المرآه لاتعكسني - الفصل الرابع | روايتك

اسم الرواية: المرآه لاتعكسني
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

الليل لم ينتهِ بعد… حتى عندما يظن الناس أن النهار قد أتى، تبقى الظلال هنا، تتحرك ببطء، تنتظر أن تنام العيون لتبدأ لعبتها. ليلى جلست في غرفة جدتها القديمة، أمام المرآة، وكأنها جلست على شفير عالم آخر. الصمت كان كثيفًا، لكنه ليس صمتًا عاديًا… الصمت كان مليئًا بالهمسات، بالزحف البطيء للظلال، بالضغوط النفسية التي تشبه اليد الخفية، تلمس الروح قبل الجسد. الانعكاس… كان ينتظرها، يبتسم ابتسامة أكثر عمقًا، أكثر غموضًا… أكثر رعبًا من أي مرة قبلها. العيون الحمراء أصبحت متوهجة أكثر، وكأنها تقرأ كل شيء فيها، كل فكرة، كل شعور، كل خوف دفين. بدأت المرآة تتحرك، أو بالأحرى، بدا لها أن الزجاج نفسه يتلوي ويتمدّد، كأنه كائن حي، يمد أذرعه عبر الغرفة. ظلها على الأرض لم يكن معها، أصبح شبحًا مستقلًا، يتحرك كائن منفصل، يقترب منها بخطوات صامتة، لكنه محسوسة جدًا. ليلى شعرت برعشة تجتاح جسدها كله، قلبها يخفق بسرعة، كل تنفس ثقيل ومؤلم. حاولت الصراخ، لكن الصوت لم يخرج، أو كان يخرج بشكل مشوه، صدى مزدوج… كأنها ليست هي من تصرخ، بل هناك شخص آخر في داخلها، يستخدم جسدها ليصرخ أيضًا. الانعكاس قال لها بصوتها نفسه، لكنه مزيف، مخيف، مليء بالغضب والسخرية: "أين تريدين الهروب؟ كل زاوية من هذا المكان ملك لي… وكل فكرة في رأسك هي ملكي منذ البداية." شعرت ليلى بشيء يضغط على صدرها، أكثر من أي مرة. كأن المرآة أصبحت جدارًا حيًا، يضغط عليها من كل جانب، يختنقها، يقتحم عقلها بكل قوة. عندما حاولت الابتعاد، اكتشفت أن قدميها أصبحت مغروسة في الأرض، لا تتحرك، لا تطيعها، وكأن المنزل نفسه يتعاون مع المرآة. ثم حدث ما لم تتوقعه… ظهر ظل طويل آخر، لكنه هذه المرة مزدوج، نصفه حقيقي، نصفه لا يمكن تمييزه عن الظلام، يخرج مباشرة من المرآة، يقترب منها، يلتف حولها، ويهمس بأصوات متعددة: "أنتِ ضعيفة… أنتِ مأسورة… أنتِ أنا… أنتِ كل شيء وأي شيء… ولن تفلتين أبدًا." ليلى شعرت بالدوار، بالغثيان، وكأن عقلها يحاول الصمود، لكنه ينهار تدريجيًا تحت ضغط المرآة، الظلال، والانعكاسات. ثم ظهر كايلث، نصفه ضوء ونصفه دخان، يخرج من الزاوية البعيدة للغرفة، يقول بصوت هادئ لكن يقطع كل صمت: "هذا هو اختبارك الحقيقي، ليلى… إن استطعتِ تجاوز هذه اللحظة، ستعرفين قوة المرآة… وستعرفين ما أنتِ حقًا." حاولت ليلى التحدث، لكن الصوت خرج مزيجًا من همسها وصوت الانعكاس الشرير، وكأن هناك شخص آخر يتحدث من داخلها. الانعكاس ابتسم، ثم تمدد الزجاج، ليمتد إلى كل جدران الغرفة، وأصبح المكان كله مرآة واحدة متصلة بالظل، بعالم مظلم لا يمكن الهروب منه. كل شيء حولها أصبح مشوشًا، غير مستقر، يتحرك بطريقة مخالفة للجاذبية والمنطق. الأرضية تتلوى، الجدران تتقوس، الأصوات تتقاطع، الظلال تتحرك بلا سبب… والانعكاس يقترب أكثر فأكثر، يمد يده ببطء، ببرودة قاتلة، وكأنه يقرأ عقلها، يمسك كل خوفها، يحولها إلى حقيقة حية أمامها. ليلى حاولت المقاومة، صرخت داخليًا، حاولت التركيز على شيء مألوف… لكن كل شيء مألوف أصبح جزءًا من اللعبة، جزءًا من المرآة، جزءًا من الظل الحي الذي يبتلع كل شيء. ثم بدأ الانعكاس بالحديث بلغة جديدة… لغة غير مفهومة، لكنها تخلخل عقلها بطريقة غريبة، تجعلها تفكر وتشعر بما لم تشعر به من قبل. الأصوات المتعددة صارت تتحول إلى موسيقى رعب داخل رأسها، إيقاع ثابت، ينبض مع قلبها، ينساب في دمها. الظل حولها أصبح أكثر كثافة، يمتد عبر الغرفة، يلتف حولها، يمتص كل شعور بالأمان، يتركها عارية أمام المرآة، عاجزة أمام الانعكاس. شعرت ليلى فجأة بشخص آخر داخل عقلها، يشبهها، يتحرك، يهمس، يخطط… كائن آخر يشارك جسدها وروحها. كايلث اقترب أكثر وقال: "لتنجو، عليك مواجهة نفسك… مواجهة كل الظلال، كل الخوف، كل الكذب الذي خبأته لنفسك." ليلى شعرت بالرعب… لكنها شعرت بشيء آخر، غريب… قوة، شعور غامض بأنها ليست مجرد ضحية، وأنها تستطيع استخدام المرآة أيضًا. حاولت التركيز، حاولت النظر في أعماق الانعكاس… وكلما فعلت، ظهر جزء آخر من المرآة، عالم جديد، أشباح أشد، انعكاسات أكثر، عالم من الرعب داخل الرعب. صوت الانعكاس أصبح صاخبًا، مليئًا بالسخرية والغضب: "أنتِ لن تهربي… لن تخرجي… لن تعرفي سلامًا أبدًا… أنت ملكي." ليلى شعرت بأن الهواء يختنق… الظل يضغط… الأرضية تتحرك… الجدران تقترب… وكل شيء أصبح ساحة حرب بين عقلها وروح الانعكاس الشرير. ثم، فجأة، شعرت بوميض من داخل نفسها… شيء قديم، قوة كانت كامنة، ذكريات طفولة، شجاعة دفينة… بدأت تردد بصوت منخفض: "أنا ليلى… لست مجرد انعكاسك… أنا من أقرر مصيري." الانعكاس تراجع قليلاً، الظل حولها اهتز، كأن المرآة نفسها لم تتوقع مقاومة حقيقية. لكن لم تنتهِ اللعبة بعد… كانت ليلى تعرف الآن شيئًا واحدًا: هذه المعركة ليست ضد المرآة فقط… بل ضد كل شيء يختبئ في الداخل، وكل خوف لم تواجهه من قبل… وكل ظل لم تعترف به. الليل لم ينتهِ… والرعب لم يتوقف… لكن ليلى شعرت لأول مرة بنور داخلي، شعور بالقوة… شعور أنها ربما، فقط ربما، تستطيع قلب اللعبة.