الجزء الرابـع
أمسك القائد بربطة عنقه الفاخرة، ثم انحنى فوق الفتاة التي كانت تحاول دفعه بيديها الصغيرتين. نظر في عينيها بنظرة مفترسة، وكأنه يلتهمها بنظرته قبل أي شيء آخر.
— "يا لكِ من عنيدة.. تعجبني هذه الشرارة في عينيكِ. لكنها ستنطفئ قريباً، عندما تتعلمي مكانكِ الصحيح." همس بابتسامة قذرة، وقبّل عنقها بعنف.
— "اتركني أيها القذر! لن أنصاع لك أبداً! سأقتلك إن لم تبتعد!" صرخت الفتاة محاولة تحريك رأسها بعيداً.
— "هذا ما أريده بالضبط.. هذه المقاومة تجعل الطعم أحلى يا صغيرتي. كل صرخة منكِ تزيدني متعة. الزعيم سيقدر صيدك الثمين هذا.. ولكن أولاً، سأستمتع أنا بقليل من التذوق."
كانت يده تتحسس خصرها، ثم صعدت ببطء نحو كتفها، بينما كانت شفتيه تنهش عنقها بعنف، ثم اقترب من فمها، يقبلها قسراً بينما كانت تحاول أن تغلق فمها وتلوي رأسها.
— "لا فائدة من المقاومة.. هذا قدركِ. الجميع هنا يركعون لسلطتي." قال وهو يضحك ضحكة قوية، وبدأ يشد شعرها برفق مؤلم ليجبرها على رفع وجهها.
— "لا.. لن تفعل هذا!" قالت بصوت مخنوق وهي تبكي.
— "بل سأفعل.. وسوف تستمتعين بذلك في النهاية. كل الفتيات يفعلن. أنتِ فقط بحاجة لمن يعلمك كيف تتذوقين طعم القوة."
وفي تلك اللحظة الحرجة، حين كان القائد يزداد في غطرسته ويغرق في نشوته بقوته المزيفة، وحينما كانت الفتاة تكاد تستسلم لليأس بعد أن نفدت منها كل قوة للمقاومة...
"تك!"
صوت نقرة خافتة لكنها كانت واضحة كصوت طلقة رصاصة في صمت الغرفة. النافذة فتحت، ودخل منها ظلٌ أسود كالليل. لم يلاحظ القائد شيئاً، كان مغموراً في لذته المستمرة في إهانة الفتاة.
ظهر وائل من خلف الستائر، خطواته بلا صوت، كأنه شبح. كانت عيناه لا تحملان أي تعبير، لا غضب، لا رحمة، فقط هدوء قاتل. رفع مسدسه المزود بكاتم الصوت ببطء وثبات، وصوبه نحو رأس القائد الغارق في غيّه.
شعر القائد فجأة ببرودة معدنية قاسية تلامس مؤخرة رأسه. تجمدت كل عضلة في جسده، واتسعت عيناه بفزع لم يختبره من قبل. في تلك اللحظة فقط، أدرك أن شيئاً فظيعاً يحدث. حاول أن يلتفت، أن يتكلم، أن يصرخ، لكن كل ذلك تأخر.
"باف!"
رصاصة واحدة. دقيقة. نظيفة. اخترقت رأسه. سقط جسده الضخم بلا حياة فوق الفتاة التي تلطخت ثيابها بدمائه الحارة. ارتجفت الفتاة بقوة، كان جسد القائد الثقيل لا يزال فوقها للحظة قبل أن يتدحرج على الأرض، مخلفاً بقعة حمراء داكنة تتمدد بسرعة على السجاد الفاخر.
تراجع وائل خطوة للخلف، وجهه بارد تماماً، يمسح رذاذ الدم البسيط الذي وصل إلى وجنته بظهر يده. نظر إلى الفتاة المذعورة، التي كانت لا تزال مستلقية على الأرض، عيناها مفتوحتان على وسعيهما، تنظر إلى جثة القائد، ثم إليه، ثم إلى الجثة مرة أخرى. في تلك اللحظة، لم تكن ترى فيه المنقذ، بل الشبح الذي أتى من العدم ليقلب عالمها رأساً على عقب. الخوف والصدمة تجمدا في عينيها
ساد صمت مطبق في الغرفة، لم يقطعه إلا صوت أنفاس الفتاة المتسارعة وصوت المطر الذي يقرع زجاج النافذة المحطم. كانت تنظر إلى جثة القائد الهامدة، ثم رفعت عينيها إلى وائل، ذلك المنقذ الذي ظهر من العدم.
بدأت ترتجف، ليس فقط من الخوف، بل من مزيج من الأدرينالين والامتنان المفاجئ. تقدم وائل نحوها ببطء، ومد يده ليسحبها من الأرض. بمجرد أن لمست يده، شعرت بدفء غريب يسري في جسدها، وكأن كل برودة العالم تلاشت في تلك اللحظة
قالت بصوت مرتعش وهي تنظر في عينيه:
— "لقد ظننت أنني انتهيت.. لماذا فعلت هذا؟ لماذا خاطرت بحياتك من أجلي؟"
أجاب وائل بصوته الرخيم والهادئ، وهو يمسح قطرة دم عن جبينها:
— "ربما لأنني لم أحتمل رؤية تلك الشرارة التي رأيتها في الملهى تنطفئ بهذه الطريقة القذرة."
ابتسمت بضعف، وبدلاً من الهرب، اقتربت منه أكثر. لم يكن المكان مثالياً، ولم يكن الوقت مناسباً والجثة لا تزال دافئة على بعد أمتار، لكن المشاعر كانت أقوى من المنطق. فتحت ذراعيها له، ودعته إلى حضنها بحب وإعجاب واضحين.
— "تعال إليّ.." همست وهي تجذبه نحوها. "أحتاج أن أشعر أنني لا أزال على قيد الحياة، أحتاج دفئك ليطرد هذا الموت من حولي."
لم يقاوم وائل هذه المرة. أسقط مسدسه على السجاد بإهمال، واستسلم لنداء جسدها. في تلك الغرفة المظلمة، وتحت ضوء خافت ينبعث من الخارج، اختلطت مشاعر النجاة بالرغبة.
بدأ الأمر بتقبيل رقيق من أطراف شفتيها، ثم انتقل إلى وجنتيها المبللتين بالدموع والدم، صعوداً إلى جبينها. كان وائل يداعب خصلات شعرها ببطء، وكأنه يحاول طمأنتها بأن الكابوس قد انتهى.
ارتميا معاً في أحضان بعضهما البعض فوق السرير الوثير، وسط دفء حضنها الذي كان بمثابة الملجأ الوحيد له من قسوة العالم الخارجي. كانت تقبله بشغف، تعبر عن إعجابها العميق بهذا الرجل الذي لا يتكلم كثيراً لكن أفعاله كانت كافية لتملك قلبها.
في تلك اللحظات، غاب العالم الخارجي، وغابت الجثة القابعة في زاوية الغرفة، وغابت المافيا وتهديدات الحكومة. لم يتبقَ سوى دقات قلوبهما المتسارعة، والدفء الذي يلفهما في ليلة كانت بدايتها مطراً ونهايتها ملاذاً لم يتوقعه أحد. نام وائل في حضنها، ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن يراقب شيئاً.. كان فقط يشعر