الفصل6️⃣⬇️الاجنحه المكسوره
الفصل السادس: الأجنحة المكسورة
كانت المخطوطات القديمة مخفية في أحد أركان لُوميرا، بين الظلال التي لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها منذ عقود.
كايلث أخذ إيلورا إلى هناك، خطواتهما صامتة، وكأن الأرض نفسها تتجنب الصوت.
الغرفة كانت مليئة بالصفائح المعدنية القديمة، كتب، رموز، آثار أجنحة محترقة على الجدران.
كان الهواء أثقلاً من أي وقت مضى، يحمل رائحة قديمة… رائحة فقدان.
وقف كايلث أمام مخطوطة ضخمة، غطاءها أسود، حوافها محروقة جزئيًا.
مد يده، ولمست أصابعها الورقة بنفسها، شعرت بالتيارات تمر من خلالها… كأن الكلمات تحاول التحدث إليها مباشرة، قبل أن تقرأها.
قال كايلث بصوت خافت، لكنه ثقيل:
“السيران… كانوا عرقًا قديمًا، خلقوا لأجنحة من ظل.
أجنحة تمكنهم من عبور العوالم دون بوابات، دون قيود.
لكن البشر، واللوميريون، خافوا منهم.
خافوا قوتهم، خافوا رحلتهم.
فكُسرت أجنحتهم… ونُفيت أرواحهم.
والأخطر… أن الكثير منهم لم يُدفنوا تمامًا، بل ظلوا بين العوالم، ظلالًا تائهة.”
أخذت إيلورا نفسًا عميقًا، محاولة استيعاب حجم ما يسمعه.
“أنا… آخرهم؟” همست، والحروف كادت أن تتساقط من شفتيها من شدة الخوف.
كايلث أومأ، عيناه الفضيتان تتلاعبان بالضوء حولهما:
“نعم. كل ما تراه اليوم في داخلك، كل شعورك بالاختلاف، كل شغفك، كل ألمك…
كلها إرثك. كل شيء أنتِ، إيلورا، هو ما تبقى من السيران.”
غابت عن ذهنها أي فكرة واضحة عن الماضي.
لم تعرف شيئًا سوى الشعور الغريب بأنها لم تُخلق كباقي البشر.
لكن هنا… كل شيء أصبح واضحًا.
قال كايلث:
“حين كُسرت الأجنحة، لم يُكسر الجسد فقط.
بل الروح… الهوية… كل شيء تم طمسُه.
والآن، بعد عقود من النفي، الأجنحة بدأت تستيقظ، داخلك.”
أشارت إيلورا إلى عينيها، السوداء والفضية.
“لكن ماذا تعني؟ ماذا علي أن أفعل؟”
ابتسم نصف ابتسامة حزينة:
“الأجنحة لن تعود بمفردها.
ستكون مؤلمة.
ستعيد إليك ذاكرة لم تعرفها…
ستريك أشياء… قد تكرهها، أو قد تحبينها،
لكنك لن تعرف من أنت حقًا قبل أن تتحمليها.”
جلست على الأرض، ووضعت يدها على المخطوطة.
كلماتها بدأت تتوهج…
رموز تتحرك، صفحات تتقلب من تلقاء نفسها،
وصدى أجنحة محترقة كأنها تهمس باسمها.
كايلث بدأ يحكي لها حكاية قديمة، حكاية السيران قبل كسر أجنحتهم:
“كانوا يعيشون بين العوالم، سفراء ومراقبين.
يجوبون الأماكن بلا قيود، يربطون العوالم كما لو كانوا خيوطًا من الضوء والظل.
لكن أولئك الذين رأوا قوتهم، ظنوا أنهم خطر.
تآمروا، كسروا الأجنحة، فصلوا الأرواح عن الأجساد، ونفوا من تبقى إلى العدم.
الأرواح التي بقيت بين العوالم صارت ما تعرفينه اليوم بالظلال…
هي صرخات قديمة، تنتظر من يستعيدها، من ينقذها، من يصبح آخر السيران.”
شعرت إيلورا بالدم يتدفق بسرعة في جسدها، كأن الكلمات تنقش على عروقها.
“أنا… هل عليّ أن أستعيدهم جميعًا؟”
“ليس بعد.”
كايلث نهض، ظلّه امتد، نصفه يلمع ونصفه يتلاشى:
“الخطوة الأولى هي استعادة نفسك.
إعادة الأجنحة… إعادة القوة… ستأتي لاحقًا.”
أغمضت عينيها.
شعرت بأصوات… لا… همسات في رأسها.
الأجنحة… بدأت تتحرك.
لكنها لم تخرج بعد… لم يكن الوقت ناضجًا.
كانت مجرد نبضات… حركات صغيرة… خيوط من الظل حول كواحلها، وكأنها تقول:
نحن هنا. استيقظي.
ثم قال كايلث بنبرة خافتة:
“ستشعرين بالألم، إيلورا…
لكنه الألم الصحيح.
الألم الذي يعيد لك ما سُلب منك.
ستعرفين من أين تبدأ… ومتى تحلقين… ومتى تسقطين.”
جلست لساعات، لا تتحرك، تشعر بالظلال تتسلل عبر جسدها، تلمس قلبها، عقلها، روحها.
كانت تسمع…
تتذكر…
تشعر.
وفي أعمق لحظة صمت، أدركت شيئًا واحدًا:
أن ما ينتظرها ليس مجرد قوة…
بل مصير.
مصير السيران… كان سيبدأ معها، اليوم.