السواد الحتمي - الجزء الثـاني - بقلم يـانـا | روايتك

اسم الرواية: السواد الحتمي
المؤلف / الكاتب: يـانـا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الجزء الثـاني

الجزء الثـاني

بمجرد أن دفع وائل الباب الثقيل، صدمته موجة من الهواء الدافئ المشبع برائحة العطور القوية والدخان، واجتاحت أذنيه موسيقى "البيت" الصاخبة التي كانت تهز الأرضية تحت قدميه. تحول العالم من سواد المطر وهدوء الشارع إلى انفجار من الألوان والأنوار الراقصة التي تخترق العتمة. كان المشهد في الداخل عبارة عن فوضى منظمة من الصخب: * ساحة الرقص: كانت تعج بالأجساد التي تتمايل بتناغم مع الإيقاع، حيث تداخلت الأيدي المرفوعة مع انعكاسات أضواء "الليزر" الفسفورية. * الأجواء: الضحكات كانت تخرج من كل زاوية، وأصوات قرع الكؤوس تمتزج بهتافات الشباب وصيحات الحماس كلما تغيرت الأغنية. * الحضور: فتيات بفساتين براقة وجمال لافت كن يسرقن الأنظار، يتحدثن بهمس تحت ضجيج الموسيقى، وعيون الجميع تشع برغبة في نسيان كل شيء خارج هذه الجدران. شق وائل طريقه وسط هذا الزحام، متجنباً الاندماج مع المحتفلين. لم يكن يبحث عن شريك للرقص أو حديث عابر، بل كان يبحث عن العزلة وسط الحشد. اتجه نحو زاوية بعيدة في أقصى الملهى، حيث تخفت الإضاءة قليلاً وتصبح الأريكة الجلدية غارقة في الظل. جلس هناك، وأسند ظهره للوراء، واضعاً ساقاً فوق الأخرى. من مكانه هذا، كان يرى كل شيء دون أن يراه أحد بوضوح؛ راقب الوجوه المتعرقة من الرقص، والابتسامات الزائفة، والمشاعر التي تتفجر تحت تأثير اللحظة. كان ينظر إليهم وكأنه يشاهد فيلماً سينمائياً صامتاً رغم كل هذا الضجيج. عيناه الحادتان كانت تلاحقان التفاصيل: حركة يد نادل مسرع، نظرة غامضة من فتاة تجلس على "البار"، وشاب يحاول عبثاً لفت الانتباه. كان وائل في تلك الزاوية يمثل الهدوء الوحيد في قلب الإعصار، يراقب الحياة وهي تمر أمامه دون أن يلمسها بينما كان وائل غارقاً في مراقبته الصامتة، اخترق هدوءه الخاص صوت مألوف يأتي من خلفه، صوت يمتزج فيه الحماس بالجدية رغم أجواء المكان الصاخبة. "لا أصدق أنني وجدتك هنا.. كالعادة، تختار الزوايا الأكثر عتمة!" التفت وائل ليرى رافي، صديقه المقرب الذي كان يبدو في قمة أناقته، وبجانبه حبيبته التي كانت تشع جمالاً وجرأة. لم يمنح رافي وائل فرصة للرد، بل جلس بجانبه مباشرة وبدأ يتحدث بصوت خفيض لكنه مشحون بالتوتر، وكأن الموسيقى الصاخبة حولهما هي أفضل غطاء لأسراره. قال رافي وهو يميل برأسه نحو وائل: > "هل سمعت بآخر التحركات؟ الحكومة لم تعد تمزح هذه المرة. هناك قرارات ستصدر فجراً بشأن الرقابة على الحدود، والتحركات الأمنية في الأحياء القديمة بدأت بالفعل. لقد أغلقوا المسارات التي كنا نعتمد عليها، الأمور تضيق يا وائل." > كان وائل يستمع بتركيز، عيناه تعكسان وميض أضواء "الديسكو" المتراقصة، بينما كان رافي يكمل شرح الخطة الحكومية الجديدة وتأثيرها على صفقاتهم المعلقة. طوال فترة حديث رافي، لم تكن حبيبته غائبة عن المشهد؛ كانت تنظر إليه بنظرات مليئة بالرغبة والملل من أحاديث السياسة والعمل. ومع وصول رافي لنهاية كلامه حين قال: "باختصار، علينا الاختفاء لفترة.."، قاطعته هي بطريقتها الخاصة. امتدت يدها بنعومة لتمسك ربطة عنقه، وسحبته نحوها بقوة جعلت أنفاسه تنقطع للحظة. وبدون مقدمات، طبعت قبلة طويلة وعميقة على شفتيه أمام نظرات وائل الجامدة. همست في أذن رافي بشيء ما، فابتسم الأخير ولوح لوائل بيد واحدة وهو ينهض ببطء، مستسلماً لسحبها له. اتجه الاثنان نحو الممرات الداخلية المؤدية إلى الغرف الخاصة في الطابق العلوي، وظل وائل يتبعهما بنظراته الهادئة حتى اختفيا خلف الستائر المخملية. عاد الصمت ليحيط بوائل مجدداً، لكن هذه المرة مع ثقل المعلومات الجديدة التي ألقاها رافي في جعبته.