اجنحه من ظل - الفصل 1️⃣⬇️ لوميرا التي لاترى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اجنحه من ظل
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 1️⃣⬇️ لوميرا التي لاترى

الفصل 1️⃣⬇️ لوميرا التي لاترى

لُوميرا ليست مدينة. هذه حقيقة لا تقبل الجدل، ولا تحب أن تُشرح. المدن تُبنى. تُقاس. تُحاصر بالأسوار والخرائط. أما لُوميرا… فهي تحدث. تحدث حين يفقد شخص ما طريقه، لا في الأرض، بل في نفسه. تحدث حين يصبح القلب أثقل من أن يحمله الجسد وحده. وتحدث حين لا يعود العالم الذي جئتَ منه قادرًا على تفسيرك. لا تظهر لُوميرا على الخرائط، لأن الخرائط تطلب ثباتًا، ولُوميرا تكره الثبات. ولا تُذكر في الأساطير الشائعة، لأن الأساطير تحتاج شهودًا، ولُوميرا لا تحب أن تُرى. هي مدينة تكره الزحام. تذبل إن مرّ بها الكثيرون. وتختفي إن حاول أحد أن يملكها. تطفو بين العوالم، لا كجزيرة، بل كفكرة رفضت أن تختفي. مربوطة بخيوط غير مرئية من الذاكرة والفقد. كل خيط منها مشدود إلى روح عبرت من هنا وتركَت شيئًا خلفها. دمعة لم تُبك. كلمة لم تُقل. اختيار لم يُحسم. لهذا، حين تمشي في لُوميرا، تشعر بثقل لا يأتي من الأرض، بل من الهواء. كأنك تسير داخل صدرٍ ممتلئ بالأسرار. أبراج المدينة لا تقف مستقيمة. تنحني قليلًا، دائمًا. ليس لأنها آيلة للسقوط، بل لأنها تستمع. يقول سكان لُوميرا إن الأبراج تسمع ما لا يُقال. وإنها تميل أكثر كلما كان السر أعمق. وإن برجًا واحدًا، في الجهة الشمالية، انحنى يومًا حتى كاد يلامس الأرض… ثم لم يعتدل أبدًا. الشوارع في لُوميرا كاذبة بصدق. تُريك ما تريد إن كنت صادقًا مع نفسك. وتُضيعك عمدًا إن حاولت الهرب من حقيقة تعرفها جيدًا. كثيرون أقسموا أنهم عرفوا الطريق. قليلون وصلوا. والبقية ظلوا يدورون حتى تعبت أقدامهم، ثم جلسوا حيث بدأوا، وكأن المدينة أعادتهم برفق إلى خطئهم الأول. السماء فضية. ليست مضيئة، ولا مظلمة. لا شمس تحرق، ولا قمر يواسي. فقط لونٌ واحد، ممتد، صامت، كمرآة لا تعكس شيئًا. لا ليل هنا، ولا نهار. الزمن في لُوميرا لا يسير. ينتظر. ولهذا، لا أحد في لُوميرا يعرف عمره الحقيقي. الأيام لا تُعد. والسنون لا تُقاس. كل ما يُقاس هو ما فقدته… وما لم تعد كما كنت بسببه. في هذه المدينة، لا يُسأل القادمون: من أنت؟ السؤال يُعد وقاحة. السؤال الحقيقي، والذي لا يُقال بصوت عالٍ، هو: ما الذي كُسر فيك حتى وصلت؟ في لُوميرا، عاشت إيلورا. لم تصل. لم تُقاد. لم تُستدعَ. كانت موجودة. وكأن المدينة استيقظت ذات لحظة ووجدتها هناك، فقررت الاحتفاظ بها. إيلورا لم تتذكر بداية قدومها. ذاكرتها قبل لُوميرا كانت ضبابًا كثيفًا، لا يختفي مهما حاولت. كلما اقتربت من فكرة، انزلقت. كلما أمسكت بصورة، تفتت. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط، معرفة لا تحتاج ذاكرة: أنها ليست من هنا. وأنها، في الوقت نفسه، لم تعد تنتمي إلى أي مكان آخر. حين تمشي إيلورا في الشوارع، كانت الأصوات تخفت. ليس احترامًا. ولا خوفًا. بل كأن المدينة نفسها تركز. الريح تمر بجانبها أبطأ. الظلال تطول قليلًا. حتى الأبراج، إن نظرت إليها طويلًا، تميل أكثر. كانت تشعر أحيانًا أن الأرض تحت قدميها ليست حجرًا ولا ترابًا، بل شيء أقرب إلى نبضٍ بطيء. نبض قديم. يراقبها… ويتذكرها. لم تكن جميلة بالمعنى السهل. ولا قبيحة بالمعنى الواضح. كان في ملامحها شيء غير مكتمل، كلوحة تُركت عمدًا قبل آخر ضربة فرشاة. وكان في عينيها ما لا تحب لُوميرا أن تراه كثيرًا. حين تنظر إيلورا إلى السماء الفضية، كانت تشعر بوخز في صدرها. ليس حنينًا. الحنين يحتاج ذكرى. بل فراغ. فراغ مؤلم، كأن شيئًا كان يجب أن يكون هناك… ولم يعد. في الليالي التي لا تُسمّى ليالي، كانت تجلس وحدها على درجات برجٍ مائل، تراقب لا شيء، وتشعر أن هناك من يراقبها أيضًا. ليس شخصًا. ولا كائنًا. شيء أقدم. كانت لُوميرا تعرف هذا الشيء. وتخافه. وتنتظره في الوقت نفسه. أما إيلورا… فلم تكن تعلم بعد أن المدينة لم تكن ملجأها. كانت مرحلة. وأن وجودها هنا لم يكن صدفة، بل تأخيرًا متعمّدًا قبل السقوط. وأن أول خطوة لها في لُوميرا كانت، منذ البداية، خطوة نحو الظل. .