الفصل السابع: أعمال لا تُرى
لم يكن الفقر حدثًا مفاجئًا في حياة ياسين، بل صار نظامًا يوميًّا، يُدار بالصمت ويُحتمل دون شكوى. استيقاظ مبكر، عمل طويل، وعودة متعبة إلى بيت لم يعد فيه فائض كلام ولا فائض أمل، بل ما يكفي فقط للاستمرار.
عمل في السوق حمّالًا، يحمل صناديق لا يسأل عمّا بداخلها، ولا يسأل أحد عن اسمه. كان الناس يمرّون قربه كما يمرّون قرب جدار قديم: يرونه، لكنهم لا ينتبهون له. وفي ورش صغيرة، كان يمسك الأدوات الثقيلة، يصلّح ما يفسده الآخرون، ثم يخرج دون أن يلتفت إليه صاحب المكان.
لم يكن العمل يؤلمه بقدر ما يؤلمه الإحساس بأنه غير مرئي.
في منتصف النهار، كان يجلس قرب الرصيف، يأكل ما تيسّر، ويراقب وجوه الناس. لاحظ كيف تختلف خطواتهم: من يمشي مطمئنًّا، ومن يمشي قلقًا، ومن يمشي وهو لا يفكّر إلا في نهاية اليوم. أدرك أن الفقر لا يُقاس بما في الجيب، بل بما في النظرة.
عاد إلى البيت ذات مساء، يداه ترتجفان من التعب. وجد أمه تُصلح ثوبًا قديمًا، ترفعه إلى الضوء، ثم تخفضه، كأنها تفحص الزمن لا القماش. لم تسأله كيف كان يومه، ولم يخبرها. اكتفيا بالصمت الذي صار لغة مشتركة.
في اليوم التالي، عمل في تنظيف مستودع مهجور. الغبار كان كثيفًا، والهواء خانقًا، لكنه أكمل عمله حتى النهاية. عندما سلّمه صاحب المكان أجره، كان أقل مما وُعد به. تردّد لحظة، ثم أخذه دون جدال. لم يكن خوفًا، بل إدراكًا بسيطًا: هناك معارك لا تُخاض لأنها لا تُربح.
في طريق العودة، شعر بشيء يتكوّن داخله ببطء. لم يكن غضبًا، ولا حقدًا، بل وعيًا جديدًا. فهم أن القاع ليس مكانًا فقط، بل حالة ذهنية. وأن البقاء طويلًا فيه يبدأ عندما يقبل الإنسان أن يُعامَل كأنه لا شيء.
في تلك الليلة، جلس وحده على السطح. المدينة تحته تواصل حياتها، غير معنية بتعبه أو صمته. نظر إلى يديه المتشققتين، وفكّر للمرة الأولى بوضوح:
هذا ليس ما أريده، لكنه ما أحتمله الآن.
ولأول مرة منذ زمن، لم يشعر بالانكسار، بل بشيء يشبه الصبر الواعي. صبر لا يطلب الشفقة، ولا ينتظر المعجزة، بل يراكم القوة دون ضجيج.
كانت تلك الأعمال لا تُرى،
لكنها كانت تصنع فيه شيئًا لا يُمحى.