المرآه لاتعكسني - الفصل الثاني | روايتك

اسم الرواية: المرآه لاتعكسني
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

ليلى لم تغمض عينيها طوال الليل. حتى مع بزوغ الفجر، بقيت جالسة أمام المرآة، تحدق في نفسها، أو بالأحرى في ما أصبح انعكاسها منغلقًا على نفسه. كانت تدرك شيئًا واحدًا: هذه المرآة لم تعد مجرد مرآة… بل عالم آخر، أقوى من أي شيء عرفته في حياتها. في الصباح، حاولت فتح الباب للهروب، لكن لاحظت شيئًا غريبًا. ظلّها على الأرض لم يكن يتماشى مع حركتها، بل يبدو وكأنه يتحرك بحرية مستقلة عنها. حاولت أن تضحك، قالت لنفسها: “خيال، مجرد إرهاق.” لكن قلبها لم يهدأ، وكل خطوة على الأرضية الخشبية كانت تصدح بطريقة… غريبة. حتى أصوات نفسها… كانت تأتي من المرآة قبل أن تصدر من فمها. قررت ليلى السير نحو المطبخ لإشعال الضوء، لكن الضوء لم يشتعل. مصباح السقف فقط أنار بوميض، ثم انطفأ، وترك الغرفة محاطة بظل ثقيل. كان الظل يتجمع عند المرآة، كما لو كان ينتظرها، يثقل الجو، يجعل التنفس أصعب، ويزرع في قلبها خوفًا جديدًا… شعورًا بأن المرآة تعرف كل شيء عنك قبل أن تعرفيه أنت. اقتربت من المرآة ببطء، نظرتها تعلق في الزجاج. الانعكاس هذه المرة لم يكن انعكاسها وحدها… بل شخصية تشبهها، لكنها أكثر حدة، أكثر بروزًا، عيونها لامعة باللون الأحمر الخافت، والابتسامة بلا روح. همست المرآة بصوت خافت، لا يتجاوز أذنها، لكنه بدا ينساب داخل رأسها مباشرة: “لماذا تحاولين الهرب مني؟ أنتِ ملكي منذ لحظة النظر إليّ.” ارتجفت ليلى، تراجعت خطوة إلى الخلف، لكنها شعرت بأن قدميها تثقلان فجأة، كأن الأرض تمتصها. صرخت، لكن الصوت لم يكن كافيًا، صدى صراخها بدا غريبًا، كما لو كان صدى شخص آخر يصرخ بنفس اللحظة. فجأة، ظهر ظل صغير خلفها، يتحرك سريعًا على الجدار. ليست مجرد حركة… بل شكل حي يتنفس ويتقوس بشكل غير طبيعي. حين التفتت، لم يكن هناك شيء… سوى انعكاسها في المرآة. لكن، فجأة، الانعكاس لم يقلد حركاتها، بل بدأ يبتسم لها بشكل ساخر، ثم رفع يدًا كأنه يريد أن يلمس يدها من الداخل. ليلى شعرت بالخوف الشديد، لكن شيئًا غريبًا منعها من الابتعاد. المرآة… كانت تمتص اهتمامها، تجعلها مجبرة على النظر إلى ما فيها، رغم كل تحذيرات عقلها. مرّت ساعات، لكنها لم تتحرك… ظلّت جالسة أمام المرآة، والانعكاس يبدأ في الكلام بصوتها، لكن بصدى أعمق وأكثر حدة: “أنتِ ضعيفة… أنتِ خائفة… لكنني أعلم كل شيء عنك… كل سر مخفي… كل خوف لم تعترفي به لنفسك.” حاولت ليلى الصراخ مرة أخرى، لكن هذه المرة، صوته لم يخرج، بل بدا محبوسًا داخل المرآة، مخنوقًا، وكأنه ينساب مرة أخرى إلى انعكاسها الشرير. ثم، بدأ الانعكاس يتحرك نحوها، كأنه يخرج من الزجاج، شعور مادي… يلمس وجهها بنعومة باردة، لكنها كانت قاسية كالمعدن. لمست كفها، شعرت برعشة تتسرب إلى عمق روحها، تتركها مشدودة بين الرعب والفضول. فجأة، سمع صوت خطوات خلف الباب. ليست مجرد خطوات… بل خطوات متسارعة، ثقيلة، قريبة جدًا. فتحت الباب بسرعة، لم يكن هناك أحد، لكن كل شيء في المنزل بدأ يتغير، الجدران تتحرك، الأرضية تتنفس، والظل يزداد كثافة. ليلى أدركت شيئًا أخيرًا: المرآة ليست مجرد بوابة… إنها كيان حي، يرى، يفكر، ويعرف، ويستطيع السيطرة على كل شيء حولها ما لم تنصاع له. ومع بداية الليل، قررت أن تجرّب شيئًا مجنونًا… اقتربت من المرآة مرة أخرى، وقالت بصوت خافت: “ماذا تريدين مني؟” رد الانعكاس، مبتسمًا على نحو مخيف: “أريد أن أريك ما أنتِ عليه فعلاً… ما لم يجرؤ أحد على رؤيته.” في تلك اللحظة، شعرت ليلى بشيء يضغط على صدرها، كأن المرآة تسحبها ببطء، وتحاول أن تجعلها جزءًا منها. الانعكاس امتد… ثم امتلأ كل الحجرة بأصوات همسات، صراخات، ضحكات… كلها مألوفة وغريبة، كلها تأتي من داخل المرآة نفسها. ليلى لم تعد تعرف مكانها، ولم تعد تعرف من هي… كل شيء أصبح غامضًا، مشوشًا، وممتلئًا برعب لا يمكن وصفه بالكلمات. في تلك الليلة، لم تنم… لم تتحدث… لم تتحرك. كانت مرعوبة، مأسورة، لكنها مفتونة بنفس الوقت بما تراه، بما تسمعه، وبما تعرف أن المرآة تحاول كشفه عنها. وفي نهاية الفصل، عندما بدا الصباح يقترب بخجل، لم تزل ليلى جالسة أمام المرآة، والانعكاس يبتسم، لكن هذه المرة، الابتسامة لم تكن سوى بداية لشيء أكبر… شيء لا يمكن العودة منه بعد أن يبدأ.