نهر بلا دماء - الفصل السادس: ليلة بلا سند - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس: ليلة بلا سند

الفصل السادس: ليلة بلا سند

لم يكن الليل مختلفًا عن الليالي السابقة، لكنه كان أثقلها. عاد ياسين إلى البيت متأخرًا، لا لأن الطريق طال، بل لأن العودة نفسها أصبحت عبئًا. فتح الباب بهدوء، كأنه يخشى أن يوقظ الغياب. كان البيت ساكنًا، ساكنًا على نحوٍ يؤلم، كأن الجدران نفسها توقّفت عن التنفّس. أمه كانت نائمة، أو تحاول أن تنام. لم يشأ أن يوقظها. جلس في الغرفة التي كانت لأبيه، الغرفة التي لم يدخلها منذ يوم الجنازة. كل شيء فيها ما يزال في مكانه: المعطف المعلّق خلف الباب، الساعة المتوقفة، الرائحة الخفيفة التي لم تختفِ بعد. جلس على الكرسي الخشبي، ووضع رأسه بين يديه. لأول مرة، شعر أن لا أحد يقف خلفه. لا أب يطمئنه، ولا طريق واضح، ولا وعد قريب. كان يعرف الخوف، لكنه لم يعرفه هكذا من قبل: خوف بلا شكل، بلا اسم، بلا عدوّ يمكن أن يُواجه. مجرد شعور ثقيل بأن الغد مجهول، وأن عليه أن يكون كل شيء دفعة واحدة: الابن، والرجل، والمسؤول. خرج إلى السطح. كانت المدينة صامتة، أضواؤها قليلة، والهواء باردًا على غير العادة. جلس قرب الحافة، ينظر إلى الشوارع التي يعرفها جيدًا، لكنها بدت غريبة تلك الليلة، كأنها لا تنتمي إليه. تذكّر كلمات أبيه في لحظة بعيدة: "الرجل لا يُقاس بما يملك، بل بما يبقى واقفًا عندما لا يملك شيئًا." في تلك الليلة، لم يكن يملك شيئًا سوى نفسه. مرّت الساعات بطيئة. لم ينم. كان يستمع إلى أنفاس أمه من الغرفة المجاورة، ويشعر بثقل وجودها، بثقل المسؤولية التي لم تطلبها، لكنها وُضعت على كتفيه فجأة. قبل الفجر بقليل، وقف. لم يشعر بالقوة، لكنه شعر بشيء آخر أكثر هدوءًا: القبول. قبول أنه وحيد الآن. وأن الوحدة ليست نهاية، بل بداية طريق لا يسير فيه أحد عنه. عندما أشرقت أول خيوط الضوء، كان قد اتخذ قراره الأول دون أن ينطق به: لن ينتظر أحدًا. لن يمدّ يده. وسيبني نفسه، خطوة خطوة، ولو طال الطريق. كانت تلك أول ليلة بلا سند… لكنها كانت أيضًا أول ليلة يقف فيها وحده.