الفصل5️⃣⬇️ كايلث
الفصل الخامس: كايلث
كايلث ظهر عند أطراف المدينة كما لو أنه كان ينتظر منذ الأزل.
ليس من الشوارع، ولا من الأزقة.
ظهر كما يظهر الظل عندما تتوقف الشمس فجأة…
نصفه نور، نصفه دخان.
كل خطوة له كانت تهز الأرض من دون أن تُسمع.
عينيه الفضيتان بلا بؤبؤ كانتا تقرآن كل شيء قبل أن يُقال.
إيلورا كانت واقفة عند مدخل غرفتها، لا تعرف إذا كان يجب أن تهرب أو تسأل.
لكن شيئًا في وجوده أوقفها.
شيء لا يعرف الخوف،
شيء يعرفها… بعمق أكثر مما تعرف نفسها.
“أنتِ مفتاح”، قال بصوت يخرج من الفراغ بين الكلمات.
لم تستوعب.
“مفتاح لماذا؟” سألت، بعينين تتسعان أكثر مع كل ثانية.
ابتسم، ابتسامة غريبة، نصفها دافئ، نصفها مثل السواد نفسه.
“لباب لم يُفتح منذ سقوط الأجنحة.”
كان كايلث يحمل في نظره ألم قرون…
خطايا لم تُغفر…
وهموم لم يشاركها أحد.
لكنه لم يُخفَ شيء.
إيلورا شعرت بهذا الألم ينسكب عليها،
كأنه يحاول أن يقول لها:
“تعالي، ستعرفين”.
في البداية، لم تتحرك.
المدينة حولها كانت صامتة، تنتظر.
الأبراج المائلة، الشوارع المتحركة، السماء الفضية…
كل شيء أصبح كخلفية مسرحية تُعرض عليها.
كايلث اقترب خطوة، ولم يتراجع.
لم تكن هناك حاجة للتفاهم بالكلام.
كل شيء في عينيه كان يقول أكثر من آلاف الكلمات:
“أنتِ لم تأتِ إلى هنا عبثًا.
أنتِ الأمل الأخير… والأخطر أيضًا.”
أخذها إلى زاوية بعيدة، حيث لم يرها المجلس من قبل.
مكان مهجور بين الأبراج المائلة.
هناك بدأت الحكاية، الحكاية التي لم يُرَ فيها ضوء منذ سقوط الأجنحة.
قال:
“لستِ مثل الآخرين.
ولستِ بشرية… ولا لوميرية.
أنتِ آخر السيران.”
إيلورا صُعقت.
“السيران؟” همست بصوت يتردد بين خوف وفضول.
كايلث أخذ نفسًا عميقًا، وكأن كل ذكرى عن السيران تؤلمه جسديًا.
“هم كائنات ولدت بأجنحة من ظل،
قادرة على عبور العوالم دون بوابات…
لكن البشر، واللوميريون، خافوا منهم.
فكُسرت أجنحتهم…
ونُفيت أرواحهم…
حتى لم يبقَ إلا القليل.
وأنت… آخرهم.”
الأرض تحت قدميها اهتزت قليلاً.
الهواء حولها أصبح أثقل.
الظلال… تحركت بطريقة لم تشهدها من قبل.
تذكرت همسات الظل الليلة السابقة…
كل شيء أصبح منطقيًا، وكل شيء أصبح مرعبًا.
كايلث جلس بجانبها، لكنه لم يجلس فقط.
هوية نصفه المضاءة، ونصفه المتلاشية جعلت منه كائنًا حيًا من ذكريات المدينة نفسها.
أخذ يروي لها تاريخ السيران…
تاريخ حروب لم تروَ،
أجنحة كسرت، دموع انسكبت، وأسرار احتُجِزت في الظل.
كل كلمة كانت تمتص من روحها شيئًا.
ولكنها شعرت بالقوة تنمو معها في الوقت نفسه.
فهمت أن هذا الألم ليس عقوبة…
بل مفتاح.
مفتاح لإعادة شيء ضاع منذ زمن بعيد… شيء كان يجب أن يُستعاد.
كايلث أشار إلى السماء الفضية، التي بدت وكأنها تتحرك مع كل حرف.
“عليكِ أن تختاري، إيلورا.
يمكنك أن تهربي، ويمكنك أن تنتظري…
أو يمكنك أن تستعيدي أجنحتك.”
“أجنحتي…؟” سألَت، والدم يجلجل في عروقها بسرعة لم تعرفها من قبل.
“نعم، أجنحة من ظل…
قوتك… هويتك… وذاكرتك كلها…
كل شيء مكسور بداخلك…
يمكنك إصلاحه.
أو تركه يكسر ما تبقى منك.”
ظل صمت ثقيل يغطي المكان.
ثم أضاف:
“لكن اعلمي، إيلورا…
الجزء الأصعب ليس استعادة الأجنحة.
الجزء الأصعب… أن تختاري من تكونين حين تصبحين كاملة.”
في تلك اللحظة، لم يكن الضوء كافيًا لرؤية ملامحها.
لكن هي شعرت بالقرار ينبت داخلها، ببطء، مؤلم، لكنه حقيقي.
تذكرت كل شيء…
كل لحظة شعرت فيها بالاختلاف،
كل مرة شعرت فيها أن شيء ما ينظر إليها من الظل،
كل مرة رأت فيها عينيها تلمعان بشكل غير عادي.
نظرت إلى كايلث، وقالت بصوت منخفض، لكنه ثابت:
“أريد أن أعرف… ماذا سأصبح إذا استعدت أجنحتي.”
ابتسم نصف الابتسامة، ابتسامة من يعرف أن اللعبة بدأت للتو.
“ستعرفين قريبًا… أكثر مما تتخيلين.”
في تلك اللحظة، اهتزت الأبراج أكثر،
وتصدعت السماء الفضية على نحو أعمق من أي وقت مضى.
الظل حولهما بدأ بالتحرك، لا كخطر، بل كتحية.
كأن المدينة نفسها قالت:
“لقد بدأ. إنه وقت السيران.”