المرآه لاتعكسني - الفصل الاول | روايتك

اسم الرواية: المرآه لاتعكسني
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

الليل كان قد سكب عباءته السوداء فوق المدينة، والطرقات خالية إلا من ضوء المصابيح الصفراء المتقطعة. ليلى تمشي وحدها في الشارع الخلفي لمنزل جدتها القديم، تحمل حقيبتها الثقيلة، وكل خطوة كانت تصدح في هدوء المكان كأنها صدى لنبض قلبها. البيت كان كبيرًا، صامتًا، مليئًا بالذكريات التي لم تعد تليق بها… أو بالأحرى، ذكريات كانت تثقل كاهلها منذ طفولتها. دخلت ليلى المنزل، ودخل معها صوت قدميها على الأرضية الخشبية القديمة، صدى يتكرر في أرجاء البيت كتحذير مبطن. الأبواب تصدر صريرًا طويلاً، والنوافذ، على الرغم من إغلاقها، تبدو وكأنها تتنفس. ذهبت إلى غرفة جدتها القديمة، الغرفة التي طالما قالت لها الجدة أن تبتعد عنها. على الجدار المقابل للسرير، كانت هناك مرآة طويلة، ذات إطار خشبي مزخرف بشكل غريب، تبدو وكأنها تتلوى مع الظلال. ليلى توقفت عندها، نظرتها تعلق فيها لحظة… شعرت بشيء يهمس في عقلها، شيئًا غريبًا، كأن المرآة تعرفها أكثر مما تعرف نفسها. اقتربت، ولمست الزجاج بيدها… اللمسة كانت باردة، أعمق من أي شيء شعرت به من قبل. كان هناك شعور غريب: أن شيئًا من الداخل يراقبها، لا مجرد انعكاسها. ابتعدت بخفة، وقالت لنفسها بصوت منخفض: “بس مجرد انعكاس… لا شيء أكثر من ذلك.” لكنها لم تستطع الابتعاد. كل مرة تنظر فيها، ترى نفسها… لكن ليس تمامًا كما هي. عيونها كانت أعمق، وحاجبانها يشبهان ابتسامة خفية… شيء لم تكن تعرف أنها تمتلكه. وفي اللحظة نفسها، شعرت بالبرودة تتسلل إلى جسدها، إلى قلبها، كأن المرآة تمتص شيئًا منها، شيئًا لطالما خافته ولم تدركه. ليلى جلست على السرير، وحاولت تهدئة نفسها، لكنها لم تستطع. الظل خلفها في الغرفة بدا وكأنه يتحرك بخفة… لكنه يختفي عند كل مرة تلتفت فيها بسرعة. بدأ قلبها يدق بسرعة، وكل تنفس أصبح صاخبًا في أذنيها. فجأة، سمعت همسًا ضعيفًا: “ليلى…” ارتجفت. نظرت حولها، الغرفة صامتة… لا أحد. ثم نظرت إلى المرآة، ورأت ابتسامة لم تكن ابتسامتها. ابتسامة المرآة كانت أوسع، أكثر برودة، كأنها تملك معرفة عن حياتها لا يعرفها أحد. ابتعدت، لكنها شعرت بسحب خفيف من داخل المرآة، كأنها تجذبها نحو الداخل. صرخت، ولكن الصوت لم يكن سوى صدى بعيد، بعيد جدًا، حتى بدا وكأنه يخرج من داخل رأسها لا من فمها. في تلك الليلة، جلست ليلى على الأرض أمام المرآة، تحدق فيها بلا حراك… حتى بدأ انعكاسها يتحرك بشكل مستقل عنها، يبتسم، يهمس، وعيونها في الزجاج أصبحت مخيفة، مختلفة، وكأنها تحذرها من شيء قادم. حاولت المغادرة، لكنها شعرت بأن المرآة تتغير شكلها، كانت أكبر، أطول، وكأن الغرفة كلها تذوب نحوها. الظل الذي رأته سابقًا، خرج الآن بوضوح: شبح أسود، طويل، بلا ملامح ثابتة، إلا عيون حمراء تلمع في الظلام. همس مرة أخرى: “أهلاً بكِ… كنت أريدك منذ زمن بعيد.” صرخت ليلى، دفعت المرآة بكل قوتها، لكن الزجاج لم يتحرك… لم ينكسر… بل بدا وكأنه أصبح بوابة. الظلام داخل المرآة أصبح أعمق، أوسع، والهمس تحول إلى صوت: “أنتِ لا تعرفين نفسك بعد… لكنني أعرفك أكثر من أي أحد.” وقبل أن تتمكن من الهرب، شعرت بشيء يلمس كفها من الداخل، لمسة باردة جدًا، تدخل روحها قبل جسدها. صرخت مرة أخيرة، وأغمضت عينيها… وعندما فتحتها، لم يكن هناك شيء، إلا انعكاسها… لكن مع ابتسامة لم تكن لها. ليلى لم تنم تلك الليلة، كانت تنتظر في الظلام، مع قلب ينبض كجناح عصفور مكسور، معرفة أن المرآة… لم تعد مجرد مرآة. لقد بدأت ترى ما لا ينبغي أن يُرى، وأن تسمع ما لا ينبغي أن يُسمع. وحتى مع بزوغ الفجر، بقيت المرآة ثابتة على الجدار… وكأنها تتنفس في صمت، تنتظر لحظة أخرى… لحظة ليلى القادمة، لحظة كل من يحاول أن يرى نفسه فيها، ليكتشف أن الانعكاس ليس هو الحقيقة… بل بداية الرعب.