الجزء الثـالث
أعاد وائل ضبط جلسته، مراقباً المشهد الذي بدأ يتبلور أمام عينيه كفخٍ نُصب بإحكام. اقتربت الفتاة من الشاب الذي كان يجلس بزهو، ممسكة بكأس العصير وكأنها تحمل كنزاً.
انحنت عليه حتى لامس خصلات شعرها كتفه، وقالت بصوت ناعم يقطر عسلاً:
— "تبدو متعباً من ضجيج هذا المكان.. الجميع هنا يركضون خلف السراب، أما أنت، فتبدو وكأنك تبحث عن شيء حقيقي."
رفع الشاب رأسه، وقد سحرته نبرتها، وقال بابتسامة بلهاء:
— "ربما وجدت ما أبحث عنه الآن. ما هذا الذي في يدك؟"
قربت الكأس من شفتيه، وهمست وهي تنظر في عينيه مباشرة:
— "هذا ليس مجرد عصير.. إنه 'ترياق' صنعته لك خصيصاً. رشفة واحدة منه وستشعر أن هذه الموسيقى تعزف داخل عروقك، وأن العالم كله يدور حولك وحدك. هل ترفض دعوة من امرأة رأت فيك ما لم يره الآخرون؟"
ضحك الشاب بغرور، وقال:
— "لا أحد يرفض دعوة منكِ أيتها الجميلة."
أمسكت يده التي ترتجف قليلاً وهي تقرب الكأس أكثر، وقالت بنبرة آمرة ومغرية في آن واحد:
— "إذن، اشربه حتى الثمالة.. أريد أن أرى بريق عينيك وهو يشتعل."
لم يتردد؛ شرب الكأس دفعة واحدة وهو يظن أنه ملك الزمان، لكن ملامحه بدأت تسترخي بشكل مفاجئ، ويده سقطت بجانبه، وسرعان ما غط في نوم عميق ورأسه ملقى للخلف.
ببرود تام، سحبت الفتاة المحفظة والساعة، ثم التفتت نحو وائل الذي كان يراقب الحوار من بدايته. لم تظهر عليها ذرة خوف، بل غمزت له بوقاحة وقالت بصوت مسموع له وحده رغم الضجيج:
— "الصمت يليق بك أكثر من الكلام يا وسيم.."
أرسلت له قبلة في الهواء بطرف أصابعها، ثم خلعت حذاءها ووضعته بقسوة فوق وجه الشاب الملقى كالجثة، وتابعت بسخرية:
— "أحلاماً سعيدة أيها 'الملك'!"
استدارت واختفت في الزحام بلمح البصر، تاركة وائل يراقب الحذاء المستقر على وجه الضحية في مشهد سريالي.
كان الملهى يغلي قبل قليل بالموسيقى، لكنه الآن يغلي بالرعب. الصمت الذي فرضه رجال المافيا كان أشد صخباً من "الديسكو". وقف قائد الفرقة الخامسة في منتصف القاعة، يعدل قفازاته الجلدية السوداء وهو ينظر للجميع كأنهم قطيع من الماشية.
بدأ القائد يتمشى ببطء مستفز، يضرب بعصاه المعدنية طرف الطاولات. اقترب من فتاة شقراء كانت ترتجف خلف البار، رفع وجهها بطرف سبابته وقال بنبرة باردة:
— "جميلة.. لكن عينيكِ تعترفان بالخوف بسرعة. الزعيم يكره الضعف، يريد من تنظر إليه وكأنها تملك العالم، لا من تتوسل للنجاة."
تركها تسقط على ركبتيها، وانتقل لأخرى كانت تحاول الاختباء خلف صديقتها. سحبها من شعرها بلينٍ كاذب، وطبع قبلة مقززة على خدها وهو يشم عطرها بعمق، ثم همس:
— "عطرك رخيص.. والزعيم لا يقتني إلا النوادر."
استمر في جولته، يخرب الزجاج، ويركل الكراسي، ويوزع نظراته الفاحصة، حتى وقعت عيناه على الفتاة (التي سرقت الشاب). كانت تقف بصلابة، ورغم خوفها، إلا أن في عينيها شرارة لم تنطفئ بعد.
المواجهة والاختطاف
دنا منها القائد، دار حولها كذئب يحاصر فريسة، ثم قال بابتسامة صفراء:
— "أوه.. انظروا ماذا وجدنا هنا. اللصّة الأنيقة. رأيتُ ما فعلتِهِ بذلك الأحمق هناك. المكر، الجمال، والجرأة.. أنتِ لستِ مجرد فتاة، أنتِ 'تحفة' سيضعها الزعيم في مقدمة مجموعته."
حاولت التراجع وهي تقول بصوت مرتجف لكنه حاد:
— "ابتعد عني.. لا أنت ولا زعيمك تملكون الحق في لمسي!"
ضحك القائد ضحكة هزت أرجاء المكان، ثم أمسك بفكها بقوة وقال:
— "الحق؟ في هذه المدينة، الحق لمن يملك الرصاصة الأسرع. والآن، ستأتين معي لتتعلمي كيف يكون الانصياع."
سحبها بعنف من ذراعها، وهي تصرخ وتستغيث، ورجاله يحطمون كل ما تبقى في الملهى لتأمين خروجه. رماها في المقعد الخلفي لسيارته "الليموزين" السوداء، وانطلقت السيارة تنهش شوارع المدينة الممطرة نحو الفندق المحصن.
في الفندق ----
داخل الجناح الملكي، كان الضوء خافتاً والأثاث يوحي بالثراء الفاحش. دفعها القائد إلى الداخل لتسقط على السجاد الحريري. خلع سترته ورماها بإهمال، ثم بدأ يقترب منها وهي تتراجع زحفاً حتى التصق ظهرها بالحائط.
— "اصرخي كما تشائين.. الجدران هنا معزولة، تماماً كقلبي."
أمسك بربطة عنقه، ثم انحنى فوقها، محاولاً تقبيلها قسراً بينما كانت تضربه بقبضتيها الصغيرتين وتصرخ بصوت مبحوح: "اتركني أيها الوحش! سأقتلك!"
كان القائد مستمتعاً بمقاومتها، يهمس في أذنها بكلام بذيء عن "مستقبلها" مع الزعيم، ويده تضغط على عنقها لتثبيتها
وفجأة، وسط هذا الصراع البشع، انفتح قفل النافذة الزجاجية الكبيرة بصوت "نقرة" معدنية دقيقة. لم ينتبه القائد، كان مشغولاً بنشوته وسلطته.
لكن الفتاة رأت ظلاً يتحرك خلف الستارة المتطايرة بفعل ريح المطر. وفجأة، برز وائل. لم يكن يبدو عليه الغضب، بل كان بارداً كقطعة ثلج. بخطوات غير مسموعة، صار خلف القائد تماماً.