يد العون
كانت صدمة اكتشاف السقف المُتضرر قاسية على أحمد. وقف مُتسمرًا في مكانه، يُحدق في الثقوب الكبيرة التي تُهدد حلمه بالانهيار. كيف سيُصلح كل هذا؟ ومن أين سيأتي بالمال اللازم للترميم؟ كانت تكلفة إصلاح السقف باهظة، تفوق كل مدخراته، وتتطلب مهارات خاصة لا يملكها.
حاول أحمد الاتصال ببعض شركات المقاولات، لكن عروض الأسعار التي تلقاها كانت فلكية، تُحطم كل آماله. جلس على أحد الكراسي القديمة، يُفكر بيأس. هل استسلم مبكرًا؟ هل كان حلم والده مُستحيل التحقيق فعلًا؟
في تلك اللحظة، سمع صوتًا رقيقًا يناديه من خلفه: "هل تحتاج إلى مساعدة؟"
التفت أحمد ليجد فتاة تقف عند باب المقهى، تحمل في يدها حقيبة أدوات، وعلى وجهها ابتسامة ودودة. كانت شابة في أواخر العشرينيات، ذات ملامح جذابة، وعينين تُشعّان ذكاءً وحيوية.
"من أنتِ؟" سأل أحمد باستغراب.
"أنا نور، مصممة ديكور. رأيتك تدخل إلى هنا أكثر من مرة، فظننت أنك تُفكر في إعادة فتح المقهى."
"هذا صحيح، لكن..."
قاطعته نور: "لكن السقف كارثة، أليس كذلك؟"
نظر أحمد إلى نور بدهشة. "كيف عرفتِ؟"
ابتسمت نور، وقالت: "لديّ عينٌ جيدة، وأُحب ترميم المباني القديمة. ما رأيك أن أُلقي نظرة؟"
دخلت نور إلى المقهى، وبدأت تتفحص السقف بعناية. تسلقت سلمًا قديمًا كان مُلقى في أحد الأركان، وراحت تُعاين الضرر عن قرب.
"الأمر ليس سهلًا، لكنه ليس مُستحيلًا أيضًا." قالت نور بعد معاينة دقيقة، "سنحتاج إلى دعامات جديدة، وبعض الأخشاب القوية، وربما..."
"ربما ماذا؟" سأل أحمد بترقب.
"ربما نحتاج إلى مساعدة عم صالح."
"عم صالح؟ ومن يكون عم صالح هذا؟"
"كان يعمل هنا مع والدك، رحمه الله. كان بمثابة يده اليُمنى، ويعرف كل خبايا هذا المكان. أتذكر أنه كان ماهرًا في النجارة أيضًا."
شعاعٌ من الأمل سطع في قلب أحمد. "هل تعتقدين أنه لا يزال على قيد الحياة؟"
"نعم، أعتقد ذلك. آخر مرة رأيته فيها كانت قبل عامين، كان يعمل في محل صغير للنجارة في الحي القديم. ما رأيك أن نبحث عنه؟"
لم يتردد أحمد لحظة واحدة. "هيا بنا!"
خرج أحمد ونور من المقهى، وتوجها إلى الحي القديم، حيث كان يعيش عم صالح. سألا عنه في كل مكان، حتى دلهما أحد أصحاب المحلات على ورشته الصغيرة.
كانت ورشة عم صالح متواضعة، تملؤها رائحة الخشب، وأصوات المنشار والمطرقة. وجدا رجلًا سبعينيًا، ذو لحية بيضاء كثيفة، ووجهٍ مليء بالتجاعيد التي تُشبه خطوط الزمن. كان يعمل على قطعة خشبية بدقةٍ ومهارة، وكأنه ينحت تحفة فنية.
"عم صالح؟" نادته نور.
رفع الرجل رأسه، ونظر إليهما بعينين ضعيفتين. "نور؟ يا ابنتي، ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟"
"جئنا نسأل عنك يا عم صالح، ونطلب مساعدتك."
"مساعدتي؟ في ماذا؟"
روت نور لعم صالح قصة أحمد، وحلمه بإعادة فتح مقهى والده. تحدثت عن السقف المُتضرر، وعن حاجتهم إلى خبرته في الترميم.
استمع عم صالح إلى القصة باهتمام، ثم نظر إلى أحمد، وقال: "هل أنت ابن محمود، صاحب مقهى الأماني؟"
"نعم يا عم صالح، أنا أحمد."
ابتسم عم صالح ابتسامة دافئة، وقال: "لقد كبرت يا أحمد، آخر مرة رأيتك فيها كنت طفلًا صغيرًا تُشاغب في المقهى."
تأثر أحمد من كلمات عم صالح، وشعر وكأنه وجد قطعة أخرى من لغز الماضي.
"هل ستُساعدنا يا عم صالح؟" سألته نور.
"وهل يُمكنني أن أرفض طلبًا لإحياء ذكرى محمود؟" قال عم صالح بحماس، "سأُساعدكما بكل ما أستطيع."
عاد الثلاثة إلى المقهى، وبدأ عم صالح في معاينة السقف مع نور. تبادلا أطراف الحديث، وناقشا خطة العمل، وكيفية ترميم السقف بأقل تكلفة مُمكنة.
"سنحتاج إلى بعض المواد، وربما بعض الأيدي العاملة." قال عم صالح بعد تفكير.
"لا تقلق يا عم صالح، سأُساعدك بكل ما أملك." قال أحمد بحماس.
"وأنا أيضًا سأكون معكما." أضافت نور.
شعر أحمد بامتنانٍ كبير لنور وعم صالح. لم يكونا مُجرد مُساعدين، بل أصبحا شريكين في حلمه، يُشاركونه شغفه، ويُؤمنان برؤيته.
بدأ العمل في اليوم التالي، بنشاطٍ وحماس. أحضر عم صالح أدواته، وبدأ في تعليم أحمد أصول النجارة. كانت نور تُشرف على التصميم، وتُضفي لمساتها الفنية على المكان. كانت تُفكر في كل التفاصيل، من ألوان الجدران إلى نوعية الإضاءة، وكيفية مزج الطابع القديم مع اللمسات العصرية.
كانت أيام العمل طويلة وشاقة، لكنها كانت مليئة بالمتعة والإنجاز. كان أحمد يشعر بسعادةٍ غامرة وهو يرى حلم والده يتحقق شيئًا فشيئًا.
وبينما كان أحمد يُزيل إحدى الدعامات القديمة، اكتشف وجود تجويف سري مخبأ في أحد جدران المحل. تُرى، ما الذي يُخفيه هذا التجويف؟ وهل سيُؤثر اكتشافه على سير العمل في المقهى؟