بيننا خيط لا ينقطع - الفصل السادس عشر بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس عشر بعد المئة

الفصل السادس عشر بعد المئة

" the writer Aridj " . . . وبعد اتصالات متكررة من أم وعد تخبرھم بأن عليھم العودة فقد تغير موعد رحلتھم وعليھم الاسراع . قامت كلٌّ منهما وودّعت الأخرى و خرجت وعد وتالين، بينما عادت أماني لتجلس من جديد في لحظات صامتة مع نفسھا . مرّت دقائق قليلة، شعرت خلالها بتعب مفاجئ يجتاح جسدها. نهضت بهدوء، رفعت حقيبتها، وغادرت المكان بخطواتٍ متثاقلة. وصلت إلى سيارتها، مدت يدها إلى مقبض الباب، صعدت، وأغلقت الباب خلفها كأنها تُغلق على نفسها العالم كله. أدارت المحرك، وانطلقت تشق الطريق نحو المنزل، والطريق كعادته بدا أطول مما هو عليه. أخيرًا وصلت. أوقفت سيارتها داخل فناء الفيلا، ترجلت، التفتت لا إراديًا، فرأت سيارة رسيم وبجانبها سيارة أخرى. لم تدقق كثيرًا، لم يكن لديها طاقة للتفكير، فاكتفت بالدخول. ومن الداخل، تسللت إلى أذنها أصوات حديث… أصوات رجالية قادمة من المجلس. بدا أن أحدهم عند والدها. لم تهتم، وواصلت طريقها، لكن رسيم خرج من المطبخ وناداها /هلا بأماني التفتت إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مألوفة /أهلين بالغالي، كيفك؟ اقترب قليلًا وقال بحنانٍ واضح /تمام… إنتِ اللي طمنيني عنك، صرنا ما نشوفك. أجابت بخفةٍ تحاول أن تخفي إرهاقها /بخير بخير، منشغلة هالأيام مثل ما تعرف… يلا سلام، طالعة أنام. كان يريد أن يسأل أكثر عن أخبرھا لكنھا تبدوا متعبة فرحمھا .....تذكر أمرا .....ھل يسأل ام لا ؟....نيته لا تشوبھا شائبة فقط يريد لإطمئنان .....أقنع نفسه: بسؤال زميل مهنة… لا أكثر ولا أقل. قال بهدوء / أماني التفتت مرة أخرى، كانت قد وصلت الدرجة الثالثة من السلم /سم. سألها مستفسرًا /وعد ما خبرتك إذا راح ترجع للمستشفى؟ ولا لسا مطوّلة؟ لم تستغرب السؤال، فهذه عادة رسيم إن غابت وعد عن دوامها لكنھا أول فتاة يسأل عنھا رسيم فھو عادة لا يعير كل ھذا الاھتمام /ممكن بعد أسبوعين… هالأسبوع رايحين للشرقية، والأسبوع اللي بعده ممكن تكون ملكتها، ما أدري، مو متأكدة… بس اللي متأكدة منه رحلتهم للشرقية هالأسبوع. أومأ برأسه بصمت وابتسم ، ومضى في طريقه، بينما أكملت هي صعودها إلى غرفتها. لكن… وقبل أن تفتح الباب، سمعته. ذلك الصوت. صوتٌ تعرفه جيدًا… أكثر مما ينبغي. فتحت الباب، رمت حقيبتها بلا اكتراث، وعادت أدراجها بسرعة. وجدته واقفًا بجانب رسيم، ووالدتها تتحدث معهما. كل ما يرتديه يليق به. أنيق، مرتب، حضوره طاغٍ دون أن يتكلف و عطره يزاحم ذرات الأوكسجين في الجو. ابتسمت وقالت بنبرةٍ مازحة /شوفوا مين عندنا في البيت. التفت إلى مصدر الصوت، وابتسم ابتسامة يعرفها قلبها جيدًا /أهلين ببنت خالي المفضلة. تنحنح رسيم وهو يضحك /أنا هنا، استحي على حالك واحترمني. ضحكوا جميعًا، وقال عبدالرحمن /ما حكينا شي، فكّنا ياخي! ضحكت أماني ونزلت لتقف بجانب والدتها. قال رسيم /يلا يا جماعة، عندي عمل بالمستشفى… سلام أخوي، وسلم لي على عمتي. رد عبدالرحمن بابتسامة /ان شاء الله و بحفظ الرحمن. قبّل رسيم رأس والدته، وودّع أماني، ثم خرج. وبعد ان غادر قالت أم رسيم /وين رحيم؟ ليش ما جا معك؟ لم يُرد عبدالرحمن أن يضع اللوم على أحد. يعرف أن أخاه أخطأ، ويعرف أن أماني لم تُقصّر، بل فعلت أكثر مما يلزم. ابتسم وقال /مشغول شوي، وأول ما يلقى وقت بيجي إن شاء الله. ام رسيم /بإذن الله… اليوم ما عندك عذر، عشاك عندنا. ابتسم وقال /بس اليوم أنا جاي آخذ أماني لمدينة الألعاب ولأي مكان تختاره. هي توظفت وحققت حلمها، وأنا قصّرت معها… لا هدية ولا شي. ابتسمت أماني، وقالت في سرّها .... زوجته المستقبلية ستكون محظوظة بهذا الرجل… رجل يحترم المرأة، يعطيها حقها، ويُعلي شأنها. قالت بخجل /بس… قاطعها بھدوء وابتسامة جانبية جذابة /بدون بس. اعتبريها هدية مني، مع إنك تستاهلين الأفضل… وأتمنى ما ترفضين. التفتت إلى والدتها /أقدر أروح؟ رفعت أم رسيم يديها /وتسأليني أنا؟ ليش ما سألتي أخوك يوم كان هنا؟ قالت أماني بتذمرٍ /دايم تصعّبون المواضيع… خلاص خلاص، بسأل أبوي. بس إذا سألت أبوي بيقول: إذا أمك موافقة روحي، وإذا سألتك إنتِ تقولين اسألي رسيم… الله يصبرني وبس. ضحك عبدالرحمن /خلّيهم عليّ. ما راح يرفضون إذا قلت لهم إنك معي، مشوار صغير وبس. ابتسمت /إذا هيك… رايحة أتجهز. صعدت أماني إلى غرفتها، بينما اتصل عبدالرحمن بخاله ورسيم ليطلب الموافقة. وافق خاله بعد محاولات. لم يكن الأمر سهلًا، لكن عبدالرحمن… حين يتكلم، يُقنع.لا يتكلم لمجرد الكلام.كلامه بليغ، موزون، فإذا التقت وجهة نظره بوجهة نظرٍ أخرى خاطئة، يقودك للأصح دون أن تشعر. لم يكن من الذين يستخدمون العنف أو القوة في كل موقف ، رغم بنيته الرياضية الممتازة.كان يستخدم العقل… والرجاحة. خريج اسبانيا — ولم يُقل ذلك عبثًا. إذا قالوا مثقف، اكتفوا باسمه. وإذا قالوا احترام، ذُكر في رأس القائمة. يصعب على اللسان وصف رجلٍ قد تجده مرة كل مئة عام… وقد لا يتكرر. وهذا الطبع لم يكن غريبًا عن بعض أفراد عائلة أماني: رسيم، عبدالرحمن ...وما أكثرھم فعائلتھم كبيرة ولقائتھم قليلة؛ فأغلبهم لم يدرس في السعودية.بل اختاروا الدول الأوروبية خيارًا للتعلّم، لا هربًا من المكان، بل بحثًا عن أفقٍ أوسع، وعن معرفةٍ تبنى ولا تحاط لا بجدران رديئة. شدّوا الرحال إلى مدنٍ بعيدة، حيث الشوارع تتنفس تاريخًا، والجامعات لا تُعلّم العلم فقط، بل تُهذّب الفكر، وتدرّب العقل على السؤال قبل الجواب. هناك، تعلّموا أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يفهم، ولا يُعرَف بعلو صوته، بل بعمق فكرته. عاشوا بين ثقافاتٍ مختلفة، سمعوا لغاتٍ لا تشبه لغتهم،عايشوا المسلم والبوذي والمسيحي والكثير ، لكنهم وجدوا في الاختلاف ثراءً، وفي التنوّع اتساعًا للنظر. عادوا....ولكن لم يعود بجعبة فارغة....عادوا وهم يحملون شيئًا مختلفًا في ملامحهم: هدوءٌ لا يُفسَّر، رجاحةٌ في الرأي، واحترامٌ للآخر لا يحتاج إلى استعراض. لم تكن إسبانيا،ألمانيا ،فرنسا وإيطاليا مجرد محطة دراسة، بل كانت فصلًا صامتًا في تشكيل شخصياتهم، ترك أثره في طريقة حديثهم، وفي نظرتهم للحياة، وفي قدرتهم على الإصغاء قبل الحكم. ولهذا… حين تجلس معهم، تشعر أن كلماتهم مرتّبة كما لو أنها خرجت من عقلٍ يعرف أين يضع الفكرة، ومتى يترك الصمت يتكلم. وحين يُذكر اسمهم، يُذكر معه الاتزان، وكأن الغربة علّمتهم أن الإنسان الحقيقي لا يحتاج أن يثبت نفسه فقط نظرة واحدة.....