… غالبًا ما تأخذ كل شيء.
وفي الغابة، حيث كان الكوخ، لم يبقَ سوى صمت ثقيل، وصدى همسة قديمة تحذر كل من يقترب:
السحر الأسود…
لا يُنسى.